مقال

سلطة “الذاكرة” منهجًا يدعم أركانه النقديّة ..

الناقد أ.د. سعيد حميد كاظم في كتابه  (سلطة الذاكرة الروائيّة، مقاربات في أدب لطفيّة الدليميّ)

الناقدة الدكتورة: ضحى ثامر محمد.

جامعة كربلاء -كلية الهندسة

تعدّدت مقاصد هذا الكتاب لناقدنا “الونّاس” رؤيةً ومنهجًا، فلم يكن مؤلفه النقديّ تنظيرًا لجذور الذاكرة الأدبيّة فحسب بل كان منهجًا متكامل الأركان تتكأ عليه الدراسات و الأبحاث النقديّة لما يتضمّن من شموليةٍ للمعنى والدلالة وبما يحقّق من أجوبةٍ راكزة للأسئلة المهيمنة لبيان مدى كفاءة الذاكرة في قراءة النص الأدبيّ عامة والروائيّ خاصة . ولا يمكن للمنهج أن تتفكّك رؤاه لولا وجود نصّ تجري عليه إجراءات المنهج واشتراطاته .
ولا يخفى أنّ شراسة الالتقاط بعينٍ ناقدة حاذقة من لدن الناقد أ.د. سعيد لأدب “لطفيّة الدليميّ” كانت موفقةً لما يحمل هذا الأدب من خفايا ذاكراتية ذات قيمة حضاريّة و ثقافيّة وأبعاد تاريخيّة وجماليّة مسكوت عنها ، ويعلّل ناقدنا أ.د . سعيد سبب توجيه منهجه على الرواية خاصة :(أن في الرواية عقدًا سرديّةً متعدّدةً، والذاكرة تنظّم تخريج هذه العقد نحو بدايات ونهايات روائيّة قوية ومقنعة ومؤثرة). وأنّها تجري مجرى الوعي النقديّ في الالتقاط والتضمين، وتحدو نحو عمق البصيرة التأويليّة التي يتمتع بها الناقد د. سعيد التي جعلته يتداول الذاكرة بوصفها منهجًا نقديًّا قائلًا((يندرجُ هذا الكتابُ في ضمنِ المسعى التأويليِّ؛ إذ يضمّ دراساتٍ نقديَّةً معمَّقةً تتناولُ بالتحليلِ والقراءةِ التفسيريَّةِ أعمالَ الروائيَّةِ العراقيَّةِ “لطيفةِ الدليميِّ” بوصفها حقلًا نصِّيًّا يختزنُ حساسيَّةً معرفيَّةً وجماليَّةً، تستدعي استراتيجيَّاتِ تحليلٍ تتجاوزُ المعاييرَ النقديَّةَ التقليديَّةَ، إذ نحا الاشتغالُ السرديُّ في هذه النصوصِ ليتأسَّسَ على ما يُمكنُ تسميتُه بـ”الذاكرةِ المتشظِّيةِ”، وهي ذاكرةٌ لا تستعيد الحدث بل تعيدُ إنتاجَه بوصفِه نصًّا محايثًا للذَّاتِ؛ يأتلفُ مع الأسئلةِ الكبرى للكينونةِ والهُويَّةِ والمكانِ ويختلف في إجاباتِها.
لقد كشفَتِ الدِّراساتُ الواردةُ في هذا الكتابِ عن كيفيَّاتِ تمظهرِ “الذاكرةِ الروائيَّةِ” في النَّصِّ ، وهي تُعيدُ تموضعَ الشخصيَّاتِ داخلَ مشهدٍ سرديٍّ يتداخلُ فيه الخاصُّ بالعامِّ، والزمنيُّ بالوجوديِّ، والذاتيُّ بالسياسيِّ، وهذا ما يُجسِّدُه توظيفُ الذاكرةِ في رواياتِ لطيفة الدُّليميِّ التي تَسعَى إلى بناءِ وعيٍ مضادٍّ، يُشيِّدُ سردًا يعارضُ الروايةَ الرسميَّةَ، ويُحاورُ المسكوتَ عنه بعَينٍ جماليَّةٍ وفكريَّةٍ ناقدةٍ))
وهذا ما تلتهمه الدراسات النقديّة، وترتكز عليه في التحليل العميق والقراءة التفسيريّة؛بوصفه منهجًا نقديًّا يحمل سماته، وتتشكّل ملامحه ذات اللغة النقديّة التي تنماز بالمعيار العلميّ الرصين، وهو يتغلّغل في ثنايا النصوص الروائيّة المختارة حتى يكشف عن مضمونها بوعي وانمياز، بل ما تعوّل عليه الدراسات النقديّة الجديدة وهي تنتخب لرؤيتها الرسوخ والانعطاف.
إنّ الهيمنة النقديّة لحس الكاتب تضع تصورات جديدة لقراءات أخرى تدعو لتفكيك خطاب الرواية الظاهر والمضمر منه، و لا سيما بعد توظيفه لمصطلحات نقديّة معاصرة ، مثل :التشظي السرديّ ، والهامش الجمالي ، والتناص مع المرجع الغائب ، والذاكرة المقاومة… وغير ذلك .
ممّا تتيح للقارئ والدارس أبعادًا تاويليّة يرتكز عليها في معرفة مغزى الخطاب ودلالاته وتشكّلاته ..
وتمضي الذاكرة لتحمل أزمنةً عدّة طوّعها الناقد الهمام بجعلها مفتاحًا نقديًّا حيويًّا يعيد الفضاء الذاتي ، لتنتج دلالات متنوّعة.
وبهذا يُمكن القول إنّ الناقد الونّاس يسعى إلى تأسيس “مشروع نقديّ” متكامل يسائل فيه التجربة السرديّة للروائيّة “لطفيّة الدليميّ” بما تحمله من تحوّلات إبداعيّة في خطابها السرديّ، بل يسعى الكتاب إلى الانفتاح على المقاربات النقديّة الحديثة في القراءة، ليرتقي نحو خطاب حداثي مميّز.
وفي الختام .. يُعدّ الكتاب مشروعًا معرفيًّا يؤسّس لفهم جديد، وهو يُراهن على استعادة المعنى النقديّ للسرد عبر
الرصد متّجهًا إلى التفكيك،
قاصدًا بقراءته النوعيّة بنية الخطاب السرديّ ومضمراته في
موازنةٍ بين البعدين التّنظيريّ والإجرائيّ من خلال تتّبع ملامح الذاكرة الروائيّة الكاشفة .
وبهذا يُعيد المؤلّف صياغة “الذاكرة” بوصفها رؤيةً مُتحوّلةً تتأسّس على الانزياح الجماليّ ومُتّجهةً نحو تأويل الانحراف الجماليّ أداءً ورؤيةً ومنهجًا..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى