الكلمة: كائن بريء بين مرايا النفوس

د. سناء جعفر ال محمد | العراق
الكلمة كائن بريء في جوهره، كقطرة ماء صافية لا لون لها ولا طعم، تنطلق من فم قائلها كذبذبة خفيفة تعبر فضاء اللغة، ثم تستقر في أذن السامع فتتشكل هناك وفق أنسجة روحه ووشائج ذاكرته. إنها لا تحمل في ذاتها سما ولا ترياقا، ولا تعرف الحب كما لا تعرف الكراهية، بل هي مجرد إشارة عابرة، تمنح حياتها الثانية في لحظة التلقي، حيث تخلع عليها عقولنا أثوابا من معاني لم تكن فيها، وتكسوها ألوانا من انطباعاتنا التي نرسمها على صورة قائلها.
إن التأمل في طبيعة الكلمة يقودنا إلى دهشة كبرى: فهي كالجسر المعلق بين روحين، يهتز مع كل خطوة يخطوها العابرون، ويتغير شكله وفق ثقل الخطى وخفة الأنفاس. قد تكون الكلمة وردة ندية حين ينطقها من نحب، فيفوح منها عطر الحنين ودفء الألفة، وتتحول إلى خنجر ماض حين تخرج من فم لا نستسيغه، فتجرحنا دون أن تلمس جسدنا، وتؤلمنا دون أن تخرق جلدنا. وهنا يتجلى سحر اللغة وعجبها: فالحروف لا تتغير، والترتيب لا يتبدل، والمعنى اللغوي ثابت في قواميسه، لكن الصورة التي ترتسم في مرآة النفس تتقلب بتقلب الناظر. فنحن لا نستقبل الكلمات كما هي، بل كما نرى قائلها؛ وكأن عيوننا تصغي قبل آذاننا، وكأن قلوبنا تترجم قبل عقولنا.
ولو تعمقنا في هذا المعنى، لرأينا أننا في كثير من الأحيان لا نحاكم الكلمة ذاتها، بل نحاكم صاحبها من خلالها، فتصبح الكلمات مجرّد شهود في محاكماتنا النفسية، ندين بها من نكره، ونبرئ بها من نحب. إنها ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل هي مرآة تعكس علاقاتنا الخفية مع الآخرين، وتكشف عن منظومتنا القيمية التي نبني عليها أحكامنا. ولهذا نرى أن كلمات نعدها مشينة أو جارحة إذا صدرت من راشد واعي قد تثير فينا البسمة والبهجة إذا نطق بها طفل بريء، لا لأن الكلمة تبدلت في جوهرها، بل لأننا نقرأ البراءة خلفها، ونغفر لها ما لا نغفره لغيرها، وكأننا نخلع على الكلمة من هالة قائلها ما يغير وجهها في أعيننا.
وهنا يبرز البعد الفلسفي الأعمق في هذه الظاهرة: فالمعنى لا يسكن الحروف وحدها، بل هو نتاج علاقة ثلاثية بين اللفظ والمتكلم والمستمع، وكأن كل كلمة تولد ثلاث مرات: أولاً في فكر قائلها، ثم في نطقه لها، وأخيرا في تأويل سامعها. وقد أشار الفلاسفة إلى هذه الفجوة التي لا تردم بين الدال والمدلول، لكنهم قلما انتبهوا إلى أن المدلول نفسه يتشظى بتشظي الناظرين إليه، وأن الكلمة كالكائن الحي تموت حين تنفصل عن سياقها، وتبعث من جديد في كل موقفٍ توضع فيه. من هنا نفهم أن اللغة ليست نظاما جامدا من العلامات، بل هي كيان مرن مطاطي، يتمدد مع اتساع تجاربنا، وينكمش مع ضيق آفاقنا، ويتلون بألوان مشاعرنا وانحيازاتنا.
ولو تأملنا أكثر، لأدركنا أن المعاني لا تولد في فم المتكلم بقدر ما تولد في أذن المستمع، وأن المتلقي ليس وعاءً فارغا يتلقى الكلمات، بل هو مرآة تعكس ما في داخلها وتضيف إلى الكلمة من ظلالها ما يجعلها مختلفة كل الاختلاف. فالكلمات، إذاً، ليست مرايا لما يقال فقط، بل هي مرايا لما نحمله نحن أيضا من تصورات وأحكام مسبقة. إنها تكشف المتكلم أحيانا، لكنها تكشف المستمع بالقدر نفسه، بل ربما تكشفه أكثر، لأن ردود أفعالنا تجاه الكلمات هي التي تفضح أعماقنا، وتكشف عن مخزوننا النفسي والثقافي، وتطهر تحيزاتنا الخفية التي لا نعترف بها إلا في لحظات الصدق مع أنفسنا.
وما بين الحرف والأذن يمتد عالم كامل من التأويلات، هناك تولد الخصومات وتشتعل الحروب، وهناك أيضا تولد المحبة وتزهر الألفة، وكأن الكلمات هي ساحة المعركة التي تتصارع فيها النوايا وتتقاتل فيها التصورات. وكم من كلمة قتلت بغتةً وهي لا تحمل في جوفها ذرة من سم وكم من كلمة أحيت قلبا ميتا وهي لا تحمل في حروفها أكثر من نداء عابر. إن المسؤولية، إذاً، ليست على عاتق الكلمة وحدها، بل على عاتق من يلقيها ومن يتلقاها، وكأن الحوار بين البشر ليس تبادلاً للكلمات، بل هو رقصة معقدة بين الأنا والآخر، بين ما نقوله وما نسمعه، وما نريد قوله وما يفهم منا.
ثم إن للزمن سلطانه على الكلمات أيضا، فما كان هجوما لاذعا في حقبة ما، قد يصبح نكتة عابرة في حقبة أخرى، وما كان مدحا رفيعا في زمان، قد يتحول إلى إهانة في زمان آخر. وهكذا تتمرد الكلمات على قائليها، وتعيش حيوات مستقلة في ذاكرة الجماعات، فتتغير دلالاتها بتغير السياقات، وتتبدل أحكامنا عليها بتغير الظروف. وهذا يذكرنا بأن اللغة كائن حي يتنفس مع الزمن، وأن الكلمات كالبذور، تحمل في طياتها إمكانياتٍ لا حصر لها، لكن التربة التي تسقط فيها هي التي تحدد ما إذا كانت ستورق أم تذبل، ستثمر أم تبقى عقيمة.
وفي خضم هذا التلاقح بين النوايا والتأويلات، يبقى السؤال الأبدي: هل يمكننا أن نتجرد من انحيازاتنا حين نستمع؟ هل يمكننا أن نصغي للكلمات كما هي، لا كما نريدها أن تكون؟ ربما يكون الصمت هو الملاذ الوحيد الذي نخلص فيه من لعنة التأويل، حيث تتوقف الذبذبات عن التشكل في مرايا نفوسنا، وتعود الكلمات إلى براءتها الأولى، إلى ذلك الوجود المحايد الذي كانت عليه قبل أن تلدها الأفواه وتتبناها الآذان. لكننا، في عالم الكلام، محكومون بهذه اللعبة الأبدية، محكومون بأن نظل نترجم ونؤول، وأن نظل نضيف من عندنا إلى ما يقال، وكأن كل حوار هو نوع من الإبداع المشترك، أو ربما هو نوع من الصراع الخفي على المعنى.
فاحذر، أيها القارئ، أن تتهم الكلمات بكل الجرائم، فكثير منها بريء كالطفل الذي لا يدري ما يفعل، وما كان الجاني إلا الظلال التي نرسمها عليها، والأقنعة التي نخلعها عليها من عندياتنا وتحيزاتنا. الكلمة ليست سوى بداية الطريق، والباقي رحلة في متاهات النفوس، حيث يلتقي القائل بالسامع في لقاءٍ لا ينتهي، وحيث تتشابك الأرواح في حبلٍ من حروف لا يعرف أحد أين تبدأ نهايته وأين تنتهي بدايته. وفي النهاية، ربما تكون أعظم حكمة في التعامل مع الكلمات هي أن نعطيها حقها في البراءة، وأن نأخذ على عاتقنا نحن مسؤولية ما نصنعه بها، لأننا، نحن البشر، من نمنحها الحياة، ونحن من نمنحها الموت، ونحن من نرسم على وجهها ملامح الحب والكراهية، دون أن تكون هي في قرارة ذاتها إلا همساً خافتا من همس الوجود




