“فان جوخ” وفهم الحياة

أ.د. محمد سعيد حسب النبي| أكاديمي مصر
إذا قرأت عن الفنان العالمي والرسام الهولندي “فان جوخ” ستجد أنه واحد من الذين فهموا الحياة بعمق غير مسبوق، حتى تكاد تستشعر أنه يريد إغراق كل شيء في الدنيا في بقعة من زيت، وأن ينغمس بعينه وعقله وقلبه في كل شيء، ثم ما تلبث أن تصير الأشياءمدادًا لفرشاته، يعبر بها عن عمق ما استشعره. ويوافق ذلك ما قال به يومًا:إن هذه الدنيا تفهم بطريقتين؛ الأولى أن تقرأ عنها، والأخرى أن تغرق فيها، ويبدو أن فان جوخ اختار أن يذوب في بحرها.
ولاشك أن الدنيا لا تستقيم على حال، وجميعنا يختار طريقتهفي التعامل معها، فمنا من يختار طريق فان جوخ، فينغمس في الدنيا ويتفاعل مع أحداثها ويتلقى أمواجها وعواصفها، يربط بين أحداثها، ويباعد بين ضرباتها. ومنا من يختار اللامبالاة، والغياب عن الدنيا وأحداثها وصراعاتها، فيفقد إحساسه بالوجود والحياة.
ومن الفوارق الواضحة بين الطريقين ما نلحظهفي بعض الشباب الذين يرون أن حل مشاكلهم يكمن في طريق واحد، حتى إذا رآه منغلقاً، ندب حظه وعاش فشله، بينما نجد البارعين في التعامل مع خطوب الحياة وقد سلك طريقاً آخر، وشق دروباً أخرى للوصول لغايته.
وأعرف من هؤلاء من يرى أن للنجاح ألف طريق، وليس طريقًا واحدًا، وأن الفشل مرحلي، وليس نهائيًا، كما أن النجاح مرحلي، وليس مطلقًا، فالنجاح يدفع لنجاح أكبر وأعظم.
إن المحبطين المتعثرين في دروب الحياة يفكرون كالأشجار، يولدون ويعيشون ويموتون في مكان واحد، بينما المفلحون في التعامل مع عواصف الحياة وتقلباتها يعيشون كالطيور؛ فيولدون في مكان، ويعيشون في مكان آخر، يُحملون إلى مكان؛ فيَحلمون بمكان آخر. إنها فلسفتهم للنجاح في هذه الحياة.



