فكر

هل العقل بريء؟

بقلم: سليمان التمياط | كاتب وشاعر من السعودية

سؤال يبدو أخلاقياً، لكنه أعمق من ذلك. فالبراءة تفترض وجود مسافة بين القاضي والقضية. أن يقف الناظر خارج ما ينظر إليه. وهذا ما لا يملكه العقل.

العقل ليس عيناً ترى العالم فقط؛ هو جزء من المشهد الذي يراه. ليس أداةً لفهم الواقع فحسب؛ هو أحد الأشياء التي يحاول فهمها؛ لهذا تبدو البراءة فيه مشكلةً فلسفيةً قبل أن تكون حكماً أخلاقياً.

كل ما يعرفه العقل يمر عبره أولاً. حتى اعتراضه على نفسه يمر عبر نفسه. وحتى شكّه في أحكامه يصدر بالأداة ذاتها التي يشك فيها؛ لهذا لا يستطيع العقل أن يخرج من ذاته ليتحقق من ذاته. إنه يشبه مرآةً تحاول أن ترى سطحها العاكس مباشرةً.
كلما اقتربت من نفسها ظهرت صورة جديدة تحتاج إلى مرآة أخرى.

ماذا حين يرى عقلٌ عقلاً؟

حين يقف عقل أمام عقل آخر، يبدو للوهلة الأولى أن المشكلة انحلّت. خرجنا أخيراً من الدائرة المغلقة. ثمة ناظر وثمة منظور إليه.

لكن سرعان ما تنكشف المفارقة. فالعقل الذي يرى لا يزال عقلاً. يحمل بنيته هو، وحدوده هو، وتحيزاته هو. فما يراه في العقل الآخر ليس العقل الآخر كما هو، وإنما صورته عنه.

اللقاء بين عقلين لا ينتج يقيناً مضاعفاً، بل ينتج مرآتين متقابلتين، تعكس كل واحدةٍ منهما الأخرى إلى ما لا نهاية. وما نسميه فهماً قد لا يكون أكثر من نقطة التقاء بين رؤيتين، لا رؤيةً تقف خارجهما.

لكن الشرخ الحقيقي أعمق من هذا. حين تقول: “عقل يرى عقلاً”؛ لا تعرف أيهما أنت. هل أنت الذي يرى؟ أم أنك المرئي، وثمة شيء فيك يراقبك دون أن تسميه عقلاً؟ من الذي يشك؟ ومن الذي يلاحظ الشك؟ إذا كانا واحداً، فلا خروج. وإذا كانا اثنين، فمن أنت من بينهما؟

هنا يصبح السؤال الأول مختلفاً تماماً. لم يعد السؤال: هل العقل بريء من العالم؟ السؤال صار: هل أنت بريء من عقلك؟ وهو سؤال لا تملك أداةً تجيب به عنه، إلا العقل ذاته.

ربما لهذا لم تستطع الفلسفة أن تثبت براءة العقل إثباتاً نهائياً. ليس لأن الأدلة ناقصة. بل لأن العقل ليس شاهداً على القضية فقط. العقل هو المحكمة كلها. والمتهم. والقاضي. والمسافة التي كان يظن أنها تفصل بينهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى