أدب

الاسم / سيد فاروق

البلد / مصر

#صحيفة_المثقف
#مدينة_سيدني_استراليا
رابط المقال أول تعليق وسأكتفي بالمقدمة والاستخلاصات والقصيدة

شعر الحكمة: بين التراث والمعاصرة

قراءة نقدية في قصيدة “صخب” للشاعر الدكتور مصطفى شعراوي

بقلم: د. سيد فاروق
*************
مقدمة

يظلُّ شعر الحكمة أحد أكثر الأغراض الشعرية قدرةً على عبور الأزمنة؛ لأنه لا يرتبط بواقعة تاريخية عابرة، ولا ينغلق داخل تجربة ذاتية محدودة، وإنما يتحول إلى خطاب إنساني يستنطق الوجود، ويختبر العلاقة بين الإنسان والعالم، ويعيد تشكيل التجربة الحياتية في صورة رؤى وقيم تتجاوز حدود اللحظة. ومن هنا استطاع هذا اللون من الشعر أن يحتفظ بحيويته منذ المعلقات، مرورًا بالحكمة الزهدية عند أبو العتاهية، والحكمة الفلسفية عند المتنبي، والحكمة الملحمية عند أبو تمام، وصولًا إلى التجارب الشعرية المعاصرة التي أعادت إنتاج الحكمة في ضوء تحولات الإنسان الحديث.

ولعلَّ ما يلفت الانتباه في التجربة الشعرية للدكتور مصطفى شعراوي أنه لا يتعامل مع الحكمة بوصفها خطابًا وعظيًا جاهزًا، ولا باعتبارها خلاصة أخلاقية تُلقى على المتلقي من علٍ، بل يجعلها تجربةً جماليةً تتولد من داخل البناء الشعري نفسه. فالفكرة لا تُقال مباشرة، وإنما تُكتشف عبر حركة الصورة، وإيقاع اللغة، والعلاقات التي تنشأ بين العلامات النصية. وهنا تتحول الحكمة من “معلومة” إلى “رؤية”، ومن “إجابة” إلى “سؤال”، ومن “يقين مغلق” إلى أفق تأويلي مفتوح، وهو ما يمنح النص قابلية دائمة لإعادة القراءة وإنتاج المعنى.

وتأتي قصيدة “صخب” مثالًا واضحًا على هذا التوجه؛ إذ يختار الشاعر عنوانًا يقوم على المفارقة منذ اللحظة الأولى. فالقارئ يتوقع خطابًا قائمًا على الضجيج والانفعال، لكنه يفاجأ بأن القصيدة تبدأ ببيت يهدم هذا التوقع ويؤسس لرؤية مضادة:
الصَّمْتُ أَسْمَعُ أحيانًا مِنَ الخُطَبِ
والرَّدُّ أَبْلَغُ إنْ يَغْدُو بِمُرْتَقَبِ

ومنذ هذه العتبة الأولى، يدرك المتلقي أنه أمام نص يبني دلالته على قلب العلاقات المألوفة بين الأشياء، فالصمت يصبح أكثر قدرة على التعبير من الكلام، والانتظار يتحول إلى فعل، والحكمة تغدو أبلغ من الانفعال، وهو ما يضع القصيدة ضمن ما يسميه النقد الحديث بـ”بلاغة المفارقة”، حيث لا يتولد المعنى من التصريح، وإنما من التوتر بين الدلالة الظاهرة والدلالة العميقة.

ولعل أول ما يستوقف القارئ أيضًا هو الحضور الخفي للنص التراثي في الوعي الشعري للدكتور مصطفى شعراوي، ولا سيما قصيدة أبي تمام الشهيرة التي استهلها بقوله:
السيفُ أصدقُ إنباءً من الكُتُبِ
في حدِّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ

فليس من قبيل المصادفة أن يفتتح مصطفى شعراوي قصيدته بقوله:
الصَّمْتُ أَسْمَعُ أحيانًا مِنَ الخُطَبِ

إذ تتقاطع البنيتان في صياغة المفاضلة البلاغية بين عنصرين متقابلين. غير أن هذا التقاطع لا يعني النقل أو المحاكاة، وإنما يمثل ما يسميه النقد البنيوي بـ”التناص التحويلي”، حيث يُستدعى النص القديم ليُعاد إنتاجه داخل سياق معرفي جديد. فإذا كان أبو تمام يعلن انتصار الفعل العسكري على الخطاب النظري في لحظة تاريخية مخصوصة، فإن مصطفى شعراوي ينقل المعادلة إلى بعدها الأخلاقي والإنساني؛ فالصمت هنا ليس نقيض الكلام فحسب، بل هو موقف أخلاقي يتجاوز الضجيج، والحكمة ليست في كثرة الخطب، وإنما في صدق الفعل.

ومن هنا تتجلى أصالة التجربة؛ لأن الشاعر لا يقف عند حدود استحضار التراث، وإنما يعيد تأويله وفق أسئلة العصر. فالتراث في هذه القصيدة ليس مخزنًا للصور الجاهزة، بل فضاءً للحوار، تتداخل فيه الأزمنة وتتقاطع الرؤى، فيصبح الماضي عنصرًا فاعلًا في إنتاج الحاضر، لا مجرد ذكرى تستعاد.

ومن منظور سيميائي، يمكن القول إن القصيدة تقوم على شبكة من الثنائيات الضدية التي تمنحها طاقتها الدلالية، مثل: الصمت/الخطب، القلب/اللسان، الحكمة/الغضب، الزرع/الحصاد، الصبر/النصر، السبب/النتيجة. وهذه الثنائيات لا تعمل بوصفها تقابلات جامدة، بل تتحول إلى حركة جدلية، ينتقل فيها المعنى من المستوى الظاهر إلى المستوى الرمزي. فالصمت لا يعني السكوت، وإنما ضبط الذات، والحصاد لا يعني جني الثمار وحده، بل يمثل العدالة الكونية التي تجعل الإنسان يحصد ما زرع، والنصر لا يتحقق بالقوة المجردة، بل بالحكمة والصبر.

ومن هنا فإن القصيدة تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”الشعر الأخلاقي الجمالي”، وهو الشعر الذي لا يفصل القيمة عن الفن، ولا يجعل الحكمة على حساب الشعرية، بل يذيبها داخل البنية الإيقاعية والصورة البلاغية، فتغدو الفكرة جزءًا من النسيج الفني، لا عنصرًا خارجيًا مفروضًا عليه.

أما من منظور جماليات التلقي، فإن القصيدة ترفض أن تمنح قارئها معنى واحدًا مغلقًا، لأنها تعتمد على اقتصاد لغوي شديد الكثافة، يجعل كل بيت قابلاً لإنتاج أكثر من قراءة. فالمتلقي لا يستهلك النص، بل يشارك في بنائه، ويعيد تشكيل دلالاته كلما انتقل بين مفرداته. ولذلك فإن الحكمة هنا لا تُستقبل باعتبارها خاتمة جاهزة، وإنما باعتبارها تجربة ذهنية وجمالية يعيشها القارئ أثناء القراءة.

إن القيمة الفنية لقصيدة “صخب” لا تكمن في موضوعها فحسب، بل في قدرتها على إعادة الاعتبار لشعر الحكمة داخل القصيدة العربية المعاصرة، بعيدًا عن المباشرة والخطابية التقليدية. فهي تستلهم روح التراث دون أن تقع في أسره، وتستثمر بلاغة القدماء دون أن تفقد خصوصية صوتها، وتؤسس حوارًا حيًا بين الماضي والحاضر، بين أبي تمام ومصطفى شعراوي، وبين الحكمة بوصفها إرثًا ثقافيًا، والحكمة بوصفها رؤية شعرية معاصرة.

ومن ثم فإن هذه القراءة ستسعى إلى استكشاف البنية العميقة للنص، من خلال المنهج البنيوي السيميائي، مع الإفادة من آليات نظرية التلقي والاستقبال، للكشف عن العلاقات التي تنتظم العلامات النصية، وآليات إنتاج الدلالة، وكيف استطاع الشاعر أن يحول قصيدة قصيرة إلى فضاء تأويلي واسع، تتجاور فيه البلاغة التراثية مع الحساسية الشعرية الحديثة، ليولد نصًا يثبت أن الحكمة الحقيقية لا تزال قادرة على أن تُكتب بلغة الشعر، وأن الشعر، حين يبلغ ذروة نضجه، يصبح أبلغ أشكال الحكمة.

استخلاصات
– أن شعر الحكمة… حين يستعيد التراث روحه في القصيدة المعاصرة فأن الشعر المعاصر يعيد تشكيل التراث نفسه برؤية جديدة تسهم في استلهام الأفكار بلغة العصر مع إعادة توليد أفكار جديدة بما يتلائم وطبيعة العصر.

– تكشف القراءة المتأنية لقصيدة «صخب» أن الدكتور مصطفى شعراوي لا يكتب قصيدة حكمة بالمعنى التقليدي الذي عرفه التراث العربي، وإنما يعيد بناء مفهوم الحكمة نفسه داخل أفق شعري حديث، تتجاور فيه البلاغة الكلاسيكية مع الحساسية الجمالية المعاصرة، ويتحول فيه القول الشعري من مجرد وعاء للأفكار إلى فضاء لإنتاجها. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية للنص لا تكمن فيما يصرح به من معانٍ أخلاقية، وإنما فيما يبنيه من شبكة دلالية تجعل الحكمة نتيجة للحركة التأويلية، لا نقطة بداية لها.

– ولعل أبرز ما يميز هذه القصيدة هو نجاحها في استثمار المرجعية التراثية دون الوقوع في أسرها؛ فالتناص مع أبي تمام لم يكن استدعاءً شكليًا لمطلع مشهور، وإنما كان حوارًا حضاريًا بين رؤيتين. لقد قال أبو تمام: السيفُ أصدقُ إنباءً من الكُتُبِ

– في لحظة كان فيها السيف عنوانًا للحسم التاريخي، بينما يقول مصطفى شعراوي:
– الصمتُ أسمعُ أحيانًا من الخطبِ

– في زمن أصبحت فيه كثرة الخطابات كثيرًا ما تحجب جوهر الحقيقة. وهنا تتجلى قدرة الشاعر على تحويل المرجعية التراثية إلى بنية منتجة للمعنى، لا إلى شاهد ثقافي جامد، فينتقل النص من مرحلة الاقتباس إلى مرحلة الإبداع، ومن المحاكاة إلى إعادة التأسيس.

– ومن زاوية التحليل البنيوي، تتماسك القصيدة عبر نسق من الثنائيات المتقابلة: الصمت/الخطب، القلب/اللسان، الغرس/الحصاد، الصبر/النصر، الضمير/الجمع. غير أن هذه الثنائيات لا تؤسس صراعًا بين الأضداد بقدر ما تؤسس حركة جدلية تُفضي إلى تركيب أعلى، يجعل من كل ضد طريقًا لفهم الآخر. وهنا تتجلى براعة الشاعر في بناء ما يمكن تسميته بـ اقتصاد الدلالة؛ إذ لا توجد مفردة في النص تؤدي وظيفة واحدة، بل تتحول كل علامة إلى مركز إشعاع دلالي، يتسع بتعدد القراءات.

– أما من منظور السيميائيات، فإن القصيدة تشتغل على مبدأ العلامة المتحركة؛ فالعنوان «صخب» لا يظل ثابتًا عند معناه المعجمي، وإنما يكتسب معناه الحقيقي عبر تطور النص. فالصخب الذي يبدو في البداية ضجيجًا صوتيًا، يتحول في النهاية إلى صخب الحقيقة حين تنتصر، وصخب الضمير حين يستيقظ، وصخب الوعي حين يواجه زيف العالم. وهكذا تتحول العلامة من مستوى الإحالة المباشرة إلى مستوى الرمز، فتغدو جزءًا من البنية الفلسفية للنص.

– كما نجح الشاعر في توظيف الصورة الشعرية بوصفها أداةً معرفية، لا عنصرًا زخرفيًا. فالزرع والحصاد، والصمت والخطب، والصبر والنصر، كلها صور تنتمي إلى الحياة اليومية، لكنها تتجاوز واقعيتها لتؤسس قوانين وجودية عامة، تجعل القصيدة أقرب إلى التأمل الفلسفي منها إلى الوصف العابر. وهذا ما يمنح النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود المناسبة، ويجعله صالحًا للتلقي في كل زمان.

– ومن جهة جماليات التلقي والاستقبال، استطاع النص أن يحافظ على انفتاحه التأويلي؛ إذ ترك للقارئ مساحة واسعة للمشاركة في بناء المعنى. فلا الضمير محدد بمرجع واحد، ولا النصر مقصور على دلالة بعينها، ولا الصمت يعني السكوت المطلق، بل تظل هذه العلامات قابلة لإعادة الإنتاج داخل خبرة كل قارئ، وهو ما يحقق ما ذهب إليه منظرو التلقي من أن النص الأدبي الحقيقي لا يكتمل إلا بفاعلية المتلقي.

– ولئن كانت قصائد الحكمة القديمة تعتمد في كثير من الأحيان على التقرير والمباشرة، فإن مصطفى شعراوي ينجح في الإفلات من هذا المأزق؛ إذ يذيب الحكمة في نسيج الصورة والإيقاع، فلا يشعر القارئ أنه أمام خطاب وعظي، بل أمام تجربة شعرية تنبض بالحياة. ومن هنا فإن القصيدة تحقق معادلة صعبة بين الفكر والشعر، فلا يطغى أحدهما على الآخر، بل يتكاملان في بناء رؤية جمالية متماسكة.

– ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الشاعر، وهو يكتب هذه القصيدة، يثبت أن الحكمة ليست لونًا شعريًا انتهى بانتهاء عصور الازدهار الكلاسيكي، وإنما هي طاقة متجددة قادرة على التكيف مع أسئلة الإنسان المعاصر. فالحكمة هنا ليست خلاصات محفوظة، وإنما وعي متحرك، يتشكل عبر التجربة، ويتجدد مع كل قراءة، ويؤكد أن الشعر لا يزال قادرًا على أن يكون ضميرًا للجمال، وصوتًا للعقل، ومجالًا لإعادة بناء الإنسان.

– ومن ثم، فإن قصيدة «صخب» تمثل نموذجًا لقصيدة الحكمة الحديثة التي استطاعت أن تستثمر التراث دون أن تستنسخه، وأن تنفتح على المناهج النقدية الحديثة دون أن تفقد أصالتها، وأن تجعل من اللغة الشعرية فضاءً للتأمل الفلسفي، ومن الصورة البلاغية أداةً لإنتاج المعرفة، ومن الإيقاع الداخلي نبضًا للرؤية، لا مجرد انتظام موسيقي.

– وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الدكتور مصطفى شعراوي قد قدّم نصًا يرسخ حضوره في سياق الشعر العربي المعاصر، لأنه أدرك أن الحكمة لا تُستعار من الماضي، بل تُخلق من قدرة الشاعر على الإصغاء إلى أسئلة عصره، وأن التراث لا يبقى حيًا إلا إذا تحول إلى قوة خلاقة داخل النص الجديد. وهكذا تغدو «صخب» قصيدةً تؤكد أن الشعر، مهما تغيرت الأزمنة، سيظل قادرًا على أن يكون بيت الحكمة، ومرآة الوعي، ولسان الضمير الإنساني.

شكرا جزيلا للشاعر الراسخ الدكتور مصطفى شعراوي على هذه القصيدة الماتعة المائزة الفريدة
تقديري الدائم
******************
د. سيد فاروق

النص
#صَخَبْ
.
.

الصَّمْتُ أَسْمَعُ أحيانًا مِنَ الخُطَبِ
والرَّدُّ أَبْلَغُ إنْ يَغْدُو بِمُرْتَقَبِ

فَصُنْ لِسَانَكَ لا تُغْرِيهِ مَسْأَلَةٌ
وَدَعْ لِقَلْبِكَ ما يَرْقَاهُ مِنْ رُتَبِ

إذا رَأَيْتَ ضَمِيرَ الجَمْعِ مُتَّقِدًا
فَسَلْ ضَمِيرَكَ هلْ يَغْدُو بلا عَتَبِ

وَحَقِّقِ النَّصْرَ مِنْ أَزَلٍ بِحِكْمَتِهِ
فَحِكْمَةُ النَّصْرِ في رَدٍّ بلا غَضَبِ

وَزِنْ فِعَالَكَ لا تُوكِلْ بِهَا أَحَدًا
فَأَنْتَ وَحْدَكَ مَسْؤُولٌ عَنِ السَّبَبِ

أَرَاكَ تَغْرِسُ في أَرْضٍ لِتَحْصُدَهَا
حَانَ الحَصَادُ بلا خَوْفٍ ولا رَهَبِ

ولذَّةُ الصَّبْرِ في حِلْمٍ تُحَقِّقُهُ
بعدَ الصِّعابِ وما نَلقاهُ مِن نَصَبِ

غَدًا يَجِيءُ بِنَصْرٍ حَانَ مَوْعِدُهُ
ويَعْلَمُ الكَوْنُ كمْ في النَّصْرِ مِنْ صَخَبِ
.
.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى