
الكاتبة هويدا طه | القاهرة
لم أعد أكترث لتلك العادات التي تُضيّق على المرأة أن تعيش لحظاتها كما تشاء ، فلا يحق لي، في نظر الكثيرين، أن أجلس وحدي في مقهى عند منتصف الليل، وكأن الليل خُلق للرجال وحدهم.
لا أحد يعلم أنني لا أهرب من الناس، بل من ذكريات حزينة تقتحم رأسي كلما أغمضت عيني.
ذكريات تأتي كزائر ثقيل لا يعرف الاستئذان، وإذا دخل لا يعرف الرحيل، ولا يبالي بضيق أصحاب البيت أو شكواهم.
أما ما كان يزعجني الآن، فهو ذلك الرجل الجالس في الركن البعيد، يراقبني بنظرات باردة بينما أحتسي قهوتي فكلما رفعت الفنجان إلى شفتيّ، ظل ساكنًا في مكانه، وكلما أنزلته لأضعه على طبقه، رأيته يهمّ بالوقوف مترددًا، كأن بينه وبين تلك الحركة قرارًا لم يُحسم بعد ، وما إن أعود لارتشاف القهوة حتى يتراجع إلى سكونه الأول.
لم يكن في المقهى سوانا ، حتى النادل الذي أحضر لي قهوتي اختفى منذ وقت طويل، ولم يعد ليسألني تلك العبارة المعتادة:
“هل من شيء آخر يا سيدتي؟”
وكأن خدمتي كامرأة تثقل عليه، أو ربما اختطفه النوم في هذه الساعات الهادئة من الليل فياليت ذلك الخاطف يزورني أنا أيضًا؛ فأذوق طعم النوم كما يذوقه الآخرون.
ها هو من جديد يتحرك كلما ابتعد الفنجان عن شفتيّ ولكن هذه المرة لن أضعه على الطبق بل سأبقيه معلقًا بين أصابعي لعل الرجل يفقد الأمل في محادثتي.
ما أجمل هذه الليلة…
هواء لطيف ينساب في الشوارع الخالية، وقمر بدر يسكب ضوءه فوق الحي حتى يبدو وكأنه لا يحتاج إلى مصباح واحد..
أشعر بالنسيم يملأ رئتيّ حياة، حتى أكاد أظن أنهما تتنفسان مباشرة من السماء دون وساطة أنفي.
انتهيت من قهوتي أخيرًا.
والآن سأضع الفنجان، وأنادي النادل، وأدفع الحساب، ثم أرحل بهدوء يشبه هدوء هذه الليلة. بل إنني بدأت أشعر أن كوابيسي لن تقوى عليّ هذه المرة؛ فقد مر وقت طويل، وأوشك النعاس أن يغلبني ويغلبها معًا.
ما هذا؟
لقد وقف الرجل أخيرًا.
نهض دون تردد، واتجه نحوي بخطوات ثابتة. كان يرتدي ملابس لا توحي بأنه من طبقة ميسورة، وعلى وجهه آثار تعبٍ قديم تركت خطوطها بوضوح.
لماذا يريد الحديث معي؟
هل استنكر وجود امرأة تجلس وحدها في مقهى عند هذا الوقت؟
أم سيعرض عليّ أن يوصلني إلى منزلي، لأنه يرى نفسه رجلًا قادرًا على حمايتي؟
ولا يعلم أن بيتي يقع خلف هذا المقهى مباشرة، وأن المسافة بيني وبين منزلي أقل من المسافة التي تفصل مقعده عن مقعدي.
أقسم أنني سأصفعه إذا حاول مغازلتي ؛
إذا أخبرني أنني أشبه القمر في هذه الليلة، أو إذا ألقى على مسامعي واحدة من تلك العبارات المستهلكة التي يظن أصحابها أنها تفتح القلوب.
وربما سأقذف ما تبقى من قهوتي في وجهه، ليعود إلى منزله بعلامة تذكّره دائمًا إنني لستُ كغيري من النساء.
أو لعلني أطلب من صاحب المقهى أن يوبّخه إذا تجرأ وسألني عن اسمي.
توقف أمامي أخيرًا، ثم قال بصوتٍ أنهكه السهر:
— أتمنى ألا تطلبي شيئًا آخر يا سيدتي… فقد تأخر الوقت كثيرًا، ولا بد أن أغلق المقهى وأذهب لأنام، حتى أستطيع العودة مجددًا في الموعد المعتاد غدًا .




