أدب

لِبان دكر

قصة قصيرة

 رحاب عمر | القاهرة 

اعتادت أمي الذهاب إلى بيت خالي عصر كل يوم.. الوصول للبيت لا يتعدى خمس دقائق سيراً على الأقدام. قبل أن تغادر توصيني علي شئون الصغار. أذكر أني كنت حينها في الصف الخامس الإبتدائي، وكانت لحظة خروجها من المنزل هي أثقل لحظات حياتي، فبعدها أصير مسئولة عن كل شيء، والأهم هو والدي، أتابع إشاراته وألبى طلباته حتى قبل أن يطلبها، فأصنع له الشاي “الزردة”، وأناوله الماء المثلج، وأمنع ضجيج الصغار حوله. لم تخلو تلك الأوقات من “علقة سخنة” بسببٍ كلمة بصوت مرتفع، أو حتى ضحكة غير مقصودة أو بدون سبب.
أذكر ذاك اليوم جيدا حين تشبثت بثيابها وأقسمت عليها أن أخرج معها، حينها كنت قد كسرت نظارة أبى رغما عنى، حملت الزجاج المكسور، بدوت كعقلة إصبع عصرها الخوف فتضاءلت. ورغم أنه عاقبني بالضرب والركل حتى تكسرت ضلوعي، إلا أنى خشيت البقاء معه، فهو لن يغفر لي مطلقا، وسيظل -صاحب الذاكرة الفولاذية – يعاقبني إلى أن ينسى أو أموت، يومها وافقت أمي استسلاما لإلحاحي ودموعي، وخوفا علىّ من التلاشي، فتركنا الصغار أمام بيت جدى وغادرنا سويا. كنت فرحة وهى تأخذني من يدى، وتحدثني عن جمالها، وجسدها الملفوف، وحظها العاثر.
جلست أمي مع خالي، وذهبت أنا للعب مع ابنته ورفاقها. كانت أجمل اللحظات وأنا أجرى وراء الرفيقات، متحررة من هم الصغار، ومن تسلط أبى وتعليقاته المحبطة، وبعيدا عن جو البيت الخانق وإضاءته الباهتة.
جمعتنا الدائرة وتشابك الأيادي، وبقينا نعد أرقاما حتى عدد معين، ومن تتعثر. تضع زراعيها على الحائط وتلصق عينيها المغمضتين بهما، ونسرع نحن في الاختفاء :
– أجي…. لسه
– أجي…. لسه
– أجي…. تعالي.
كنت أجرى بخفة وسعادة، أقابل نسمات الهواء بذراعين ممدودتين، وكأنى أجرب الطيران لأول مرة، متناسية -كصغيرة تلهو- عبء همومي الكبيرة.
اختبأت وراء بيت لم يكتمل بناؤه، جدرانه من الطوب الأحمر حوله أكوام من الرمال والبراميل الممتلئة بالماء، سمعت صوت صراخ مكتوم، لم أهتم، خشيت أن يكون مقلبا من ابنة خالي و رفاقها، فتشبثت بالجدار غير أبهة بشيء. مع الوقت ازداد وضوح الصراخ وارتفع . شعرت بالقلق. تفقدت ضحكات البنات وصوت قفزاتهن، وعفارة التراب إثر وقع أقدامهن على الأرض فلم أصل لشيء، تحول الصراخ المتقطع لصراخ دائم، وبدأت أسمع صوت ازدحام وعراك، خَرجت من وراء الجدار بحذر، وجدت “لمة” كبيرة أمام البيت، ورجل طويل يخرج من الداخل مهرولاً وخلفه رجال ونساء، على زراعيه طفلة صغيرة شعرها أصفر انسيابي قصير، ترتدى جونلة قصيرة وبلوزة” كات”. تبدو كأنها ميته. الدم يتدفق على أرجلها، ويتساقط على قميص الرجل وبنطاله، أصوات الناس ما بين لين وأجش تزعق:
– إسعاف ، إسعاف.
يتبعهم بعض الرجال وفى يدهم شاب صغير، على وجهه كدمات من أثر الضرب العنيف، يسبونه بأبشع الألفاظ، و يبكى صارخا:
– معملتش حاجة!
يرن صوت الصفعة تلو الصفعة على قفاه
– امشى يا ابن الكلب.
النساء حولي عاصبات الرأس، يتحسرن على الشرف الذى ضاع هدر. تتجمع الصغيرات مستفسرات:
– إيه إللى حصل ياخالة، هو قتلها!

يتبادل النساء نظرات الحسرة، يربتن على ظهورنا ثم يصفقن بكفوفهن قائلات: يا حول الله.
لا أحد يجيب على تساؤلاتنا. فنبحلق في بقايا الدم، والعقول تُنسج خيالات مرعبة. رأيت الهلع في عيون رفيقاتي الصغيرات، كل واحدة منهن انسلت من الزحمة وهى مذهولة، واستقلت حائطا مغايرا واستندت عليه، وأنا فعلت مثلهن تماما.
– يعنى إيه؟ هيه هتموت!
انتظرتهن كثيرا لنكمل الاستغماية، لكنهن ظللن يسندن ظهورهن على جدران البيت الذى لم يكتمل بناؤه.
ظلت عائلتي تتحدث كل ليلة عن ياسمين، وفى الصباح يرسلني عمى لشراء الجمهورية وحجز الأهرام المسائي. حكى في مجلسنا الليلي عن قصص تشبه قصة ياسمين، كقصة الفتاة التي حملت من ملابس أخيها، حركت أمي شفتيها، وبكت جدتي تأثرا. صباحا وجدنا الناس يلتفون حول عمى ليقرأ لهم الخبر، سارت تلك الحادثة ” لبانة” في فم نساء حارتنا ورجالها والبر كله.
اعتاد نساء حارتي الخروج بعد العصر والجلوس على المصاطب، كل واحدة تحكى ما تعرفه، كلهن أشفقن على الفتاه التي ارتدت ملابس أخيها الداخلية وحملت منه، وتحدثن عن شرفها ونبلها وعن سوء طالعها. وحين أتت سيرة ياسمين فتاة البيت الذى لم يكتمل بناؤه، بادرن بوصف خلاعتها:
– حد يصدق أنها بنت تسعة!
ثم تحدثن عن أمها المصراوية إللى
” بتلبسها عريان” وعن “الواد المتربي ابن الراجل صاحب محل الأجهزة الكهربائية”، الذى تبرع للجامع الكبير بمروحة سقف.
– وده يرضي ربنا، ده حتى أبوه دابح عجل العيد إللى فات .
أذكر ذات ليلة، سمعت صوت وءواءات تأتى من البيت المقابل لنا، علمت أن جارتنا وضعت طفلها الثالث، وكانت لا تطيق الجلوس به داخل البيت، فخرجت به بعد أسبوعين من الولادة، جلست على المصطبة. وكلما بكى ألقفته ثديها، وكان دائما ينعس وهى لا تنتبه لعُريها، لانشغاله بالرايح والجاي، الجارات والبقال والسمكري المتجول الذى يقوم بتصليح “وابورالجاز”، والنساء الذاهبات للتسوق. تتحدث معهم عن سعر الطماطم واللحمة، وهموم العيال. ولا تنسى أن تتحدث عن بنات الحارة “الطويلة والسمرة، والمسلوعة والتخينة” و تذكر حبكتها في قصة ياسمين ، “وأن أمها زقتها على الواد وريث أبوه ” ، وفى النهاية تحوج خلطتها الحكائية بأمثالها الشعبية المعتادة. كنت أراها من بين ضلفتي الشباك تتمادى في الحديث وتسهو عن ثديها العاري.
نساء أخريات كنا يجتمعن بعد العصر في دكان الفاكهة على ناصية الشارع ، وقت أن يتولى أمر المحل ابن الفاكهاني الشاب الوسيم، الذى بلغ الثلاثين ولم يتزوج بعد. إحداهن تطعمه من طاجن الأرز المعمر التي صنعته على الغذاء، ولا تنسى الحمامة المدسوسة داخل حبات الأرز اللينة الدسمة، والأخرى تخبئ له الحلوى في حمالة الصدر، وغيرهن تحلفه بأيمان المسلمين أن يتذوق محشى ورق العنب الذى أعددته لأجله، ثم يتحدثن عن المسكينة التي حملت من ملابس أخيها، وكيف تصير أم الطفل وعمته في آنٍ واحد. ويذكرن قبح ياسمين و طموح عائلتها الزايد عن حده.

كانت قسوة أبى تمتد إلى ما هو أبعد من الركل، فظل لا يعترف بكلمة مصروف، لذا كنت أساعد جدتي في أمور البيت الكبير، أملأ لها “الجراكن من الطرومبة”، وأشترى لها الطماطم من السوق ، وأذهب إلى ” الغيط” أجمع الجرجير والبقدونس، فتكون مكافأتي “شلن” وأحيانا عشرة “صاغ” تبعا لرضاها عن جهدي، أجرى إلى البقال فرحة “اتحنجل “وأدندن أغنية ” حلوة يا زوبة”. سريعا أكتم أنفي ضجرًا من رائحة الجاز الذى يعبئه لزبائنه، وأقف بين نساء الحارة وهن يتمايلن يمينا ويسارا، يتدللن ضاحكات مع البقال ورفاقه.
ينظر لي محتدا:
– عايزة إيه يا بت.
– عايزة بشلن سكر نبات ياعم .
ينهى طلبات زبائنه، ويملأ كفوفي الصغيرة بسكر النبات، ويترك الست دلال تعبئ السكر.
أذهب إلى بيت جدتي، أمنحها بعضا من حبات السكر، فتستحلفني أن أعود للبقال
“قبل الدنيا ما تليل”؛ لأشتري غطاء للمبة، ألف وجهي عائدة إلى البقال، أجده يقف على باب الدكان الخشبي ينظر يمينا ويسارا، أتوقف متابعة سر تحيره البادي، أتفاجئ بالست دلال تخرج خلفه، وجيوبها ممتلاءة بحبات الشوكولاتة التي تتساقط منها وهى تغدو مسرعة، وفى يدها كيسين من السكر الأبيض، أتابعها وهى تسير مرتبكة، تضع السكر على عتبة بيت ياسمين، تقوم بربط شالها المفكوك. تلوك قطعة لبان كبيرة، تهذب ملابسها، تدفع اللبان من فمها على السلم، ثم تتفل على عتباته بقوة. وهى تسب وتلعن في البنت التي لوثت شرف الحارة وأضاعت هيبتها.

تمر عيناي على كوني الصغير، أرى الياسمين في شرفتي ينزف دما، يخايلنى زجاج نظارة أبي المكسور، أخبئ عقلة الإصبع كل ليلة تحت وسادتي، أتهيئ للنوم، لكن لا أنام.
عقلة الأصبع تتلوى تحت الوسادة وأنا أزداد طولاً، النساء في الشوارع يمضغن العلك ليلا، يسهرن على عتبة دكان الفاكهاني، جارتي تترك ثديها على السلم، وتجرجر لسانها الطويل، فجرا تتحدث عن باب بيت ياسمين الموصود، وهروب أسرتها من العار. في الصباح أرتدى سخطي، أسير بين غرابتين، أسمعهم يهنئون الحاج ببراءة ابنه من تهمة العرض. أمر على بيت خالي وأنا في طريقي إلى الجامعة، أرى الصغيرات لازلن يسندن ظهورهن على البيت الذى لم يكتمل بناؤه، فأتوجع من ركلة أبي الأخيرة، وأشتاق للعب الاستغماية.
………………………………………………
* من المجموعة القصصية “اختراق ذاكرة معتلة” 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى