علوم

الضوء والهداية: كيف يكشف النور طريق الإنسان؟

بقلم: أ.د/ محروس رشاد أحمد
أستاذ الفيزياء – كلية العلوم – جامعة سوهاج

منذ أن خلق الله الكون، كان الضوء أحد أعظم النعم التي منحها للحياة. فمن خلاله ترى العيون الأشياء، وبه تتحدد الاتجاهات، وتنكشف العقبات، ويستطيع الإنسان أن يسير في طريقه بأمان. ولولا الضوء لعاش الإنسان في عالم من الظلام لا يستطيع فيه تمييز الأشياء أو إدراك أبعادها أو معرفة وجهته.
ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يستخدم القرآن الكريم النور والظلمات للتعبير عن الهداية والضلال، وأن يجعل الضوء أحد أعظم الأمثلة التي تقرب إلى العقول معنى الإيمان والهداية.
فالضوء في عالم الفيزياء ليس مجرد وسيلة للرؤية، بل هو كاشف للحقائق. فالشيء قد يكون موجودًا أمامنا، لكننا لا نستطيع رؤيته إلا إذا سقط عليه الضوء وانعكس إلى أعيننا. وهكذا هي الهداية في حياة الإنسان؛ فالحقائق قد تكون موجودة، لكن الإنسان لا يدركها إلا إذا أضاء الله قلبه بنور البصيرة.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35]. وقال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 122]. فكما يحتاج الإنسان إلى الضوء ليهتدي في طريقه الحسي، يحتاج إلى نور الإيمان ليهتدي في طريقه المعنوي.
ومن خصائص الضوء أنه يسير في خطوط مستقيمة، ولذلك فإن أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم. وهذه الحقيقة العلمية تذكرنا بمعنى الصراط المستقيم الذي يدعو إليه الإسلام. فالهداية ليست طرقًا متعرجة ومتضاربة، وإنما طريق واضح المعالم يقود إلى الغاية المنشودة.
وقد كان المسلم يردد في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. وكأن الإنسان يطلب من الله أن يرشده إلى الطريق الواضح الذي لا تضل فيه الخطوات ولا تتشتت فيه الاتجاهات.
ومن خصائص الضوء أيضًا أنه كلما كان أقوى كانت الرؤية أوضح. فالشمعة تكشف جزءًا محدودًا من المكان، بينما يكشف ضوء الشمس آفاقًا واسعة. وكذلك الهداية درجات، فكلما ازداد الإنسان علمًا وإيمانًا وتقوى، ازدادت بصيرته ونضجت رؤيته للأمور. ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]. أي يمنحكم نورًا من البصيرة تميزون به بين الحق والباطل.
ومن الظواهر الجميلة في عالم الضوء أن الشعاع قد ينعكس من جسم مضيء إلى أجسام أخرى فينيرها. والقمر مثلًا لا يضيء بذاته، وإنما يعكس نور الشمس. وكذلك الإنسان المؤمن؛ فالهداية التي في قلبه لا تبقى حبيسة نفسه، بل تنعكس على من حوله في صورة أخلاق حسنة وكلمة طيبة وقدوة صالحة. ولهذا كان الأنبياء والعلماء والمصلحون بمثابة مصابيح تنير الطريق للناس. وقد وصف الله نبيه محمدًا ﷺ بقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: 46]. فالسراج لا يحتفظ بالنور لنفسه، بل ينشره فيمن حوله.
كما أن الضوء إذا مر عبر وسط غير نقي تشتت وضعفت شدته، كذلك الهداية قد تضعف آثارها عندما تمتلئ النفس بالشهوات والأهواء والتعصب والكبر والحسد. فالقلب الملوث بالمعاصي يشبه زجاجًا متسخًا يحجب جزءًا من الضوء ويمنع الإنسان من رؤية الحقائق بوضوح. ولهذا كان القرآن يدعو إلى تزكية النفس وتطهير القلب، لأن القلب النقي أكثر قدرة على استقبال نور الهداية.
ومن خصائص الضوء أيضًا أنه يكشف العيوب التي لا تظهر في الظلام. فكثير من الأشياء تبدو سليمة حتى يسلط عليها الضوء. وكذلك الهداية تجعل الإنسان أكثر قدرة على رؤية عيوب نفسه وأخطائه. فالجاهل قد يظن نفسه كاملًا، أما صاحب البصيرة فيزداد تواضعًا لأنه يرى مواضع تقصيره بوضوح أكبر. وقد قال الله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14]. فنور الهداية لا يكشف الطريق فقط، بل يكشف أيضًا حقيقة النفس.
ومن الملاحظ أن الظلام لا يحتاج إلى جهد ليملأ المكان، بل يكفي غياب الضوء. وكذلك الضلال لا يحتاج دائمًا إلى دعوة خاصة، بل قد يكفي غياب العلم والوعي والإيمان. أما الهداية فتحتاج إلى مصدر للنور وإلى من يحمله وينشره بين الناس. ولهذا كانت رسالة الأنبياء عبر التاريخ هي إخراج الناس من الظلمات إلى النور، كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 1].
ولعل من اللافت أن القرآن كثيرًا ما يذكر “النور” بصيغة المفرد، بينما يذكر “الظلمات” بصيغة الجمع. وذلك لأن طريق الحق واحد في جوهره، أما طرق الضلال فكثيرة ومتشعبة.
إن الضوء يعلمنا درسًا عظيمًا في الحياة: أن الإنسان لا يستطيع أن يسير بأمان في الظلام، كما لا يستطيع أن يعيش حياة مستقيمة دون هداية. فكما يحتاج الجسد إلى نور الشمس ليبصر طريقه في الأرض، يحتاج القلب إلى نور الإيمان ليبصر طريقه إلى الله.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل إنسان على نفسه: ما مقدار النور الذي يملأ قلبي؟ وهل أكتفي بأن أرى الطريق لنفسي، أم أسعى أيضًا لأن أكون مصدر نور وهداية ورحمة لمن حولي؟ فخير الناس ليس من اهتدى فقط، بل من حمل النور وساعد الآخرين على رؤية الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى