مقال

أيديولوجيا الصراع ؛ والتوسّع الاستيطاني !!!

د.نسرين محمود رضوان
عضو اتحاد كتاب مصر – شعبة الترجمة للطفل
ليست كل الأفكار تبقى حبيسة الكتب والندوات، فبعضها يمتلك القوة التي تدفعها للانفلات من صفحاتها، لتشكل واقعاً جديداً وتعيد رسم خريطة العالم. الصهيونية كانت واحدة من تلك الأفكار المثيرة للجدل التي تحولت إلى أيديولوجيا سياسية منظمة، هدفت إلى صناعة واقع جديد في الشرق الأوسط عبر إنشاء دولة يهودية.
وانطلقت هذه الأيديولوجيا من مقولات رئيسة ، مثل : أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، والحق التاريخي والديني المطلق، والضرورة الأمنية الوجودية . حملت في طياتها مضامين معقدة ومتناقضة، كانت بمثابة البذرة التي أنتجت صراعاً دام، ومازالت حتى اليوم تشكل العقلية السياسية والعسكرية لإسرائيل وتدفعها نحو مزيد من التوسع والاستيطان.
وحيث إن مخيمات اللجوء تمثل التجسيد المادي والمأساوي لأيديولوجيا الصراع. فهي ليست مجرد تجمعات سكنية عشوائية، بل هي رموز حية للنكبة واستمرارها. هذه المخيمات، المنتشرة في الأردن، ولبنان ،وسوريا ،والأراضي الفلسطينية، تحمل في طياتها ذاكرة جماعية عن القرى والمدن التي هُجر منها الفلسطينيون.
لقد تحولت مع الزمن من أماكن مؤقتة إلى مساكن دائمة لأجيال متعاقبة، تحمل نفس هوية اللجوء والأمل بالعودة. وهي تذكر العالم باستمرار عدم حل القضية الفلسطينية، وتُنتج واقعاً إنسانياً صعباً من الفقر والاكتظاظ والانتظار، مما يغذي مشاعر الإحباط ، والغضب التي تعيد إنتاج أيديولوجيا الصراع نفسها. لذا هذا المقال يحاول تفكيك هذه الأيديولوجيا وتتبع جذورها، لفهم كيف يمكن لفكرة أن تتحول إلى محرك قوي للصراع في الشرق الأوسط.

أولا : الأيديولوجية الصهيونية ؛ وتشكيل الوعي القومي
قامت الأيديولوجية الصهيونية على مجموعة من المقومات التي شكّلت أساس الدولة الإسرائيلية على أرض فلسطين، مستندةً إلى رواية تاريخية مزيفة، وخطاب وجداني قومي، وآليات تمكين ممنهجة لترسيخ الهيمنة الفكرية والوجدانية. ومن أبرز هذه المقومات: وحدة الأرض، واللغة، والدين القومي، والتراث التاريخي، والتي تم توظيفها جميعًا لخدمة المشروع الاستيطاني الصهيوني .
وحدة الأرض ؛ الأسطورة والتطهير العرقي
منذ بداية الهجرات اليهودية إلى فلسطين، عملت الحركة الصهيونية على ترسيخ فكرة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وهي مقولة استُخدمت لتبرير الاستيلاء على الأرض الفلسطينية. تم التأسيس للمؤسسة العسكرية الصهيونية (مثل : الهاجاناه) قبل قيام دولة إسرائيل، حيث نفذت عمليات سرية لترهيب الفلسطينيين وتهجيرهم بالقوة، كما حدث في مذابح دير ياسين والطنطورة وغيرها.
وُظفت الرواية الصهيونية لتصوير فلسطين كأرض “صحراوية” لم تُعمّر إلا بقدوم اليهود، متجاهلةً الوجود الفلسطيني التاريخي. كما تم تعزيز “بطولات وهمية” في السردية الإسرائيلية، تربط بين المحرقة النازية (الهولوكوست) وبين “حق اليهود في الدفاع عن أرض الأجداد”، في محاولة لشرعنة الاحتلال وإضفاء طابع قيمي زائف على المشروع الصهيوني.
وحدة اللغة ؛ إحياء العبرية كأداة قومية
كانت اللغة العبرية لغة دينية تستخدم في الصلوات والطقوس اليهودية، بينما تحدث اليهود في الشتات لغات البلاد التي عاشوا فيها، مثل العربية واليديشية (خليط من الألمانية والعبرية). لكن الصهيونية عملت على إحياء العبرية كلغة يومية موحِّدة، كجزء من مشروع بناء “الهوية القومية الإسرائيلية”.
تم توظيف اللغة كأداة لفصل اليهود عن الشعوب الأخرى، وتعزيز الانتماء للكيان الصهيوني. وقد نجحت إسرائيل في جعل العبرية لغة حية، لكن هذا النجاح جاء في إطار مشروع استعماري يهدف إلى محو الهوية الفلسطينية، بما في ذلك محاربة اللغة العربية ومحاولة طمسها.
وحدة الدين القومي: توظيف الدين لخدمة السياسة
رغم ادعاء إسرائيل أنها “دولة يهودية”، إلا أن الدين تم توظيفه بشكل انتقائي لخدمة الأهداف السياسية. فالصهيونية العلمانية استخدمت النصوص التوراتية (خاصة في العهد القديم) لتبرير الاستيطان والاستيلاء على الأرض، مع تحريف مضامينها لتصبح نصوصًا تحريضية تدعو إلى الحرب والعنف.
تم تقديم الدين اليهودي كـ”دين قومي” يوحد الإسرائيليين، لكنه في الواقع استُخدم لتبرير العنصرية والاستعلاء اليهودي، كما يتجلى في القوانين مثل “قانون القومية” الذي يعطي اليهود حقوقًا متفوقة على غيرهم.
وحدة التراث التاريخي ؛ صناعة سردية مزيفة
يعتمد الخطاب الصهيوني على سردية تاريخية مختلقة تزعم أن اليهود لديهم حق ديني وتاريخي في فلسطين. يتم تصوير الشخصيات التوراتية كأبطال قوميين، بينما يتم تجاهل الرواية الفلسطينية أو تشويهها. كما يتم تعظيم أحداث مثل : “تمرد بار كوخبا” أو “حصار مسادا” كرموز للمقاومة اليهودية، رغم أن هذه الأحداث لا تمت بصلة للواقع التاريخي لفلسطين.
الأيديولوجية الصهيونية وأدب الطفل
تسعى الأيديولوجية الصهيونية إلى تعزيز مفاهيم الهيمنة والاستعلاء في الأجيال الناشئة من خلال أدب الطفل العبري، الذي يروّج للرواية الإسرائيلية ويُعزز العنصرية والكراهية تجاه الفلسطينيين. يتم تقديم الصهيونية كحركة تحررية، بينما يتم إخفاء جرائم التطهير العرقي والاحتلال.
وعليه ؛ إن فهم هذه المقومات يسلط الضوء على آليات التضليل الصهيوني، ويكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية، مما يدعو إلى مواجهة هذا الخطاب بخطاب مقاوم يعتمد على الحقوق التاريخية والشرعية للشعب الفلسطيني.

ثانيا : إسرائيل الكبرى ؛ والمشروع التوسعي الصهيوني
مصطلح “إسرائيل الكبرى” يشير إلى تطلع توسعي صهيوني يهدف إلى السيطرة على أرض أكبر من فلسطين ، وفقًا لخرائط وتصورات تستند إلى أساطير توراتية ومصالح جيوسياسية. هذا المشروع ليس مجرد نظرية مؤامرة، بل له جذور في الفكر الصهيوني وتم تطبيقه جزئيًا عبر التوسع الصهيوني الاستيطاني والعسكري.
الأصول الفكرية لمصطلح “إسرائيل الكبرى”
الخريطة التوراتية المزعومة ؛ بعض التيارات الصهيونية المتطرفة تستند إلى نصوص توراتية لتبرير السيطرة على مناطق عربية ، وهذه الخرائط ليس لها أساس تاريخي أو قانوني، لكنها تُستخدم كتعبير عن التطلع التوسعي.
المشروع الصهيوني العملي ؛ منذ بداية الحركة الصهيونية، كانت هناك خطط لتوسيع حدود الدولة اليهودية، مثل:
مشروع حدود دولة إسرائيل حسب بن غوريون (1948) ؛ الذي تضمّن السيطرة على سيناء وجنوب لبنان.
مشروع آلون (1967) ؛ الذي هدف إلى ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية.
مخططات حزب الليكود والأحزاب اليمينية ؛ التي تتحدث عن ضم الضفة كليًّا.
كيف حاولت إسرائيل تنفيذ هذا المشروع؟
أ. التوسع العسكري (الحروب والاحتلال)
1948-1949 ؛ احتلال 78% من فلسطين .
1967 ؛ احتلال الضفة الغربية، غزة، الجولان، سيناء.
1978- 1982 ؛ غزو جنوب لبنان (وصولًا إلى بيروت) .
الاستيطان ؛ بناء مستوطنات في الضفة والقدس الشرقية والجولان لفرض أمر واقع.
ب. التطبيع كأداة للتوسع ؛ استخدام اتفاقيات التطبيع لتعزيز النفوذ الإسرائيلي في المنطقة دون تنازلات حقيقية للفلسطينيين .
ج. المشاريع الاقتصادية والعسكرية :
محاولة السيطرة على موارد المياه (نهر الأردن، بحيرة طبريا) .
التعاون مع قوى إقليمية لفرض هيمنة اقتصادية (مثل: خط غاز شرق المتوسط) .
هل “إسرائيل الكبرى” ممكنة اليوم؟
عسكريًّا ؛ إسرائيل لم تعد قادرة على احتلال دول كبرى (مصر، الأردن، لبنان) بسبب تغير موازين القوى.
سياسيًّا ؛ المشروع يواجه مقاومة فلسطينية وعربية ودولية متزايدة.
داخليًّا ؛ حتى داخل إسرائيل، هناك انقسام حول أولوية الضم الكامل للضفة مقابل الحفاظ على الدولة اليهودية الديمقراطية المستحيل أصلاً مع الفصل العنصري.
لكن الخطر الحقيقي هو الضم التدريجي للضفة الغربية عبر الاستيطان، وتحويل الفلسطينيين إلى أقليات معزولة.
كيف واجه العرب والفلسطينيون هذا المشروع؟
المقاومة المسلحة (مثل : حروب 1948، 1967، 1973، والمقاومة في لبنان وغزة(.
المقاومة الشعبية (انتفاضات 1987، 2000، مسيرات العودة) .
المقاطعة الدولية ؛ والتأكيد على الحقوق التاريخية والقانونية عبر الأمم المتحدة والمحاكم الدولية.
وعليه ؛ “إن إسرائيل الكبرى” مشروع استعماري توسعي لم يمت، لكنه يواجه تحديات كبيرة. الخطر الأكبر الآن ليس الاحتلال العسكري المباشر لدول الجوار، بل الاستيطان والضم البطيء للأراضي الفلسطينية، لذا مواجهته تتطلب استراتيجية عربية وفلسطينية موحدة تعتمد على المقاومة بكل أشكالها وإفشال المشروع الصهيوني سياسيًا وقانونيًا .

ثالثا : هوية يهودية أم قومية صهيونية ؟
الهوية اليهودية ليست مفهومًا موحدًا أو بسيطًا، بل هي إشكالية معقدة تتداخل فيها الأبعاد الدينية، والتاريخية، والقومية، والسياسية. فبينما تعد اليهودية واحدة من أقدم العقائد التوحيدية، تحولت في العصر الحديث إلى هوية قومية ، وسياسية مع تأسيس الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل ، هذا التحول أدي إلي تناقضات عميقة داخل المجتمع اليهودي نفسه، كما أثر على علاقة اليهود مع العالم، وخاصة في سياق الصراع العربي الإسرائيلي.
الإشكاليات الرئيسة للهوية اليهودية
اليهودية كدين مقابل اليهودية كقومية
اليهودية التقليدية ؛ كانت هوية دينية تقوم على الانتماء إلى شريعة وتقاليد دينية (الهالاخا)، دون ربطها بأرض أو دولة.
الصهيونية والتحول القومي ؛ حولت الحركة الصهيونية اليهودية من هوية دينية أو ثقافية إلى هوية قومية سياسية، مدعية أن اليهود “شعب” واحد له حق في دولة خاصة به.
التناقض الناتج ؛ كثير من اليهود المتدينين (مثل : حركة “ناطوري كارتا”) يرفضون الصهيونية، معتبرين أن الدولة اليهودية لا يمكن أن تقام إلا بقدوم المسيح المنتظر ، بينما يعد العلمانيون أنفسهم “يهودًا” بالانتماء القومي فقط.
من هو اليهودي؟ إشكالية التعريف
حسب الهالاخا (الشريعة اليهودية) ؛ اليهودي هو من وُلد لأم يهودية أو اعتنق اليهودية عبر عملية دينية معتمدة.
الصراع بين التيارات الدينية :
الأرثوذكس ؛ يشددون على التطابق بين الديني ، والقومي.
الإصلاحيون والمحافظون ؛ يقبلون بيهودية من يعلن انتماءه حتى لو كان أبوه يهوديًا فقط.
إسرائيل وقانون العودة ؛ تمنح الجنسية لليهود حسب تعريف فضفاض، لكن المؤسسة الدينية ترفض الاعتراف ببعض المتحولين إلى اليهودية عبر التيارات غير الأرثوذكسية، مما يؤدي إلي ازدواجية في تعريف المواطنة.
اليهودية والعنصرية الكامنة
الفكرة الصهيونية الأصلية ؛ قامت على افتراض أن اليهود “شعب منفصل” لا ينتمي لأي وطن إلا “أرض إسرائيل”، مما أدى إلى تبرير استعمار فلسطين.
التمييز داخل إسرائيل ؛ حتى بين اليهود أنفسهم، هناك تدرج عنصري بين الأشكناز (أصول أوروبية) والسفارديم (أصول شرقية)، ناهيك عن معاملة الفلسطينيين كمواطنين من الدرجة الثانية أو كـ”غرباء” في أرضهم .
الهوية اليهودية والصراع مع الفلسطينيين
الاستخدام السياسي للهوية ؛ تستغل إسرائيل الهوية اليهودية لتبرير الاحتلال، عبر رواية تاريخية تدعي أن “فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” .
تأثيرها على السلام ؛ رفض الاعتراف بحقوق الفلسطينيين (مثل : حق العودة) النابع من الخوف من “تخفيف الأغلبية اليهودية” في إسرائيل، مما يجعل الهوية اليهودية عائقًا أمام حل الدولتين.
وعليه ؛ الهوية اليهودية، في شكلها الحالي، تتعارض مع مفاهيم المساواة ، والمواطنة العالمية. لذا فالحل قد يكمن في : الاعتراف بحقوق الفلسطينيين كشرط لإعادة تعريف الهوية اليهودية بصورة لا تقوم على القمع.
“إن اليهودية كأيديولوجية قومية استعمارية تختلق أزمات لا تنتهي”.
رابعا : الهيمنة العنصرية والتوسع الإستيطاني
منذ نشأة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، ارتكز مشروعها على فكرة عنصرية مفادها إنشاء دولة “يهودية خالصة” على أرض فلسطين التاريخية، عبر تهجير الفلسطينيين ومحو هويتهم. تحول هذا المشروع إلى نظام هيمنة عنصري مؤسسي، يجمع بين القوة العسكرية ، والقوانين التمييزية ، والتطهير العرقي الممنهج، مما جعل الصراع ليس نزاعًا على الأرض فحسب، بل أيضًا مواجهة بين مشروع استعماري استيطاني ، وشعبٍ يُحارب من أجل وجوده.
أدوات الهيمنة الصهيونية العنصرية
التطهير العرقي والتوسع الاستيطاني
النكبة 1948 ؛ طردت العصابات الصهيونية أكثر من 750 ألف فلسطيني من ديارهم، ودمرت مئات القرى، لتحل مكانها مستوطنات يهودية.
الاستيطان الحديث ؛ يواصل مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات في الضفة الغربية، مخالفًا القانون الدولي، حيث يعيش أكثر من 700 ألف مستوطن تحت حماية الجيش الإسرائيلي.
نظام الفصل العنصري
تمييز قانوني؛ حيث يُعَامَل الفلسطينيون في إسرائيل كمواطنين من الدرجة الثانية، كما يُحرم الفلسطينيون في الضفة وغزة من الحقوق الأساسية تحت قيود الاحتلال.
جدار الفصل ؛ جدار الضفة الغربية (المصنف غير قانوني من محكمة العدل الدولية 2004) والذي فرض تواجد الفلسطينيين في كانتونات معزولة.
القمع العسكري الممنهج
الحصار على غزة ؛ منذ 2007، يعيش 2,03 مليون فلسطيني تحت حصار خانق، مع حرمانهم من الكهرباء والدواء والحركة.
الاعتقالات والقتل ؛ تُنفذ إسرائيل اعتقالات تعسفية بحق آلاف الفلسطينيين، بما في ذلك الأطفال، بينما تستخدم القوة المفرطة في قمع الاحتجاجات.
محو الهوية الفلسطينية
تهويد القدس ؛ هدم المنازل، طرد العائلات (مثل حي الشيخ جراح)، وتضييق الخناق على المقدسات الإسلامية.
إنكار الرواية الفلسطينية ؛ يُحارب التعليم الفلسطيني، ويُمنع الحديث عن النكبة في المؤسسات الإسرائيلية بصورة مباشرة ، في حين يتم ذلك أيضا في المؤسسات الفلسطينية في المناطق المحتلة ، عبر القمع والرقابة ، رغم الصمود الفلسطيني.
التواطؤ الدولي ودور المقاومة
الدعم الغربي ؛ توفر الولايات المتحدة ، وأوروبا غطاءً سياسيًا ، وعسكريًا لإسرائيل، بينما تُدان أي محاولة فلسطينية للمقاومة في المحافل الدولية.
المقاومة بكافة أشكالها ؛ من الانتفاضات الشعبية إلى المقاومة المسلحة، يرفض الفلسطينيون الخضوع، رغم عدم التكافؤ في الموازين.
هل من أفق لإنهاء الهيمنة العنصرية؟
الهيمنة الصهيونية ليست قدرًا محتومًا، فالتاريخ يُثبت أن الأنظمة العنصرية لا تدوم. فالضغط الشعبي العالمي، وتصاعد حركة المقاطعة، وصمود الفلسطينيين يشكلون أدوات لزعزعة هذا النظام.
“إن صمود شعب فلسطين هو أكبر دليل على فشل المشروع الصهيوني في تحقيق هيمنته الكاملة ، فالأرض تُحررها إرادة الشعوب، وليس القوة الغاشمة.”
خامسا : منهجية إسرائيل ؛ جرائم ضد الإنسانية
منذ عقود، تمارس سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسات وحشية ممنهجة ضد أهالي غزة ، وفلسطين بأكملها ، تهدف إلى كسر إرادتهم وإفراغ الأرض من سكانها عبر حرب متعددة الأوجه : التجويع، التهجير القسري، الترحيل الجماعي، والحروب الدورية التي تستهدف المدنيين عمداً، وخاصة الفئات الأكثر ضعفاً (النساء والأطفال) ، هذه السياسات ليست ردود فعل “أمنية” كما يُروج لها ، بل جزء من استراتيجية استعمارية توسعية تقوم على إبادة بطيئة وتطهير عرقي مُعلَن.
حصار التجويع ؛ سلاح لتركيع الشعب
فرض الكيان الصهيوني حصاراً خانقاً على قطاع غزة منذ 2007، مُحولاً الحياة إلى جحيم: تقنين الغذاء والدواء والوقود، ومنع مواد البناء حتى بعد كل حرب مدمرة. وفقاً لتقارير الأمم المتحدة 80% من سكان غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، بينما يعاني الأطفال من سوء التغذية الحاد. الحصار ليس إجراءً أمنياً، بل أداة عقاب جماعي محرمة دولياً، تُذكّر بسياسات “العقاب بالجوع” في التاريخ الاستعماري.
التهجير والترحيل ؛ تطهير عرقي مُمنهج
في كل حرب، يُجبر أهل غزة على النزوح تحت القصف، ثم يُمنعون من العودة إلى ديارهم ، خاصة قرب الحدود الشرقية التي تُهدم فيها المنازل لإنشاء “مناطق عازلة”. هذا نموذج متكرر من الترانسفير (الترحيل القسري) الذي طُبّق في النكبة عام 1948، ويُعاد اليوم تحت ذرائع “الأمن”. ففي 2023-2024، وصل التهجير إلى ذروته مع تدمير حي كامل مثل : حي الزيتون، وإجبار عشرات الآلاف على النزوح إلى رفح ثم مهاجمتهم هناك.
حروب الإبادة: الأطفال والنساء كأهداف مُفضلة
الأرقام لا تكذب: في حرب 2014 قُتل 550 طفلاً فلسطينياً. وفي 2023-2024، تجاوز عدد شهداء الأطفال 13.000طفل، مع تدمير مستشفيات ومدارس بذريعة “وجود مقاومين” . استخدام الأسلحة المحرمة (مثل : الفوسفور الأبيض)، واستهداف مراكز الإيواء، يؤكد أن هذه جرائم حرب مسبقة التخطيط ، تهدف إلى إفراغ غزة من سكانها عبر الإرهاب والإبادة .
الصمت الدولي والتواطؤ ؛ اختبار للضمير العالمي
الغرب الذي تدخّل ضد “إبادة جماعية” في أماكن أخرى، يصمت أمام جرائم الكيان الصهيوني، بل يزوّده بالسلاح . هذا الكيل بمكيالين يُظهر أن حياة الفلسطينيين لا تُقاس بمعايير حقوق الإنسان! لكن مقاومة غزة، رغم كل التحديات، تكسر معادلة “الإبادة مقابل الاستسلام”، وتثبت أن الأرض لن تُحرر إلا بوحدة الدم العربي لا بالصمت والتخاذل.
إذا ؛ سياسة الكيان في غزة ؛ جرائم ضد الإنسانية ، فلا يمكن تبرير تجويع مليوني إنسان، أو قصفهم بذريعة “الدفاع عن النفس” . ما يحدث هو إبادة جماعية بمواد اتفاقية جنيف ، والتي يعد انتهاكها جرائم حرب ، تحتاج إلى محاكمات دولية عاجلة . فالتاريخ يسجل أن العالم شاهد الأطفال يُقتلون أمامه، واختار أن يغلق عينيه. لكن شعب غزة، رغم الجرح، يكتب ملحمة صمود ستُنهي ؛ عاجلاً أم آجلاً ، آخر مشروع استعماري في القرن الـ21.
“إن معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال ليست صراعًا بين طرفين متساويين، بل هي نظام قمع عنصري يستهدف شعبًا بأكمله” (نيلسون مانديلا. (
سادسا : التطهير العرقي والدولة اليهودية الخالصة ؛ بين الأسطورة السياسية والواقع التاريخي
منذ نشأة الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر، ارتبط مشروع إقامة “دولة يهودية” بفكرة إنشاء كيان عرقي-ديني خالص، وهو ما تطلب – بحسب العديد من المؤرخين– عمليات تطهير عرقي ضد السكان الأصليين لفلسطين. لكن كيف تطورت فكرة “الدولة اليهودية الخالصة”؟ وما هي الأدلة التاريخية على سياسات التطهير العرقي؟ وهل يمكن تحقيق دولة ديمقراطية في ظل هيمنة هوية عرقية واحدة؟
جذور فكرة “الدولة اليهودية الخالصة” في الفكر الصهيوني
تأسست الصهيونية كحركة قومية تسعى إلى حل “المشكلة اليهودية” في أوروبا عبر إنشاء دولة لليهود في فلسطين. لكن منذ البداية، طرح قادتها سؤالًا مصيريًا: ماذا عن السكان العرب الذين يعيشون على هذه الأرض؟
ثيودور هرتزل؛ مؤسس الصهيونية السياسية، كتب في مذكراته عام 1895: “سنحاول إقناع السكان الفلسطينيين بالرحيل إلى البلدان المجاورة… وسننزع ملكيتهم سرًا.”
زيئيف جابوتنسكي ؛ زعيم التيار الصهيوني التصحيحي، أكد في مقاله “الجدار الحديدي” (1923) أن تأسيس دولة يهودية يتطلب قوة عسكرية لمواجهة رفض العرب، لأنهم لن يتخلوا طواعية عن أرضهم.
دافيد بن غوريون؛ أول رئيس وزراء لإسرائيل، صرّح عام 1937: “لا يمكن أن تكون هناك دولة يهودية مع وجود أغلبية عربية فيها.”
هذه التصريحات تكشف أن الفكرة الرئيسة للدولة اليهودية استندت إلى إقصاء السكان الأصليين، سواء عبر الترحيل القسري أو التهميش الديمغرافي.
نكبة 1948 ؛ والتطهير العرقي المؤسسي
في عام 1948، تم طرد أكثر من 750 ألف فلسطيني من ديارهم خلال حرب تأسيس إسرائيل، في عملية ممنهجة سميت لاحقًا بـالنكبة. وثّق المؤرخون الإسرائيليون (مثل إيلان بابه في كتابه “التطهير العرقي لفلسطين”) عشرات المجازر والعمليات العسكرية التي هدفت إلى إفراغ الأرض من سكانها، مثل:
مذبحة دير ياسين (إبريل 1948) ؛ قُتل أكثر من 100 فلسطيني على يد عصابات صهيونية.
خطة “دالت” (مارس 1948( ؛ تضمنت طرد الفلسطينيين من مناطق مختارة لضمان أغلبية يهودية.
حتى اليوم، تمنع إسرائيل عودة اللاجئين الفلسطينيين، مخالفةً القانون الدولي (القرار 194 للأمم المتحدة)، لأن ذلك يهدد “الطابع اليهودي” للدولة.
سياسات التمييز واستمرار التطهير البطيء
بعد عام 1948، لم تتوقف سياسات التطهير العرقي، لكنها اتخذت أشكالًا متنوعة :
التمييز القانوني
قانون العودة (1950( يمنح أي يهودي في العالم حق المواطنة الإسرائيلية، بينما يُحرم الفلسطينيون من حق العودة.
قانون القومية (2018( يجعل إسرائيل دولة “قومية لليهود فقط”، ويهمل حقوق المواطنين العرب.
التهجير القسري في الضفة والقدس
هدم المنازل؛ تُهدم مئات المنازل الفلسطينية بحجة “عدم الترخيص”، بينما تُبنى المستوطنات اليهودية بشكل غير قانوني.
سحب الهويات ؛ تُسحب إقامات آلاف الفلسطينيين في القدس لـ”الحفاظ على أغلبية يهودية” .
الحصار والعدوان على غزة
الحصار المفروض منذ 2006 يهدف إلى عزل غزة ديمغرافيًا وسياسيًا، مما يجعل الحياة فيها مستحيلة، وهو ما يُعتبر تطهيرًا عرقيًا بطيئًا بحسب تقارير حقوقية.
هل يمكن أن تكون إسرائيل “ديمقراطية” و”يهودية” في آنٍ واحد؟
يدعي الخطاب الإسرائيلي الرسمي أن إسرائيل “دولة يهودية وديمقراطية”، لكن هذا تناقض صارخ لأن:
20% من مواطني إسرائيل عرب ، لكن القوانين تفضل اليهود في الأرض والإسكان والتمثيل السياسي.
النظام القضائي يتعامل مع الفلسطينيين كـ”تهديد ديمغرافي”، وليس كمواطنين متساوين.
بعض المفكرين اليهود، مثل: يوفال نوح هراري، يشككون في إمكانية الجمع بين “يهودية الدولة” والديمقراطية: “إذا كانت إسرائيل دولة لليهود فقط، فكيف يمكنها أن تكون دولة لكل مواطنيها؟”

الكيان بين الأسطورة والواقع
الفكرة الصهيونية عن “الدولة اليهودية الخالصة” لم تتحقق إلا عبر التطهير العرقي المستمر، من النكبة إلى اليوم. السؤال الحتمي المطروح الآن هو:
هل يمكن لإسرائيل أن تتخلى عن طابعها العنصري وتصبح دولة لجميع مواطنيها؟
أم أن المشروع الصهيوني سيستمر في سياسات التهجير لضمان “أغلبية يهودية”؟
التاريخ يشير إلى أن أي دولة تُبنى على أسس عرقية خالصة مصيرها العنف والتمييز. الحل الوحيد يكمن في الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، سواء أكان ذلك عبر دولة ديمقراطية واحدة أم كان عبر حل عادل للدولتين .
وأخيرا ؛ بعد استعراض أسس الأيديولوجيا ، والمضامين العملية للصهيونية، تبين أنها لم تكن مجرد حركة تحرر قومي لشعب مضطهد، بل كانت أيضاً مشروعاً استعمارياً استيطانياً ارتبط مصيره بنكبة شعب آخر واجه التشريد والاحتلال. لقد حوّلت الصهيونية الحلم اليهودي القديم في العودة إلى “صهيون” إلى واقع سياسي على الأرض، لكن هذا الواقع بُني على إنكار وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية وتشويه سرديته التاريخية.
اليوم، لا تزال الدولة التي أنشأتها هذه الأيديولوجية تواجه الإشكالية الجوهرية ذاتها: كيف يمكنها الحفاظ على هويتها “اليهودية الخالصة” مع استمرار سيطرتها على شعب آخر وتوسعها الاستيطاني، في عالم يزداد تطلّعاً نحو مبادئ العدالة والمساواة وحقوق الإنسان؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بل ومصير المشروع الصهيوني ذاته وشرعيته في نظر العالم.

المراجع

أبو غدير ، محمد محمود. (2000) . الصراع الديني العلماني داخل الجيش الإسرائيلي . مجلة الدراسات الشرقية ، سلسلة الدراسات الدينية والتاريخية ، القاهرة . 14. 11- 52.
آغا ، ماهر .(2002). اليهود فتنة التاريخ . دمشق :دار الفكر.
السيد ، مجدي . (2010) . تهويد القدس . القاهرة : مكتبة الشروق الدولية .
الولي ، مصطفي عبد الواحد. (1994) . أمن إسرائيل – الجوهر والأبعاد . الإمارات : مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية .
حسن ، محمد خليفة .(1999).البعد الديني للصراع العربي الإسرائيلي . القاهرة: مركز الدراسات الشرقية.
عزام ، داليا سعيد . (2018). جدار العار – جدار الفصل العنصري وانعكاساته في الأدب العبري والفلسطيني المعاصر . القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب.
غانم ، أسعد . (2012) . التمييز العنصري ضد العرب في إسرائيل ، ورقة مقدمة في ندوة إسرائيل اليوم ومستقبلها حتى العام 2015 ، عمان ، مركز دراسات الشرق الأوسط.
8-קובי, דנה. (2017). הוגים ומגשימים – עיונים בכתבי הציונות . ישראל : עִיוּנִים.
Babak, M. (2010). Zionism: A Critical Account 1897-1948. The Development of Israel and the Exodus of Palestine from A “New Historian. Perspective.” London: University Minnesota Press.
10-Bar – Tal, D. (2012). Conflicts and Social Psychology. New York: New York university press.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى