أخبار

مشروع في إصلاح علم النفس من الداخل

يربط بين أربعة مستويات متكاملة

خاص عالم الثقافة 

في زمنٍ تتكاثر فيه الأوراق العلمية أكثر مما تتكاثر الأفكار، وتزداد فيه سرعة النشر أسرع من قدرة الحقول العلمية على التثبّت من نفسها، يعود سؤالٌ قديم بصياغة جديدة: ما الذي يجعل المعرفة العلمية معرفةً جديرة بالثقة؟ ليست المشكلة في قلّة الإنتاج، بل في نوعه؛ ليست في غياب المناهج، بل في هشاشة المعايير التي تُدار بها الممارسة البحثية من الداخل. ومن هذا المنعطف تتشكّل الإصدارات الأربعة للدكتور أسامة محمد إبراهيم أستاذ علم النفس التربوي بجامعة سوهاج بوصفها مشروعًا فكريًا واحدًا، لا سلسلة كتب متجاورة: مشروعٌ يضع علم النفس والعلوم السلوكية والاجتماعية أمام مرآتها، ويعيد ترتيب العلاقة بين إنتاج المعرفة، ونزاهتها، ولغتها، وهوية من ينتجها.
يبدأ المشروع من المستوى البنيوي في كتابه الأول: مدخل إلى ما وراء العلم: علم تقويم إنتاج البحوث العلمية وممارساتها. هنا لا يُعامل العلم بوصفه “حقائق” تزداد بزيادة عدد الدراسات، بل بوصفه منظومة إنتاج لها اقتصادها الرمزي، وحوافزها، وانحيازاتها، ونقاط ضعفها. يقدّم الكتاب مدخلًا عربيًا يقرّب للقارئ معنى “ما وراء العلم” بوصفه حقلًا يفحص العلم وهو يعمل: كيف تُصاغ الأسئلة؟ كيف تُنتقى النتائج؟ كيف تتحوّل الدلالة الإحصائية إلى يقينٍ اجتماعي؟ وكيف يمكن لبنية النشر والتحفيز أن تخلق معرفةً تبدو متماسكة لكنها غير قابلة للدفاع عند الاختبار الصارم؟ إنه تأسيسٌ يعلّم القارئ أن نقد العلم لا يعني رفضه، بل يعني الدفاع عنه عبر مساءلة شروطه.
ومن نقد البنية ينتقل المشروع إلى تهذيب الممارسة في كتابه الثاني: نزاهة البحث العلمي: أفضل الممارسات في العلوم الاجتماعية والسلوكية. فالنزاهة هنا ليست وعظًا أخلاقيًا عامًا، بل هندسة دقيقة للقرار البحثي اليومي: ما الذي ينبغي أن يفعله الباحث قبل أن يجمع البيانات، وأثناء التحليل، وعند كتابة النتائج؟ كيف يميّز بين ما تسمح به البيانات وما لا تسمح؟ وكيف يواجه مناطق “الرمادي” التي لا تُحسم بنصوص اللوائح بل بضميرٍ منهجي يقظ؟ يضع الكتاب أفضل الممارسات بوصفها آليات حماية للمعنى، لا مجرد إجراءات امتثال.
ثم يجيء الكتاب الثالث: دليل النشر في مجلات علم النفس، ليعالج لحظةً غالبًا ما يُساء فهمها: النشر ليس خاتمة تقنية لبحثٍ اكتمل، بل هو “اختبار اجتماعي” للادّعاء العلمي. يضيء الدليل ما يحدث في منطقةٍ حسّاسة بين الباحث والمجتمع العلمي: كيف تُبنى الحجة؟ كيف تُكتب الورقة بوصفها دليلًا قابلًا للمساءلة لا سردًا للنتائج؟ كيف تُدار علاقة الباحث بالمراجعين؟ وكيف يوازن بين معايير الحقل ومتطلبات الوضوح والصدق؟ بهذا المعنى، لا يقدّم الدليل وصفة للقبول، بل تربية على الكتابة العلمية بوصفها ممارسة معرفية مسؤولة.
وتبلغ السلسلة ذروتها في الكتاب الرابع: هوية الباحث النفسي: المسؤولية المعرفية في عصر العلم المفتوح. هنا يتحوّل السؤال من “كيف نبحث”؟ إلى “من هو الذي يبحث؟” فالكتاب لا يقدّم العلم المفتوح كحزمة أدوات، بل كتحوّلٍ في معنى المسؤولية: أن تعلن حدود ادّعائك، وأن تتيح ما يلزم لفحصه، وأن تقاوم إغراءات اليقين السهل، وأن تتعلّم فضيلة التواضع الاستدلالي. إنه كتابٌ عن الذات الباحثة حين تصبح شفافية العلم اختبارًا لصدقها، لا لذكائها فقط.
بهذه الكتب الأربعة يتشكّل مشروعٌ يربط بين أربعة مستويات متكاملة: تقويم العلم وهو يعمل، ترشيد الممارسة من الداخل، ضبط لغة النشر بوصفها لغة الدليل، ثم تأسيس هوية الباحث بوصفها مسؤولية معرفية. إنه مشروعٌ يدعو إلى إعادة بناء الثقة لا عبر زيادة الإنتاج، بل عبر ترقية المعايير، وإعادة المعنى إلى قلب الممارسة العلمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى