الدولة المهزومة و” الشعوب ” المنصورة

توفيق شومان | مفكِّر وخبير سياسي لبناني

في لبنان الدولة أضعف الأطراف ومع ذلك، الكل يسجل انتصاراته على الدولة بإسم الدولة.
أهل الفساد أكلوها لحما ورموها عظما، الأحزاب حلبتها، الطوائف مزقتها، المذاهب “بطحتها  وسلختها، ومع ذلك يأتي وزير عبقري من هنا، ووزير متفلسف من هناك ونائب يجمع التفلسف والتعبقر  “الرؤية البعيدة” ويصرخ: أين الدولة ؟!.
كأن الدولة هاربة في غيهب الليل، أو كأن الدولة فرت إلى السماء السابعة ، لنتعلم قليلا من الرئيس فؤاد شهاب :
حين سعى الرئيس شهاب إلى إنشاء المصرف المركزي، حاول أهل المال والأعمال سد طريقه ، عارضوه ، أسقطوا عليه صفاتهم ونعوتهم ، أغرقوه بإتهامات العبث بالنظام المالي، بذريعة أن المصرف المركزي سيشرف على أعمال المصارف ويراقبها، ومع ذلك أصر فؤاد شهاب وعاند، وأصروا وعاندوا ، فكان له ما أراد ، إذ لا يعقل أن يكون أرباب المال “فلتانين” فلا يخضعون لمساءلة الدولة ورقابتها ومنطقها .
لنتعلم مرة ثانية من فؤاد شهاب ، وهذا “درس شهابي ” آخر :
لما لمعت في عقله ( أو في عقول من حوله ) فكرة إنشاء “الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي”، جاء من يرذل هذا المشروع ومن يريد إجهاضه قبل تحوله جنينا، وفي طليعة المعترضين إلى حد النقمة والحمأة، متمولون كبار وسياسيون كبار، وأما السبب والحجة ؟ فلأن “الضمان الإجتماعي” سيدفع إلى تقوية طوائف محددة على طوائف محددة!!.
لو يقرأ أهل السياسة اليوم سطورا من سيرة فؤاد شهاب أو نتفا منها.
لو ينظرون بعض الشيء إلى الوراء
فالنظر إلى الوراء حكمة في بعض الأحيان .
وبما أن حديث الحكمة ، بات من الضالات المفقودات في لبنان ، فلا بأس أيضا من “درس شهابي ” ثالث ، إنما هذه المرة في السياسة ولأهل السياسة :
كثيرون كانوا يطنون في أذني الرئيس فؤاد شهاب ويرنون على مسامعه مطالبين بإنزال الشرور وعظائم الأمور على المناصرين للرئيس جمال عبد الناصر ، كان يسمعهم ويصغي إليهم ويحبس أنفاسه ، وحين يخرجون من ضيافته ، كان يقول لأنصاره ومساعديه :
“يريدون مني أن “أتراذل” مع عبد الناصر ، وهو “يمون” على نصف البلد ، ومن “يمون” على نصف البلد ، يهز البلد “.
هذه حكمة الإستقرار ، وقبلها حكمة “الضمان الإجتماعي” والأمن الإجتماعي، وقبلهما حكمة الرقابة على المصارف.
الحكمة ليست دائما من شيم أهل السياسة في لبنان ، ذلك أن قلة منهم تريدها حتى لو كانت في الصين ، وأكثرهم يودي بها ويرديها حتى لو كانت في عقله ، لذلك تألبت الأحزاب على الرئيس فؤاد شهاب وتجمهرت طائفيا ضده لإسقاط نهجه وعهده.
في عهد فؤاد شهاب ، تحزبت الأحزاب ضد الدولة أو ضد مشروع الدولة ، لأن مشروع الدولة بدا نقيض الأحزاب ، وبدا للأحزاب أن قوة الدولة تضعف الأحزاب ، إذا .. لا بد من إسقاط الدولة ، أو لا بد من إبقائها ضعيفة وخاوية القوة وخائرة القوى ، وبعدما انتصرت الأحزاب على الدولة في انتخابات العام 1968، انهزمت الدولة مرة ثانية عام 1969 مع “اتفاق القاهرة ” ، فتأسست ” ثقافة الخروج ” عن الدولة ، ولما حلت لعنة العام 1975 تفشت ” ثقافة الخروج ” عن الدولة والتمرد عليها ، ومذذاك لا أحد يريد قيام الدولة ولا أحد يريد نعيها ، يريدونها محلبة ومزرعة ، ويريدونها حلبة صراع أو ميدانا ل ” ربط النزاع “.
وبما أن أحدا لا يمكن أن يلغي أحدا ، ولا يمكن أن ينتصر طرف بالمطلق على طرف آخر، يبقى النصر على الدولة أضعف الإيمان ، لذلك خربوا قوانيها ، وهتكوا أنظمتها العامة، وانتهكوا مرافقها، واستباحوا مؤسساتها ، واجتاحوا أرضها وبحرها وجوها ، حتى غدا إضعاف الدولة بطولة ، والتمرد على إجراءتها مكسبا ونفعا وغنيمة .
وطالما الكل أقوى من الدولة ، والدولة أضعف من كل الأطراف ، والكل يصفق بصفاقة لإستضعاف الدولة ، هل يمكن أن ينتصر مشروع الدولة في لبنان ؟ فيما هزائم هذا المشروع أكثر من قطعان النمل وأمواج البحر وحبات التراب ؟.
أهل الكسارات هزموا الدولة ، أهل المولدات الكهربائية هزموا الدولة ، أهل الأنهار الملوثة هزموا الدولة ، أهل الأغذية الفاسدة هزموا الدولة، أهل النفايات هزموا الدولة ، أهل “الخوازيق” الموضوعة على الطرقات وأمام المحال التجارية هزموا الدولة، أهل الشهادات الجامعية المزورة هزموا الدولة، أهل الإنهيار المالي والإقتصادي هزموا الدولة، أهل المصارف هزموا الدولة ، أهل الأحزاب المتصارعون على الوزارات يهزمون الدولة كل يوم وكل ساعة .
ماذا يبقى من الدولة ؟
ماذا يبقى منها سوى الإسم وحروف الأبجدية؟
ماذا يبقى منها سوى جنازة من دون مشيعين ؟
ومع ذلك يحدثونك عن الدولة
عن أية دولة يتحدثون ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى