جمود العقل العربي الإسلامي

جميل السلحوت | أديب مقدسي
غيّب الموت عام 2016 المفكّر والناقد والمترجم السّوريّ المعروف جورج طرابيشي، تاركا ارثا فكريّا لا يمكن القفز عنه، وقد أمضى الطرابيشي حوالي عشرين عاما في البحث والتّمحيص في قراءته للفكر العربيّ الاسلامي، محاولا دحض كتاب (نقد العقل العربي) لمحمد عابد الجابري. وقد “حاول فيه الاجابة عن هذا السؤال الأساسي: هل استقالة العقل في الإسلام جاءت بعامل خارجي، وقابلة للتعليق على مشجب الغير، أم هي مأساة داخلية ومحكومة بآليات ذاتية، يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية إقالة نفسه بنفسه؟”
بغضّ النّظر عن موقف الجابري والطّرابيشي من هذا الموضوع إلا أنّ الاجابة الصّحيحة والشّافية على التّساؤل عن أسباب “استقالة العقل عند العرب والمسلمين” قد تعيدنا إلى الوقوف على أسباب ما نحن فيه من انكسارات وخيبات وتراجعات.
فمعروف أنّ الثّقافة التي تحكم عقولنا كعرب وكمسلمين تقوم على الاتّكاليّة والتّبريريّة، وتحميل هزائمنا واحباطاتنا إلى الغير، في محاولة منّا لتبرئة أنفسنا من أخطائنا وخطايانا. وهذا يعود لأسباب عديدة أهمّها “اغلاق باب الاجتهاد” بما يحمل هذا في ثناياه من تعطيل للعقل.
وبما أنّ “علماءنا من أصحاب العمائم واللحى” يرون أنّ أساس العلوم هو “العلوم الدّينيّة”! على عكس شعوب الأرض جميعها الذين يرون الرّياضيّات أساس العلوم. فإنّ اغلاق باب الاجتهاد يعني تعطيل العقول والاعتماد على رأي السّابقين، غاضّين النّظر أنّهم بشر مثلنا يخطئون ويصيبون، وعن كونهم عاشوا في مراحل بعيدة عمّا وصلت إليه الحضارة البشريّة من تطوّر لافت على مختلف الأصعدة. ولا بدّ هنا من التّنويه إلى أنّ أتباع المذهب الشّيعيّ لم يغلقوا باب الاجتهاد، بل إنّهم لا يأخذون عن ميّت، وإن كان بامكانهم الاسترشاد برأيه إن كان يخدم ما يجتهدون فيه.
وإغلاق باب الاجتهاد يحمل في طيّاته كارثة متعدّدة الوجوه، أهمّها عدم الاهتمام بالعلوم الدّنيويّة التي لا علاقة لها بالتّشريع، وهذا واحد من أسباب عدم مساهمة العرب والمسلمين في الابتكارات والصّناعات والعلوم الحديثة. و”تقديس الجهل” الموروث يأتي مع الايمان بأنّ لا مقدّس في الدّين الاسلامي إلا القرآن والسنّة النّبويّة الصّحيحة، وما تبقّى هو آراء لبشر مثلنا يخطئون ويصيبون، ويندرج تحت “تقديس الجهل” رفْضُ أيّ جديد حتى في الاجتهاد الدّينيّ، فعلى سبيل المثال ضجّ كثيرون على المفكّر الاسلامي عثمان صالحية بسبب كتابه “الدّراية” الذي حاول فيه تنقية بعض الفكر الاسلامي من الخرافات والاسرائيليّات الموجودة في المؤلّفات القديمة، واتّهموه بالرّدّة مع أنّ كتابه ينطلق من ” ما يخالف القرآن ليس صحيحا” ولا يمكن للسّنّة الصّحيحة أن تخالف القرآن، وكذلك ما جرى للمفكر الاسلاميّ اسلام بحيري الذي حكت عليه احدى المحاكم المصريّة بالسّجن لمدّة عام ونصف بتهمة “ازدراء الأديان”! علما أنّ كليهما يدعم آراءه بآيات كريمة من القرآن، وبأحاديث نبويّة شريفة صحيحة.
وامعانا في “تقديس الجهل” فقد ظهرت حركات اسلامية كداعش وأخواتها أباحت قتل المسلمين وغيرهم، وأعادت السّبي والعبوديّة، وانتهجت سياسة التّكفير لمن يخالفهم الرّأي، معتمدين على نصوص وفتاوي وردت في كتب الأقدمين، وأخرجوها عن سياقها التّاريخي لتخدم أفكارهم.
وفي معالجة البعض لهذه الظّواهر فإنّهم يحمّلون قوى أجنبيّة مسؤوليّة ما يجري، دون أن يكلّفوا أنفسهم البحث عن المصادر التي تنهل منه هذه الحركات فكرها العقيم. والذي قد يقودها إلى خدمة مصالح وأجندات أجنبية دون أن تدري، أو أنّها تدري وتدرج ذلك في باب المصالح المشتركة. لكن في الأحوال كلّها فإنّ القوى الخارجيّة بريئة من فكر “تقديس الجهل” لدينا، بل بالعكس فإنّها تستغلّه لتشويه صورة الإسلام وأتباعه من عرب ومن غيرهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى