الوصايا العشر لمواجهة الامتحانات

أ. سعيد مالك| معلم لغة عربية
يأتي موسم الامتحانات لا بوصفه اختبارًا للذاكرة وحدها، بل بوصفه مرحلة كاشفة لعمق التربية، وقوة الإرادة، وحسن إدارة الإنسان لذاته في أوقات الضغط. فالامتحان لحظة صدق مع النفس، تتجلّى فيها آثار الاجتهاد، وتنضج فيها معاني الصبر والانضباط، ويُعاد فيها ترتيب العلاقة بين السعي والتوكّل، وبين الطموح والاتزان. ومن هنا، فإن الطالب الواعي لا يدخل الامتحان بعشوائية، بل بمنهج واضح، ووصايا جامعة، تُعينه على الثبات، وتجنّبه الاضطراب، وتجعله يخرج من التجربة أكثر نضجًا، سواء وافقته النتائج أم خالفته.
وفيما يأتي وصايا تربوية دقيقة، مرتبة، جامعة، ثبت نفعها بالتجربة، وأيّدتها أصول التربية، وعضدتها النصوص الشرعية.
الوصية الأولى: أخلص النيّة وصحّح القصد.
البداية الصحيحة تبدأ من القلب. فمتى كانت النية طلب العلم النافع، لا مجرد الدرجة، بورك في الجهد واطمأنّ القلب. قال تعالى:﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114). وقد قرر أهل التربية أن وضوح الهدف الداخلي يزيد من الصبر على المذاكرة، ويقلل الشعور بالملل والضغط.
الوصية الثانية: اجعل للوقت نظامًا لا فوضى
الوقت رأس مال الطالب، ومن ضيّعه ضيّع نفسه. والمذاكرة الناجحة لا تقوم على الإكثار، بل على الانتظام والتقسيم. ففترات المذاكرة القصيرة المتكررة أنفع للعقل من الساعات الطويلة المرهقة.
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “إن لليل حقًا، وللنهار حقًا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه”.
الوصية الثالثة: راعِ جسدك ليخدمك عقلك
العقل لا يعمل في جسد مُنهك. والنوم الكافي، والغذاء المتوازن، والابتعاد عن السهر المفرط، أمور جوهرية لا تكميلية. وقد ثبت أن قلة النوم تضعف الذاكرة والتركيز وسرعة الاستدعاء. وقال النبي ﷺ: «إن لبدنك عليك حقًا»، فاحفظ هذا الحق يكن عونًا لك لا خصمًا عليك.
الوصية الرابعة: ذاكر بفهم لا بتكديس
الحفظ المجرد سريع الزوال، أما الفهم فثابت الأثر. اجعل همّك فهم الفكرة، وربط المعاني، وتلخيص الدروس بأسلوبك، وطرح الأسئلة على نفسك. وقد أجمع التربويون على أن الطالب حين يشرح ما تعلّمه، يرسخ العلم في ذهنه أضعافًا.
الوصية الخامسة: اضبط القلق ولا تستسلم له
القلق شعور إنساني طبيعي، لكن الخطورة في تركه يتضخم. وحين يحوّل الطالب قلقه إلى خطة مراجعة واضحة، ينخفض التوتر تلقائيًا. والذكر والدعاء من أعظم أسباب الطمأنينة. قال تعالى:﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
الوصية السادسة: اختر بيئة المذاكرة بعناية
المكان المرتب، والهدوء، وإغلاق مصادر التشتيت، عوامل تصنع فارقًا كبيرًا في جودة المذاكرة. وقد ثبت أن تشتيت الانتباه يضعف التحصيل حتى مع طول الجلوس. فصفاء المكان مدخل لصفاء الفكر.
الوصية السابعة: استفد من أسرتك دون توتر
الأسرة شريك خفي في نجاح الطالب. الكلمة الطيبة، والدعاء، وتخفيف الضغط النفسي، كلها دعم حقيقي. وعلى الطالب أن يحسن التواصل، ويبتعد عن الجدل والانفعال، فالتفاهم في هذه المرحلة ضرورة لا رفاهية.
الوصية الثامنة: اربط العلم برسالته
العلم ليس رقمًا في شهادة، بل أداة بناء للأوطان والإنسان. وحين يستشعر الطالب أن اجتهاده اليوم هو لبنة في مستقبله وخدمة مجتمعه، يتحول التعب إلى معنى. قال تعالى:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11).
الوصية التاسعة: اجمع بين السعي والدعاء
الدعاء قوة روحية عظيمة، لكنه لا يغني عن العمل، بل يكمّله. قال النبي ﷺ:«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز». ومن أنفع الأدعية في هذه المرحلة: “اللهم علّمني ما ينفعني، وانفعني بما علّمتني، ووفّقني لما تحب وترضى”.
الوصية العاشرة: تقبّل النتيجة وتعلّم منها:
النتيجة ليست نهاية الطريق، بل رسالة. النجاح يستوجب الشكر، والتعثّر يستوجب المراجعة لا اليأس. وقد أثبتت التجربة أن من يتعامل مع الخطأ باعتباره درسًا، ينمو أسرع، ويثبت أطول.
إن الامتحان، في حقيقته، مدرسة مؤقتة في الصبر والانضباط، لا تقل أثرًا عن الكتب والمناهج. ومن دخل هذه المدرسة بوصايا واضحة، وعقل منظم، وقلب متصل بالله، خرج منها رابحًا على كل حال. فليوقن كل طالب وطالبة أن الله لا يضيع جهدًا صادقًا، وأن ما بُني على إخلاص، سيثمر علمًا نافعًا، ونفسًا واثقة، ومستقبلًا أرحب وأرسخ.




