في طابورِ الخُبْزِ

الشاعرة لبنى حمادة | القاهرة
في طابورِ الخُبْزِ
امرأةٌ تَعُدُّ أَرغِفَةً…
بِعَدَدِ الغائبينَ عن مائدتِها
تُخَبِّئُ في طَرَفِ شالِها
دُعاءً ساخنًا يَكفي ليومٍ.
كَمْ دُعاءً يَحتاجُ الرَّغيفُ
لِيَصيرَ طُمأنينةً؟
رَجُلٌ في مَصلحةٍ حُكوميّةٍ
يُقَلِّبُ أَوراقَ مَعاشِهِ
يُفَتِّشُ بينَ الأَختامِ
عن عُمرٍ أَقَلَّ قَسوةً
وعن راتبٍ
لا يَتَبَخَّرُ تَحتَ الوِسادةِ.
أَعمارُنا…
هَلْ تُقاسُ بالسِّنينَ؟
أمامَ السَّبّورةِ طِفلةٌ
تَرسمُ بيتًا أَكبَرَ مِنَ الدَّرسِ
تُلَوِّنُ في زاويتِهِ فانوسًا
يَظَلُّ مُستيقظًا
حينَ تَنامُ الظِّلالُ.
أَيُّ قُوَّةٍ
تَجعلُ ضَوْءًا صغيرًا
يُقاوِمُ عُتمةَ الحَكايا..؟
وَلَدٌ صغيرٌ
عِندَ فاتِرينةِ الأَحذيةِ
يُجَرِّبُ الجَرْيَ في خَيالِهِ
يَقيسُ المسافةَ
بينَ نَفْسِهِ
والحياةِ.
يَبتسمُ لِلحِذاءِ
ويَتركُ وَعدًا مُؤجَّلًا بالرَّكضِ
حينَ تَكبُرُ الطُّرُقُ.
الطَّريقُ أحيانًا
أَطوَلُ مِنَ المسافةِ وأَقصَرُ مِنَ التَّمَنِّي.
الشّارِعُ
مُزدانٌ بِخُيوطِ ضَوْءٍ
تُحاوِلُ رَتْقَ اللَّيلِ
أَكياسُ الياميشِ
تُخَبِّئُ شَمسًا مُجفَّفةً
لأَيّامٍ أَقَلَّ بَرْدًا.
صوتُ المُسحِّراتي
يَمُرُّ بينَ النَّوافِذِ
يُوقِظُ الرَّجاءاتِ
رَوائِحُ الكُنافةِ
تُرَمِّمُ مِزاجَ العالَمِ
وتُذَكِّرُ القُلوبَ
أَنَّ الفَرَحَ
حيلَةُ الرُّوحِ لِلبقاءِ.
يَظهَرُ الهِلالُ على شُرفَتي
قوسًا يَشُدُّ الأَرضَ
إلى صَدْرِ السَّماءِ
يُعَلِّمُني
أَنَّ النُّقصانَ
شَكلٌ مِن أَشكالِ الاكتمالِ
وأَنَّ الامتلاءَ
يَبدأُ مِن قَلْبٍ
بِلَونِ الصَّبرِ.
أَيُّ نافِذةٍ
فَتَحَها الأَمَلُ في جِداري؟
لِيَكُنْ شَهرًا
تَتَّسِعُ فيهِ الأَرغِفَةُ
تَلينُ فيهِ الأَرقامُ
أمامَ الدَّعَواتِ
تَكبُرُ فيهِ الأَحذيةُ
على مِقاسِ الخَيالِ.
ويُصبِحُ الغَدُ…
أَقَلَّ ازدحامًا بالوَجَعِ
وأَكثَرَ قابليّةً لِلحُلمِ.
#lubna_hamada




