مقال

تهويد الهوية: كيف يخطط الاحتلال لتشكيل وعي الفلسطينيين عبر التشريع والتعليم؟

د.نسرين محمود رضوان
عضو اتحاد كتاب مصر – شعبة الترجمة للطفل
في خضم الصراع العربي الإسرائيلي الذي يمتد لعقود، تبرز قضية الهوية كساحة معركة لا تقل أهمية عن الصراع على الأرض والمياه والسيادة. فبينما يتمسك الفلسطينيون بجذورهم العربية والإسلامية وتراثهم الأصيل، يعمل المشروع الصهيوني بمنظومة متكاملة من القوانين والسياسات على طمس هذه الهوية واستبدالها بأخرى تتوافق مع رؤيته الاستيطانية. هذه المعركة، التي تخاض في البرلمانات والمحاكم، وفي الغرف الصفية والمناهج الدراسية، تهدف في جوهرها إلى إعادة إنتاج “الفلسطيني المرغوب” الذي يتقبل واقع الاحتلال ويدمج في نسيجه.
قانون القومية: تجذر العنصرية في صلب النظام القانوني
في 19 يوليو عام 2018، مرر الكنيست الإسرائيلي “قانون القومية” الذي يعدّه الفلسطينيون والقوى الدولية ضربة قاصمة لأي أمل في حل عادل للقضية الفلسطينية. إن القانون الذي تمت الموافقة عليه بأغلبية 62 صوتًا مقابل 55، ليس مجرد تشريع عابر، بل تم “تحصينه” كقانون أساس ؛ مما يعني أنه لا يمكن تعديله أو إلغاؤه بسهولة، وهو ما يعكس عنصرية التيار الصهيوني في ترسيخ رؤيته ؛ إذ لا يكتفي القانون بتعريف “إسرائيل” كدولة قومية للشعب اليهودي فقط، بل ينص صراحة على أن حق تقرير المصير فيها “حصري للشعب اليهودي”. هذا البند وحده يشطب الحقوق الجماعية للفلسطينيين، ويلغي عمليًا أي إمكانية لحل الدولتين الذي طالما تبناه المجتمع الدولي. كما يكرس القانون التمييز العنصري بشكل صارخ؛ فهو يخفض مكانة اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة “ذات وضع خاص”، بينما تبقى العبرية هي اللغة الرسمية الوحيدة للدولة.
ويَكْمُن الخطر الأكبر في دعم القانون للاستيطان. فبموجبه، تعد الدولة تطوير الاستيطان الصهيوني “قيمة قومية”، وتعمل على تشجيعه ودعمه؛ مما يمنح شرعية قانونية عليا للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية. والأكثر خطورة، أن القانون لم يحدد حدود الدولة الجغرافية؛ وهذا مما يفتح الباب لتفسيرات توسعية تستند إلى مفهوم “أرض إسرائيل” الذي يمتد من النيل إلى الفرات في أقصى التفسيرات الدينية والسياسية للحركة الصهيونية.
إن هذا القانون، كما يرى المحللون، يُعَزِّي الوجه الحقيقي للصهيونية التي ظلت لعقود تختفي وراء شعارات الديمقراطية الواهية. فالدولة التي تعلن نفسها “دولة قومية لليهود” لا يمكن أن تكون ديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه الذي يقوم على المساواة الكاملة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم. وهو ما يفسر سبب حذف كلمة “ديمقراطية” من النص النهائي للقانون؛ مما يؤكد أن إسرائيل، بموجب تشريعها الأساسي، هي دولة عنصرية لا مكان لها ضمن منظومة الأمم المتحدة التي تقوم على مبدأ المساواة وعدم التمييز.
التعليم: ساحة المعركة الخفية لصهر الوعي
إذا كان قانون القومية هو الإطار التشريعي لطمس الهوية، فإن النظام التعليمي هو الآلة التنفيذية لصهر الوعي الفلسطيني وإعادة تشكيله. منذ احتلال القدس والضفة الغربية عام 1967، لم تكتفِ سلطات الاحتلال بالسيطرة العسكرية، بل عملت على السيطرة الكاملة على العملية التعليمية، مدركة أن التعليم هو مفتاح المستقبل والهوية.
المناهج: حذف وتشويه للرواية الفلسطينية
قبل عام 1967، كانت المدارس الفلسطينية في الضفة الغربية تتبع المناهج الأردنية، وفي غزة المناهج المصرية. لكن مع الاحتلال، لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت السياسة الإسرائيلية في التغلغل. ففي أغسطس 1967، صدر قرار عسكري بمنع استخدام 78 كتابًا مدرسيًا من أصل 121 كان مقررًا في الضفة الغربية، بدعوى أنها تحتوي على “تحريض ضد إسرائيل”.
وإن هذه الكتب لم تختفِ، بل أعيدت طباعتها بعد حذف كل ما يشير إلى التراث العربي والقضية الفلسطينية؛ ولم تكن التعديلات سطحية، بل كانت منهجية وهادفة إلى تجريد الطالب الفلسطيني من ارتباطه بأرضه وتاريخه. ففي الخرائط الجغرافية، مُحي اسم فلسطين واستُبدل بـ”إسرائيل” أو “أرض إسرائيل”. وفي كتب التاريخ، حُذف أي ذكر للنكبة أو التهجير أو المقاومة، وصُورت الثورات الفلسطينية على أنها مجرد “أعمال شغب” .
ولم تقتصر عملية الحذف على الكتب فحسب، بل شملت أيضًا القصائد الشعرية التي تغرس روح الوطنية. فقصيدة الشاعر الفلسطيني توفيق زياد الشهيرة “هنا باقون” حُذفت بالكامل. وحتى الكتب الدينية والاجتماعية لم تسلم؛ فقد حُذفت كلمة “مجاهدون” واستُبدلت بـ”المتمسكون بحبل الله”، في محاولة لطمس أي دلالة على النضال من أجل الوطن.
في القدس المحتلة، كانت السياسة أكثر صرامة. فبعد فرض السيادة الإسرائيلية على المدينة، حاولت سلطات الاحتلال فرض المناهج الإسرائيلية على المدارس العربية بالقوة، مما دفع المعلمين والطلاب إلى إضراب مفتوح استمر لأشهر، وأجبر الاحتلال على التراجع مؤقتًا. لكن مع مرور الوقت، استخدم الاحتلال سياسة الجزرة والعصا، حيث ربط الدعم المالي الهائل (الذي وصل إلى 47 مليون شيكل في العام الدراسي 2016-2017) بموافقة المدارس على تدريس المنهج الإسرائيلي.
هذا المنهج، كما يحذر المعلمون وأولياء الأمور، لا يقتصر على السرد الصهيوني للتاريخ فحسب، بل يتجاوزه إلى إنكار الهوية الفلسطينية بشكل كامل. ففي الكتب الإسرائيلية المقررة على الطلاب الفلسطينيين في القدس، يتم تدريس أن “القدس هي عاصمة إسرائيل”، وأن الخليفة عمر بن الخطاب “احتلها”، وأن الجيش الإسرائيلي هو من “حررها” عام 1967. إنها عملية تغريب قسري للطالب عن تراثه وتاريخه.
معاناة يومية: المدارس بين الحواجز والجدار
لا يتوقف أثر الاحتلال على محتوى التعليم، بل يمتد إلى البنية التحتية وإمكانية الوصول إلى المدارس. ففي القدس الشرقية، يعاني الطلاب الفلسطينيون من نقص حاد في الفصول الدراسية. مخيم شعفاط للاجئين، الذي يقطنه حوالي 120 ألف فلسطيني، لا يضم سوى أربع مدارس بلدية و18 مدرسة معترفًا بها، وهي غير كافية لاستيعاب هذا العدد الهائل. يضطر آلاف الأطفال يوميًا إلى المرور عبر حواجز عسكرية للوصول إلى مدارسهم، في رحلة شاقة ومهينة تهدد حياتهم وأمنهم.
إضافة إلى ذلك، فإن تمويل المدارس العربية في القدس والضفة الغربية يعاني من تمييز فاضح؛ فالميزانية المخصصة للطالب العربي في التعليم الابتدائي أقل بنسبة تصل إلى 40% من نظيره اليهودي، وتتسع الفجوة لتصل إلى 75% في المرحلة الثانوية. هذا التمييز ينعكس بشكل مباشر على نتائج الطلاب؛ فارتفاع نسبة التسرب بين الطلاب العرب تصل إلى 14% مقابل 5.5% فقط في المدارس العبرية، كما أن نتائج الطلاب العرب في امتحانات البجروت والاختبارات الدولية (مثل: (TIMSSتأتي متأخرة جدًا مقارنة بزملائهم اليهود.
ما وراء التعليم: استراتيجية شاملة لتشويه الهوية
إن معركة طمس الهوية العربية لا تقتصر على جدران المدرسة، بل هي حرب ثقافية واجتماعية شاملة. فإسرائيل تعمل على ثلاثة مستويات متوازية لتحقيق هذا الهدف:
المستوى الثقافي: سرقة التراث وتهميش اللغة
مع قانون القومية، أصبحت اللغة العبرية هي اللغة الرسمية الوحيدة؛ مما يعزز تهميش اللغة العربية. هذه السياسة تمتد إلى تغيير أسماء القرى والبلدات الفلسطينية إلى أسماء عبرية، ومنع استخدام اللغة العربية في بعض أماكن العمل. كما شهدنا في السنوات الأخيرة عمليات سطو منهجية على التراث الفلسطيني، حيث تتبنى إسرائيل أطباقًا مثل : الحمص والفلافل، وتستخدم الكوفية والدبكة في مناسباتها الرسمية، في محاولة لاقتلاع هذه الرموز من سياقها الفلسطيني.
المستوى الاجتماعي: التطوع بدلا من التجنيد
في الداخل المحتل (فلسطينيو 48)، تعمل إسرائيل على دفع الشباب الفلسطيني نحو “الخدمة المدنية” كبديل عن الخدمة العسكرية. هذا البرنامج، الذي يُقدم بمغريات مادية كالإعفاءات الضريبية والمنح التعليمية، يهدف في جوهره إلى استقطاب الفلسطينيين وإدماجهم في المنظومة الإسرائيلية، وتحويلهم إلى قوة احتياطية تخدم أهداف الدولة، بدلًا من أن يكونوا جزءًا من المقاومة الوطنية.
المستوى المعرفي: تزييف التاريخ والرواية الفلسطينية
على مدار عقود، عملت المؤسسة التعليمية الإسرائيلية على تزييف الحقائق المتعلقة بالصراع. فالرواية الفلسطينية عن النكبة والتهجير غائبة تمامًا، بينما يتم تقديم الرواية الصهيونية على أنها “معركة استقلال وطنية”. هذه العملية التي يسميها الباحثون “صهر الوعي”، تهدف إلى تجزئة الشعب الفلسطيني وبناء جيل من الطلاب منفصلين عن تاريخهم وهويتهم الجماعية.
هوية مقاومة: صمود فلسطينيو الداخل
رغم كل هذه السياسات القمعية، يظل فلسطينيو الداخل (فلسطينيو 48) نموذجًا حيًا على فشل مشروع التهويد؛ فهم يعيشون تناقضًا واضحًا: مواطنون في دولة قامت على أنقاض وطنهم، وتتعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية. هويتهم المركبة، التي تجمع بين المكونات العربية والإسلامية والفلسطينية، ليست نتاج تطور طبيعي، بل هي نتاج صراع مستمر مع سياسات الإقصاء والتهميش.
لقد شهدت هذه الهوية تحولات على مر العقود. في البداية، راهن الاحتلال على دمجهم واعتبارهم “عرب إسرائيل”؛ لكن مع صعود الحركات القومية العربية، وفشل العدوان الثلاثي، ونكسة 1967، تعزز المكون القومي العربي في هويتهم. ثم جاءت انتفاضة الحجارة عام 1987 وأحداث أكتوبر 2000 لتعيد التأكيد على المكون الفلسطيني، وتظهر أن الانتماء للوطن والأرض أقوى من أي محاولات للتطبيع .
واليوم، ورغم محاولات الاحتلال المتكررة لتقسيمهم وعزلهم عن محيطهم الفلسطيني، يواصل فلسطينيو الداخل نضالهم للحفاظ على هويتهم، معتبرين أن الدين واللغة العربية هما حصون منيعة في وجه سياسات التهويد.
معركة البقاء
أخيرا ؛ فإن المشروع الصهيوني يدرك تمام الإدراك أن السيطرة على الأرض وحدها لا تكفي، بل لا بد من السيطرة على الوعي. فالقوانين العنصرية، والمناهج المشوهة، وسياسات التمييز الممنهجة، كلها أدوات في معركة وجودية تستهدف طمس الهوية العربية الفلسطينية وتجريدها من معانيها.
ولقد أثبت التاريخ، أن الهوية التي تنبثق من تراث عريق وارتباط عميق بالأرض، لا يمكن محوها بالقوانين والمناهج. ولقد ظلت وستبقي المقاومة الفلسطينية في كل تجلياتها، سواء في المدارس التي تتمسك بالمنهاج الفلسطيني، أو في الأسر تغرس في أبنائها حب اللغة العربية، وكذلك يبقي المثقفون يواصلون كتابة التاريخ بمداد المقاومة؛ إذ هي الضمانة الأكيدة لاستمرار الهوية الفلسطينية حية رغم كل محاولات الطمس والاقصاء ؛ لذا فإن المقاومة الفلسطينية، بكل أشكالها، ثقافية، أو تعليمية، أو فنية، أو تراثية تدرك أنها المعركة الحقيقية اليوم، وأنها لا تقل أهمية عن معركة الكفاح المسلح .

المراجع والمصادر
بشور،نجلاء .(2009). تغيير المناهج المدرسية في الضفة الغربية. بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية.
بشير، نبيه (2011).اللغة العبرية في مشروع المناهج الهوية الاغراق في الخطأ. جمعية الثقافة العربية.
הרטף , חגית .(2007) . להיות ישראלי וגם יהודי: חינוך חברתי והבניית הזהות . חיפה :אוניברסיטת חיפה.
هرطف , حجيت . (2007) . إسرائيل اليهودية : التربية الاجتماعية وبناء الهوية . حيفا : جامعة حيفا .
יגאל, אלון. (2010) . מתווה פעולה לשיקום והעצמת תשתיות המורשת הלאומית . ישראל : משרד ראש הממשלהתמ״ר .
يجئيل , ألون . (2010) . الإجراءات اللازمة لإعادة تأهيل وتعزيز البني التحتية للتراث الوطني . إسرائيل : مكتب رئاسة الوزراء .
AbiSamra, S.(2020) . Emotions and emotional intelligence in curriculum theory: On incorporating EQ skills in teacher education. Paper presented at the 31st Annual Bergamo Conference, on Curriculum Theory and Classroom Practice, October, 16th, Bergamo, Italy.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى