سيكولوجية الماتشا … والتعليم

أ. د. علاء الدين عبدالحميد أيوب| خبير تربوي
أصبحت بعض الظواهر الاجتماعية أكثر من مجرد خيارات يومية؛ فهي رموز للانتماء والتمييز، يختار كثيرون ما لا يحبون طعمه، وما لا يقدم قيمة حقيقية، ليس لأنهم مقتنعون به، بل لأن المجتمع أو الثقافة المحيطة تجعل منه علامة مميزة ودلالة على “البرستيج” والرفاهية. هذا هو عالم سيكولوجية المظاهر الذي أصبحنا نعيشه، حيث الصورة والوجاهة الاجتماعية تتفوق على الجوهر، وتُوجه تطلعاتنا أكثر من اختياراتنا الحقيقية.
ففي السنوات الأخيرة، أصبحت الماتشا أكثر من مجرد مسحوق شاي ياباني نحتسيه إلى رمز اجتماعي يعكس نمط حياة راقي. ورغم أن كثيرين يعترفون بأن طعم الماتشا ليس محببًا، إلا أنها أصبحت جزءًا من “المشهد الاجتماعي” الراقي بين فئات المجتمع المختلفة بغض النظر عن عدم الرضا عن طعمها. وهنا تظهر سيكولوجية الماتشا: لماذا نستهلك شيئًا لا نستمتع به، فقط لأنه أصبح رمزًا للتمييز أو الانتماء إلى طبقة اجتماعية معينة (البرستيج الاجتماعي).
إن ظاهرة الماتشا ليست بمعزل عن باقي مجالات الحياة، بل لها امتداداتها في مجالات أخرى، وسأتحدث اليوم عن ظاهرة الماتشا في التعليم والتي تظهر في اختيار أولياء الأمور للمدارس الخاصة والدولية. فقد أصبح من الشائع اليوم أن يدفع الآباء والأمهات مبالغ طائلة لتسجيل أبنائهم في مدارس باهظة الثمن، وعلى الرغم من أن التعليم الخاص والدولي جيد، وفي كثير من الأحيان يقدم جودة تعليم تستحق التقدير إلا أن ليس كل المدارس الخاصة أو الدولية تقدم مستوى جيد من التعليم يتناسب مع المبالغ المالية الطائلة التي تنفق عليه. فهناك مدارس تعتمد على السمعة أو العلامة التجارية أكثر من المحتوى التعليمي الفعلي، مما يؤدي إلى تفاوت كبير بين جودة التعليم المتاحة للأسر، وكثيرًا منها لا يقدم تعليمًا فعليًا يرتقي إلى قيمة الرسوم، بل يرهق الأسر ماليًا بلا عائد حقيقي. ومع ذلك، يستمر الطلب عليها بقوة. لماذا؟ تمامًا كما تمنح الماتشا شعورًا بالانتماء إلى نمط حياة “راقي”، أصبحت المدارس الدولية تمنح العائلات شعورًا بأنها جزء من طبقة اجتماعية ذات مكانة معينة. الاختيار هنا لا يعتمد على جودة التعليم، بل على الصورة الاجتماعية التي تعكسها المدرسة.
وفي النهاية، تكشف لنا “سيكولوجية الماتشا” الكثير عن طبيعة الإنسان المعاصر: كيف يمكن أن تتحول الخيارات اليومية إلى مؤشرات للهوية، وكيف تسيطر الصورة الذهنية على الحكم أكثر من القيمة الفعلية. سواء كان الأمر فنجان ماتشا لا نحبه أو مدرسة دولية لا تقدّم تعليمًا يستحق ثمنه، يبقى جوهر الظاهرة واحدًا: نحن نُقاد أحيانًا بما يبدو جيدًا اجتماعيًا، لا بما هو جيد فعليًا.
ولعلّ هذا يدعونا إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نتخذ بها قراراتنا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمستقبل أبنائنا. فالتعليم ليس “ماركة” نقتنيها، ولا بطاقة عضوية في طبقة اجتماعية، بل هو بناء عميق للمعرفة والمهارات والقيم. وما لم نكسر دائرة “الانبهار بالمظاهر”، سنستمر في استهلاك ما لا نحتاجه، ودفع ثمن ما لا يمنح قيمة حقيقية أو نحصل منه على منتج حيد، وتكرار اختيارات لا تخدم أبناءنا ولا مجتمعنا.
ربما حان الوقت للعودة إلى جوهر الأشياء سواء في فنجان الشاي الذي نرتشفه أو المدرسة التي نختارها لنميز بين ما هو “راقي في الصورة” وما هو “راقي في القيمة”.



