سمر الحاجي محمد : الشعر طريقتي لفهم الغياب.. و«دسار وهم» محاولة لتثبيت ما لا يُمسك
شاعرة الأحساء تكشف حكاية البدايات وأثر الفقد وتحلم برواية تعبر بها إلى أفق جديد

حوار – زهير بن جمعة الغزال | الاحساء
في المشهد الثقافي بالأحساء، حيث الذاكرة بالمكان، وتتجاور النخلة مع القصيدة، تتشكل أصوات شعرية تحمل نبرة خاصة، نبرة تنبع من الداخل أكثر مما تنشغل بالضجيج الخارجي، من بين هذه الأصوات يبرز اسم الشاعرة “سمر الحاجي محمد”، التي اختارت أن تكتب من منطقة حساسة بين الواقع والخيال، بين الحضور والغياب، وأن تجعل من اللغة مساحة للتأمل ومداواة الروح.
في ديوانها الأول «دسار وهم»، لا تكتفي سمر بكتابة نصوص شعرية عابرة، بل تؤسس لعالم كامل قائم على الأسئلة الوجودية والفقد والحنين والبحث عن معنى الأشياء الهاربة، هي شاعرة تميل إلى التكثيف، وإلى الصورة التي تلمع فجأة في عتمة النص، وإلى الإيقاع الداخلي الذي يُشعر القارئ أكثر مما يُسمع، وبهذا الصوت الهادئ والعميق تمضي سمر في كتابة عالمها الخاص، حيث تتحول اللغة إلى بيت، والقصيدة إلى ملاذ، والذكريات إلى نصوص تحاول تثبيت ما لا يُثبت. تجربة تؤكد أن الشعر ليس ترفًا جماليًا، بل وسيلة لفهم الحياة ومصالحة الغياب، وأن الكلمة الصادقة قادرة دائمًا على النجاة من الزمن.
في هذا الحوار المطوّل، تتحدث عن بداياتها مع اللغة العربية، وعن دور المنتديات الأدبية في صقل تجربتها، وعن أول نص منشور، وتأثير رحيل والدها في مسيرتها، كما تكشف عن تأثرها بثقافات متعددة، ورؤيتها لقصيدة النثر، وطموحها للانتقال إلى عالم الرواية، إضافة إلى رأيها في حضور الصوت النسائي الأحسائي داخل المشهد الثقافي.
كيف تعرّفين نفسك للقارئ، وكيف أسهمت دراسة اللغة العربية في تشكيل ملامح الشاعرة داخلك؟ا
أعرّف نفسي ببساطة بأنني ابنة اللغة قبل أي شيء، منذ سنوات الدراسة الأولى كان لدي ميل واضح نحو الأدب، وكنت أجد في النصوص الأدبية، خاصة الشعر والقصة، ملاذًا خاصًا يختلف عن بقية المواد، عندما اخترت تخصص اللغة العربية، لم يكن القرار أكاديميًا فقط، بل كان انحيازًا وجدانيًا لما أحب.
هذه المرحلة ساهمت بشكل كبير في تشكيل شخصيتي، لأنها لم تمنحني المعرفة اللغوية فحسب، بل فتحت أمامي أبواب البلاغة والنقد والقراءة الواعية، صرت أتعامل مع النصوص بعمق أكبر، وأفهم كيف تُبنى الصورة وكيف يتشكل المعنى، أعتقد أن تلك السنوات كانت التربة التي نمت فيها بذرة الشاعرة داخلي.
متى بدأتِ الكتابة فعليًا؟ وهل كانت هناك لحظة فارقة دفعتك إلى اتخاذ الشعر طريقًا؟
البدايات جاءت بشكل عفوي جدًا، كنت أكتب خواطر بسيطة ومشاعر متناثرة، دون أن أفكر في أنها «شعر»، لكن مع الوقت بدأت أشعر بأن الكتابة ليست مجرد تفريغ عاطفي، بل طريقة لفهم نفسي والعالم من حولي.
اللحظة الفارقة كانت عندما وجدت نصوصي تلقى صدى لدى الآخرين، حين يقرأك شخص ويخبرك أن كلماتك لامسته، تدرك أن الكتابة مسؤولية وجسر تواصل، وليست فعلًا فرديًا فقط، هنا بدأت أتعامل مع الشعر بجدية أكبر.
يقال إن جيلك تأثر كثيرًا بالمنتديات الأدبية.. كيف أثرت هذه التجربة عليك؟
بصراحة، كانت المنتديات الأدبية مدرسة حقيقية في تلك الفترة كان الإنترنت مساحة خصبة جدًا للتجارب كنت أشارك نصوصي في أقسام الشعر والخواطر، وأتلقى تعليقات ونقدًا من شعراء وقرّاء من مختلف البلدان العربية.
هذا التفاعل اليومي صقل موهبتي بشكل كبير تعلمت كيف أراجع نصي، كيف أختصر، كيف أستبدل كلمة بأخرى أكثر دقة أتذكر منتديات متخصصة مثل «مدد» وأكاديمية «الفينيق»، كانت بيئة ثرية بالحوار والتوجيه هناك شعرت لأول مرة أنني أنتمي لمجتمع أدبي حقيقي.
ما أول نص نُشر لك في مجلة أدبية؟ وماذا مثّل لك هذا النشر؟
أول نص كان بعنوان «أعذار المساء»، وهو نص ينتمي لقصيدة النثر نشره في مجلة أدبية منحني شعورًا عميقًا بالثقة كأن أحدهم يقول لي: صوتك يستحق أن يُسمع، لهذا يظل هذا النص قريبًا جدًا من قلبي، لأنه كان بمثابة بوابة عبوري إلى النشر الفعلي، وإعلان رسمي عن دخولي عالم الكتابة.
عنوان ديوانك «دسار وهم» يحمل بعدًا رمزيًا واضحًا ماذا تقصدين به؟
الدسار هو الوتد الذي يُثبت به الشيء، خاصة في السفن، والوهم هو ما لا يمكن الإمساك به المفارقة هنا مقصودة: كيف يمكن تثبيت الوهم؟، كما أن العنوان يعكس حالة إنسانية عشتها وعايشتها في نصوص الديوان؛ التعلق بأشياء غائبة، بمحاولات الإمساك بالذكرى، بالحنين، بما فقدناه، النصوص تدور حول الفقد والغياب والاغتراب، لذلك شعرت أن هذا العنوان يلخص روح الديوان.
الفقد حاضر بقوة في قصائدك.. هل يرتبط ذلك بتجربة شخصية؟
نعم، فقد والدي كان المنعطف الأشد قسوة في حياتي كان أكثر من أب، كان صديقًا وسندًا وروحًا قريبة جدًا مني عندما رحل، شعرت أن شيئًا كبيرًا انكسر في داخلي، والشعر وقتها لم يكن خيارًا جماليًا، بل ضرورة كنت أكتب لأتوازن، لأفهم حزني، لأمنح الغياب شكلًا يمكن احتماله كثير من النصوص خرجت من هذه المنطقة المؤلمة، وربما لهذا تبدو صادقة وقريبة من الناس.
أي القصائد الأقرب إلى قلبك؟
كل قصيدة تمثل جزءًا مني، لكن قصيدة «مرَّ عام» تظل الأقرب، لأنها كتبت من عمق التجربة، من الحنين والاشتياق والفراغ الذي يتركه الغياب أشعر أنها الأكثر صدقًا وتمثيلًا لمشاعري.
كيف كان شعورك وأنت تمسكين ديوانك الأول مطبوعًا؟
كان شعورًا يشبه الولادة. كأن كل النصوص التي عاشت داخلي خرجت أخيرًا إلى النور. مرّت في ذاكرتي كل المراحل، الكتابة، التنقيح، التردد، الحذف، اختيار العنوان والغلاف، ولحظتها شعرت أنني أنجبت كائنًا من الورق، يحمل شيئًا مني وسيذهب ليعيش حياته مع القراء هذا الشعور لا يمكن وصفه بسهولة.
تجربتك تبدو منفتحة على ثقافات متعددة من أثر فيك شعريًا وفكريًا؟
تأثرت كثيرًا بالشاعر قاسم حداد، نصوصه كانت دهشة مستمرة بالنسبة لي أحب طريقته في بناء الصورة وفي الفلسفة الكامنة خلف الكلمات.
كما قرأت لبودلير وعدد من الشعراء الغربيين، وكنت مفتونة بكيفية مزجهم بين الجمال والعتمة وعلى مستوى السرد، تأثرت بأسلوب الروائي عبدو خال، خاصة قدرته على خلق عوالم تخييلية كثيفة كل هذه القراءات انعكست على لغتي وصوري الشعرية.
برأيك ما الذي يميز قصيدة النثر عن غيرها؟
قصيدة النثر تعتمد على التكثيف والصورة والإيقاع الداخلي هي لا تستند إلى الوزن والقافية، لكنها ليست كتابة سائبة كما يعتقد البعض على العكس، تحتاج وعيًا عاليًا باللغة، لأن الشاعر مطالب بأن يخلق موسيقاه الخاصة داخل النص، وهي تجربة حسية وتأملية في آنٍ واحد، تعتمد على إحساس القارئ أكثر من سمعه.
ماذا بعد «دسار وهم»؟ هل هناك مشاريع جديدة؟
الديوان كان حلمًا تحقق، لكنه ليس النهاية لدي حلم قديم بكتابة رواية، وأشعر أن لدي حكايات تحتاج إلى مساحة سردية أوسع من الشعر أتمنى أن أحقق هذه الخطوة قريبًا.
كيف ترين حضور الصوت النسائي الأحسائي اليوم؟
أراه حاضرًا ومتناميًا بشكل واضح. هناك دعم كبير للمرأة في المجال الثقافي، سواء من الجمعيات أو الإعلام المرأة اليوم لم تعد على الهامش، بل أصبحت شريكًا أساسيًا في صناعة المشهد الإبداعي، وهذا يمنحنا طاقة وأملًا كبيرين.





