أدب

زمن الهاربين

شعر: حنان بدران
قبل أن يفتتح الليل فمه على المدينة،
الكلمات تتثاءب قبل أن تبدأ،
وكانت العيون الصغيرة تتلمس الحافة الخفية للزمن،
بينما تشق الطريق بين الجدران الهامسة،
تبحث عن نبضٍ خفي بين الدقائق،
عن ساعةٍ لم يعرفها الزمن بعد،
وعن لحظة فرار لم تولد إلا في صمت القلوب.
تمسك العصفور الهارب بيدها،
وفي اليد الأخرى ساعة أمها.
تحدّقت فيها طويلًا، كأنها تنصت إلى نبضٍ لا يشبهها،
ثم ارتدت حذاءً أكبر من قدمها، متفاخرة،
وهي تحمل حقيبتها الصغيرة وتنطلق.
على البلاط البارد، انزلقت الطفلة وهي تلعب،
فتنكسر الساعة وينكسر الوقت.
كأن الكسر لم يُصب الساعة وحدها،
بل امتد في الأعوام.
أخوها الشاب يحدّق في ساعة يده،
تلك التي أهدتها له حبيبته،
ويهمس متأففًا:
“ما للزمن يزحف ببطء كأنه لا يمرّ؟”
الجد، الكهل الوسيم، ينظر إلى ساعته في ليلة رأس السنة،
وينتحب بصمت، ويحدّث نفسه:
“كم من الأعوام مرت خاطفة كالبرق،
تبتعد في غفلة واحدة دون أن نشعر.”
يمضي النهار منها ولا يبقى سوى أثر باهت.
عند منتصف الليل، نتثاءب ونبالغ بالكلام عن السلاحف والعصافير.
ينظر إليه ابنه، الخريفي العمر، قائلاً:
“يا ولدي، انتصف الليل وتأخرت عن موعد نومك.”
نظر أمامه، فوجد علب الأدوية كما هي،
كأنه نسي أن يأخذ دواءه هو أيضًا.
يخرج ليجلب الماء، ويسهو قليلًا،
فيبتلعه ضجيج الزمامير وصخب الشباب والشابات،
وهم يعدّون عكسيًا، قبل أن تنفجر السماء بالمفرقعات.
في لحظة، يتساءل: “لماذا أتيت إلى هنا؟”
يتذكّر، يحمل الكوب،
ليجد العجوز غافياً على الطاولة، باستسلام طفل بريء تعب من البرد.
في عام جديد، تعبت البومة اللطيفة الفضولية من التحليق،
فحلّقت لتفتّش الليل المعتم،
تبحث عن شجرة لم تشتعل في مؤامرات والاتفاقيات.
تمنت لحظة أن تحط على غصن أخضر.
وهي تحلق، رأت قططًا تجلس سعيدة تحت المنضدة، قرب المدفأة.
وبحكمة البومة، تستدير وتقرّر أن تبقى محلقة،
وعليها أن تبقى في السماء كنسر جارح لا يستهويه الدفء المصطنع…!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى