أنطولوجيا الغيب والشهادة: رحلة الوجود الإنساني بين التجلي والمطلق

أ.د. محمد سعيد حسب النبي | أكاديمي مصري
يمثل سؤال الوجود أحد أعظم المحاور التي شغلت الفكر البشري عبر العصور، غير أن معالجته في الخطاب القرآني تتميز بخصوصية فريدة تتجاوز النظرة التجزيئية التي تفصل بين المادة والروح، أو بين الملاحظ والغائب. فالقرآن الكريم لا يقدم الوجود باعتباره معطىً ميتافيزيقيًا مجردًا، ولا مشكلة نظرية معزولة عن السياق الإنساني، بل يطرح رؤية كنية شاملة تنتظم فيها العلاقة بين “الغيب” و”الشهادة” بوصفهما مستويين متكاملين في بنية تراتبية واحدة ومحكمة. ومنذ البدء، يحيل النص القرآني الكون بأسره إلى علم إلهي جامع ومحيط، كما يتجلى في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (التغابن: 18)، وهو اقتران متكرر يؤكد على وحدة نسقية تتجاوز مجرد التقابل اللغوي لتؤسس لرؤية ترى في عالم الشهادة تجليًا لمرتبة أسبق وأشمل.
إن انتظام هذا الكون لا يستقل بذاته قط، بل يظل مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بقيومية إلهية مستمرة تمنحه الديمومة والبقاء، طبقًا لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (البقرة: 255). فالشهادة، وفق المنظور القرآني، ليست مجالًا مغلقًا تحكمه قوانين ميكانيكية مستقلة استقلالًا تامًا، بل هي مساحة انتظام واعية محكومة بإرادة من خلقها. وفي هذا السياق، يتخذ الوجود مسارًا متدرجًا يبدأ من العدم النسبي وصولًا إلى التحقق الكامل، عاكسًا تراتبية دقيقة في مراتب الكينونة، لا مجرد سرد تاريخي لوقائع الخلق، كقوله تعالى في سورة الإنسان: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ (الإنسان: 1)، في مقابل حتمية الفناء النسبي لكل الموجودات الشهودية أمام ثبات المطلق الباقي.
أما مفهوم “الغيب”، فإنه يتجاوز في الدلالة القرآنية مجرد التنبؤ بالمستقبل أو غياب المعرفة الحسية، ليصبح إطارًا أنطولوجيًا مفسرًا لحركة التاريخ والكون. وإذا كان الإيمان بالغيب يبدو للوهلة الأولى تعطيلًا لأدوات التجربة، فإنه في حقيقته اعتراف واعي بحدود الإدراك البشري، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: 255). فالغيب مفهوم نسبي من جهة إدراك البشر، ومطلق من جهة الإحاطة الإلهية، وهو ما يفتح أفقًا رحبًا للتكامل المستمر بين البحث العلمي والإيمان العقدي، دون ادعاء الإحاطة الكلية التي تُوقع العقل في أسر المادية المبتسرة.
وفي المقابل، فإن عالم “الشهادة” يمثل مرتبة التحقق العيني التي تتجلى فيها آثار التقدير الغيبي، وهو ليس مجرد واقع مادي محايد، بل حافل بالآيات الدلالية التي تشير إلى صانعها. كما يقوم هذا العالم على مبدأ “السننية” الثابتة، التي تتيح للإنسان فهم الطبيعة والتنبؤ بها، دون أن تتحول هذه السنن إلى حتمية صماء تعزل الخالق عن خلقه. وتكتسي الشهادة طابعًا اختبارياً عميقاً؛ فحياة الإنسان فيها ليست عبورًا عبثياً، بل مسار تكويني للذات وميدان للابتلاء الأخلاقي، كما يقرر القرآن الكريم: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2).
وتتجلى ذروة البنية القرآنية في إقرارها للتراتبية الوجودية التي تنتظم فيها مستويات الوجود من المطلق إلى المقيد، بدءًا من عالم “الأمر” الإلهي العلوي غير المقيد بالزمان أو السببية المادية، مرورًا بمرحلة “الخزائن” و”التقدير” التمهيدي، وصولًا إلى “التنزيل” العياني في عالم “الخلق” والشهادة. هذه الحركة لا تمثل انتقالًا مكانياً، بل ارتقاءً في مراتب الكينونة تديره القيومية الإلهية المستمرة. وهذا التراتب المتقن يعيد صياغة مفهوم الزمن والوجود، ويجعل من رحلة الإنسان على الأرض قوسًا متكاملًا يبدأ من المطلق الإلهي وينتهي بالرجوع إليه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 29).
وفي قلب هذه التراتبية العظيمة، يشغل “الإنسان” مكانة فريدة ومركزية تجعله كائنًا برزخيًا بامتياز؛ فهو يجمع في تكوينه المادي والروحي بين الطين الأرضي والنفخة الإلهية: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ (الحجر: 29). هذا التركيب المزدوج يؤهله لتحمل أمانة “الاستخلاف” وعمارة الأرض، جاعلًا من حريته أمانة مسؤولة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالغاية والقيم الأخلاقية، لا مجرد استقلال عبثي أفرغته الفلسفات الوجودية المادية المعاصرة من معناه.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى بين النموذج القرآني والفلسفات الوجودية الحديثة كوجودية جان بول سارتر التي تنفي الغيب وتؤسس لحرية مطلقة بلا مرجعية. فالوجودية المادية، بنفيها للمطلق والتراتبية الوجودية، أفضت بالانسان المعاصر إلى مهاوي القلق والعبثية والضياع. في المقابل، يقدم الخطاب القرآني بديلًا أنطولوجيًا متماسكًا؛ إذ يربط حرية الإنسان ومساعيه بالغايات المتعالية، ويحوّل القلق البشري إلى “كَدْح” هادف نحو لقاء الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6).
ختامًا، تؤكد هذه القراءة الأنطولوجية أن الغيب والشهادة ليسا عالمين منفصلين، بل هما وجهان لحقيقة وجودية واحدة متماسكة. فالغيب يمنح الشهادة معناها وقوانينها وغايتها، والشهادة تقدم للغيب مسرح التحقق والتجلي والفعل الأخلاقي. وبذلك ينجح النسق القرآني في تقديم رؤية كونية ومعرفية متكاملة تزيح شبح العبثية، وتعيد للإنسان وعيه بدوره الحضاري، متزودًا بالتوازن الخلاق بين حدود عقلة المحدود وآفاق إيمانه المطلق.
(هذا المقال مستخلص من بحث منشور للباحث الأستاذ الدكتور محمد سعيد حسب النبي في مجلة العمران التابعة لمركز العمران الحضاري للثقافة والعلوم، وبالتعاون مع المركز الأكاديمي للدراسات والبحوث بالمغرب). عنوان البحث: “أنطولوجيا الغيب والشهادة: دراسة في تراتبية الوجود في الخطاب القرآني”.
https://drive.google.com/file/d/1pJ15Tp_2K3NZhfsNC9lIKmzg1g2dhFR8/view



