أدب

نقد

الاسم / سيد فاروق

البلد / مصر

شعر الحكمة: بين التراث والمعاصرة

قراءة نقدية في قصيدة “صخب” للشاعر الدكتور مصطفى شعراوي

بقلم: د. سيد فاروق
*************
مقدمة

يظلُّ شعر الحكمة أحد أكثر الأغراض الشعرية قدرةً على عبور الأزمنة؛ لأنه لا يرتبط بواقعة تاريخية عابرة، ولا ينغلق داخل تجربة ذاتية محدودة، وإنما يتحول إلى خطاب إنساني يستنطق الوجود، ويختبر العلاقة بين الإنسان والعالم، ويعيد تشكيل التجربة الحياتية في صورة رؤى وقيم تتجاوز حدود اللحظة. ومن هنا استطاع هذا اللون من الشعر أن يحتفظ بحيويته منذ المعلقات، مرورًا بالحكمة الزهدية عند أبو العتاهية، والحكمة الفلسفية عند المتنبي، والحكمة الملحمية عند أبو تمام، وصولًا إلى التجارب الشعرية المعاصرة التي أعادت إنتاج الحكمة في ضوء تحولات الإنسان الحديث.

ولعلَّ ما يلفت الانتباه في التجربة الشعرية للدكتور مصطفى شعراوي أنه لا يتعامل مع الحكمة بوصفها خطابًا وعظيًا جاهزًا، ولا باعتبارها خلاصة أخلاقية تُلقى على المتلقي من علٍ، بل يجعلها تجربةً جماليةً تتولد من داخل البناء الشعري نفسه. فالفكرة لا تُقال مباشرة، وإنما تُكتشف عبر حركة الصورة، وإيقاع اللغة، والعلاقات التي تنشأ بين العلامات النصية. وهنا تتحول الحكمة من “معلومة” إلى “رؤية”، ومن “إجابة” إلى “سؤال”، ومن “يقين مغلق” إلى أفق تأويلي مفتوح، وهو ما يمنح النص قابلية دائمة لإعادة القراءة وإنتاج المعنى.

وتأتي قصيدة “صخب” مثالًا واضحًا على هذا التوجه؛ إذ يختار الشاعر عنوانًا يقوم على المفارقة منذ اللحظة الأولى. فالقارئ يتوقع خطابًا قائمًا على الضجيج والانفعال، لكنه يفاجأ بأن القصيدة تبدأ ببيت يهدم هذا التوقع ويؤسس لرؤية مضادة:
الصَّمْتُ أَسْمَعُ أحيانًا مِنَ الخُطَبِ
والرَّدُّ أَبْلَغُ إنْ يَغْدُو بِمُرْتَقَبِ

ومنذ هذه العتبة الأولى، يدرك المتلقي أنه أمام نص يبني دلالته على قلب العلاقات المألوفة بين الأشياء، فالصمت يصبح أكثر قدرة على التعبير من الكلام، والانتظار يتحول إلى فعل، والحكمة تغدو أبلغ من الانفعال، وهو ما يضع القصيدة ضمن ما يسميه النقد الحديث بـ”بلاغة المفارقة”، حيث لا يتولد المعنى من التصريح، وإنما من التوتر بين الدلالة الظاهرة والدلالة العميقة.

ولعل أول ما يستوقف القارئ أيضًا هو الحضور الخفي للنص التراثي في الوعي الشعري للدكتور مصطفى شعراوي، ولا سيما قصيدة أبي تمام الشهيرة التي استهلها بقوله:
السيفُ أصدقُ إنباءً من الكُتُبِ
في حدِّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ

فليس من قبيل المصادفة أن يفتتح مصطفى شعراوي قصيدته بقوله:
الصَّمْتُ أَسْمَعُ أحيانًا مِنَ الخُطَبِ

إذ تتقاطع البنيتان في صياغة المفاضلة البلاغية بين عنصرين متقابلين. غير أن هذا التقاطع لا يعني النقل أو المحاكاة، وإنما يمثل ما يسميه النقد البنيوي بـ”التناص التحويلي”، حيث يُستدعى النص القديم ليُعاد إنتاجه داخل سياق معرفي جديد. فإذا كان أبو تمام يعلن انتصار الفعل العسكري على الخطاب النظري في لحظة تاريخية مخصوصة، فإن مصطفى شعراوي ينقل المعادلة إلى بعدها الأخلاقي والإنساني؛ فالصمت هنا ليس نقيض الكلام فحسب، بل هو موقف أخلاقي يتجاوز الضجيج، والحكمة ليست في كثرة الخطب، وإنما في صدق الفعل.

ومن هنا تتجلى أصالة التجربة؛ لأن الشاعر لا يقف عند حدود استحضار التراث، وإنما يعيد تأويله وفق أسئلة العصر. فالتراث في هذه القصيدة ليس مخزنًا للصور الجاهزة، بل فضاءً للحوار، تتداخل فيه الأزمنة وتتقاطع الرؤى، فيصبح الماضي عنصرًا فاعلًا في إنتاج الحاضر، لا مجرد ذكرى تستعاد.

ومن منظور سيميائي، يمكن القول إن القصيدة تقوم على شبكة من الثنائيات الضدية التي تمنحها طاقتها الدلالية، مثل: الصمت/الخطب، القل%LS

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى