أدب

وبعد أيها الغريب!!

قصة قصيرة

بقلم تامر محمد عزت | القاهرة 

بارتياح شديد أدلف إلى غرفة نومي بعد أن انتهيت من كتابة روايتي، لا يُتعب الكاتب ولا يثقل كاهله إلا ما يسطر على الورق، يختلق أحداث وأشخاص ورموز وسرد وحوارات، يحاول جعل الحبكة متقنة بأكبر قدر ممكن من الكذب الجميل، اسميه الكذب المتقن، وكلما أتقنت كذبتك،كلما زاد من روعة ابداعك، حتى زارني ياسر.

ياسر بطل روايتي الجديدة، الابن الأوسط لعائلة أرستقراطية، ما بين الأكبر المتغطرس والأصغر المتمرد كان هو، لا يريد البطولة ولا يُسمع أحد بفضيحة، ومع ذلك اعتبرته العائلة غريب بينهم، نعم، روايتي عنوانها الغريب، حياته تقليدية، ليس لديه طموح، غير أنه يكون إنسان عادي، بسيط، ملتزم، ويتمنى اليوم الذي يخرج فيه من براثن العائلة الاستبدادية إلى الحرية، الأب مستبد، الأم متغطرسة، حياتهم عبارة عن تمثيلية في مسلسل كبير على خشبة مسرح أكبر، أما الغريب، فهو ينتمي لشخصية خاله، طيب، متدين، كما يقولون عنه، عادي، هو كذلك، عادي، ما المشكلة؟، تتطور الأحداث بين الشد والجذب حتى رفع شعار لن أعيش في جلباب عائلتى،عقد العزم بعد الجامعة إلى خاله، بل وأراد الزواج من ابنة خاله، والعائلة ترفض، وهو يقاوم، وتدور الأحداث في إطار اجتماعي وإثارة نفسية ويخرج الغريب مع زوجته إلى عالم آخر، عالم الصحافة ومحاربة الفساد و الفاسدين ومنهم أخوه الأكبر الذي فاز بمقعد في مجلس النواب والأصغر الذي حجز مقعد هو الآخر في مجلس الشيطان، وتدور الأحداث حتى يُقتل.

زارني ياسر في المنام، لا، كانت يقظة، بل بين النوم واليقظة، قد تكون هلاوس كتابية، لا، بالفعل زارني ياسر بهيئته التي رسمتها على الورق، كان كما وصفته، طويل القامة، ناعم الشعر، بني العينين، يرتدي ملابس عادية، أطلق لحيته على استحياء، ولكنه مكفهر الوجه و غاضب وسألني: لماذا قتلتني؟ من اعطاء صفة القدير في أن تُحيي من تشاء وتميت من تشاء؟، لماذا تريد الشر يفوز على الخير؟، ينتصر الحاقد على الطيب؟، يسحق الشيطان عباد الرحمن؟ قل لي بالله لماذا خلقتني إذن؟
لا اخفيكم سرا، لقد زادت ضربات قلبي، وشحب وجهي، وتلعثمت، أنا المتكلم في الندوات والاجتماعات، عقد لساني، ولم انبس ببنت شفه.
تحولت غرفتي إلى محكمة ، نعم، وأنا المتهم وراء القضبان، والغريب ، أقصد ياسر تارة يصبح قاضيا ويسألني وتارة مكان الدفاع ويتهمني وتارة مكان المحامي و يستجوبني وأحيانا أجده بجواري خلف القضبان!! متهم يصرخ من القهر.

شعرت أنني في رواية أخرى، يبدو أنني استسهلت الحكم على ياسر، الغريب كما أخبرني في مرافعته، هناك عشرات الحلول غير الموت، الهرب لدولة أخرى، الحياة في محافظة أبعد، الانشقاق عن العائلة ليس ترجمتها أنها النهاية واليأس من الحياة، قد يعيش مع زوجته وبين أولاده في سلام، وبين الألم والمعاناة في الحياة يُولد من جديد مع فجر كل عيد، ما المانع أيها الكاتب المرموق؟
أسقط في يدي عندما اتهمني الدفاع بأنني متواطيء مع أهل الشر والفساد و الفاسدين، وأن الغلبة لهم طوال الوقت، وأن نفوذهم كالشجرة الخبيثة، جذورها في الأرض وفروعها تمتد إلى السماء، وصرخ صرخة زلزلت جدران المحكمة: أين الله يا حضرة الخالق؟

الخالق؟ نعم.. أنا خالق الشخصيات ولكني لست إلها، أنا أعيش على أرض الواقع، أرى واتعايش واقرأ الحوادث وبين تصفح الكتب وقراءة البشر.. أكتب.

القاضي كان قاسيا في عدله.. حيث حكم عليّ بإعادة ترتيب الأحداث وخلق واقع جديد يبث الأمل في نفوس البشرية.

ياسر بجواري خلف القضبان تنساب من عينيه دموع الفرح وقال:
عزيزي الكاتب، انا سأخلد على ورقك وأنت ستموت يوما ما، أكتب للإنسان الذي سيعيش.

فزعت من نومي، اشهق، اتنفس باضطراب، ضربات قلبي كادت تنفجر من قفصها الصدري، جسدي قابلا للذوبان في أي لحظة، سرعان ما عدت إلى مكتبي،وفتحت اللابتوب، ومسحت النهاية وكتبت نهاية جديدة تماما تليق بالغريب.

ما إن انتهيت حتى سمعت أذان الفجر يبشر بيوم جديد، فتحت شباك النافذة لأتنفس الصبح، فإذ بي أجد ياسر في طريقه إلى المسجد ومعه أطفاله.. رفع رأسه تجاهي وابتسم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى