
د. طارق حامد| مصر
إذا كان الفصل السابق قد رسم معالم الطريق السليم لفهم التاريخ، عبر قواعد منهجية صارمة، فإن هذا الفصل يهدف إلى تشخيص العلل التي تصيب جسد الكتابة التاريخية حين تنحرف عن هذا الطريق. فمعرفة الأخطاء الشائعة ليست مجرد سرد سلبي للعيوب، بل هي جزء أساسي من بناء المناعة النقدية للقارئ والباحث على حد سواء. إنها أشبه بخرائط تحذر من المزالق والمنحدرات الخطرة في رحلة استكشاف الماضي. تنقسم هذه الأخطاء عمومًا إلى فئتين رئيسيتين: أخطاء منهجية تتعلق بضعف الأدوات وطرق التحليل، وأخطاء أيديولوجية تنبع من تحيّزات مسبقة وتوظيف التاريخ لخدمة غايات آنية. وسنرى كيف أن هاتين الفئتين كثيرًا ما تتشابكان، لينتج عنهما كتابة مشوهة تقدم صورة زائفة عن الماضي.
1. الأخطاء المنهجية: تعطيل أدوات المهنة
1.1. التعميم (Overgeneralization)
يُعد التعميم السريع والقاسي من أكثر الأخطاء المنهجية شيوعًا وخطورة. وهو يعني إصدار أحكام شاملة على ظاهرة أو فترة أو جماعة تاريخية معتمدة على أمثلة قليلة، أو حتى مثال واحد، دون اعتبار للتنوع والتعقيد الداخلي. وهذا الخطأ يأخذ عدة أشكال:
· تعميم صفة على أمة بكاملها عبر العصور: مثل القول بأن “الأمة الفلانية أمة محاربة” أو “أمة تجارية”، متجاهلاً التحولات الهائلة التي تطرأ على المجتمعات عبر القرون، والفروقات الكبيرة بين فئاتها الاجتماعية.
· تعميم حكم عصر على العصور كلها: كالحكم على العصر العباسي المتأخر بالتخلف والجمود، وإسقاط هذه الصورة على العصر العباسي كله، متجاهلين عصور الازدهار العلمي والفكري في القرون الأولى.
· الاستنتاج من الخاص إلى العام: مثل دراسة حالة مدينة واحدة أو طبقة اجتماعية واحدة، ثم تقديم استنتاجات عنها بوصفها تمثل المجتمع بأكمله في تلك الحقبة.
ينشأ هذا الخطأ من الكسل الفكري أو الرغبة في تقديم صورة بسيطة وسهلة الاستهلاك، ولكنه يقتل حقيقة التنوع والخصوصية في التاريخ.
1.2. التبسيط المفرط (Oversimplification) أو الحتمية (Determinism)
يرتبط هذا الخطأ بالتعميم، ولكنه يركز على تفسير الأحداث. وهو اختزال السببية التاريخية المعقدة والمتعددة في سبب واحد بسيط وحتمي. ومن أشكال ذلك:
· الحتمية الجغرافية: تفسير صعود الحضارات وسقوطها فقط بالعوامل الجغرافية (المناخ، الموقع، الموارد).
· الحتمية الاقتصادية (في صورتها المبتذلة): تفسير كل الأحداث السياسية والثقافية كنتيجة مباشرة وحتمية للصراع الطبقي أو تحولات وسائل الإنتاج.
· الحتمية العرقية أو النفسية: تفسير التاريخ بردود فعل جماعية ثابتة لشعب ما بسبب “طباعه” أو “عقليته” المزعومة.
هذا التبسيط يجرد الإنسان والجماعة منالإرادة والاختيار والقدرة على المفاجأة، ويحول التاريخ إلى مسرحية مكتوبة سلفًا، وهو ما يناقض طبيعة الفعل الإنساني الحر والمعقد.
1.3. إسقاط الحاضر على الماضي (Presentism) أو النزعة المعاصرة
هذا هو الخطأ الأكثر دهاءً وانتشارًا، وقد تطرقنا إليه في سياق السياق. إنه قراءة الماضي من خلال عدسة مفاهيمنا وقيمنا وأولوياتنا المعاصرة، ومحاكمة رجاله وتصرفاتهم بمعايير زماننا. يظهر هذا في:
· الحكم الأخلاقي المجرد: إدانة شخصيات تاريخية لعدم التزامها بقيم حقوق الإنسان أو الديمقراطية الليبرالية الحديثة، دون فهم النظام القيمي والسياسي السائد في عصرها.
· البحث عن “الأبطال” و”الأشرار” المعاصرين: محاولة إيجاد نظائر تاريخية للقومية، أو الليبرالية، أو العلمانية، أو الدينية المتطرفة في عصور لم تعرف هذه التصنيفات بهذه الحداثة.
· قراءة الصراعات الماضية كنسخة أولية من صراعاتنا الحالية: مثل قراءة الصراع بين العباسيين والأمويين كصراع “قومي” بين عرب وفرس، وهي قراءة تستخدم مصطلحات حديثة على واقع اجتماعي وسياسي مختلف تمامًا.
يقول المؤرخ البريطاني هربرت بترفيلد عن هذا الخطأ:”أخطر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها المؤرخ هو أن يتفق مع الماضي أكثر من اللازم، أي أن يجعل من نفسه معاصرًا لأحداثه”¹. الفهم الحقيقي يتطلب التاريخانية (Historicity)، أي فهم الماضي في سياقه الخاص المختلف.
1.4. تجاهل السياق وانتقاء الروايات (Cherry-Picking)
وهو خطأ منهجي فادح، حيث ينتقي الباحث من المصادر والوقائع فقط ما يدعم فرضيته أو رؤيته المسبقة، ويتجاهل عمدًا كل ما يعارضها أو يعقد الصورة. هذه ليست كتابة تاريخ، بل هي توظيف انتقائي للتاريخ. يؤدي هذا إلى:
· بناء سرديات مشوهة تجعل التاريخ يبدو وكأنه مسار خطي بسيط نحو نتيجة معروفة مسبقًا.
· تقديم شخصيات تاريخية بصورة أحادية البعد (بطل خارق أو شرير متأصل).
· خداع القارئ غير المتخصص الذي قد يظن أن الصورة المقدمة هي كل الحقيقة.
2. الأخطاء الأيديولوجية: توظيف الماضي لخدمة الحاضر
2.1. التاريخ كسلاح: التزوير لخدمة مصالح فكرية أو سياسية
هنا يتجاوز الخطأ مستوى المنهج الضعيف إلى مستوى النية المغرضة. التاريخ يصبح أداة في الصراعات الأيديولوجية المعاصرة. وهذا التوظيف يأخذ صورًا عدة:
· التاريخ القومي المتطرف: كتابة تاريخ يخدم بناء هوية قومية نقية ومتفوقة، بتضخيم انتصارات الأمة وتجاهل هزائمها، واختلاق انتصارات لم تحدث، وتزوير الحقائق لخلق تراث بطولي متصل، وغالبًا ما يصاحبه تشييط للجيران والأقليات.
· التاريخ الطائفي أو المذهبي: اختزال التاريخ في سردية صراعية بين “مذهب حق” و”مذهب باطل”، حيث تُقدَّم كل أفعال “الفريق الحق” على أنها مشروعة وحكيمة، بينما تُصور أفعال “الفريق الآخر” على أنها شريرة أو خائنة. تُحذف فترات التعايش والتعاون، وتُبرز فترات الصراع فقط.
· التاريخ الاستعماري والتاريخ المضاد: في الحقبة الاستعمارية، كُتبت تاريخيات تبرر الاستعمار بأنه “عبء الرجل الأبيض” لإنقاذ شعوب متخلفة. وفي رد الفعل، قد يقع بعض المؤرخين الوطنيين في فخ التاريخ المضاد الذي يسقط كل علل المجتمع على الاستعمار فقط، وينفي أي قدرة ذاتية على التخلف أو الخطأ، مما يعيد إنتاج النظرة التبسيطية نفسها ولكن بعلامة معكوسة.
· التاريخ الثوري أو العقائدي: حيث يُكتب التاريخ ليثبت صحة أيديولوجية معينة (ماركسية، إسلاموية، ليبرالية…) ويُجرد من كل تعقيداته ليصبح سلسلة من الأمثلة الداعمة للنظرية.
2.2. صناعة الأساطير والأبطال والذكريات المختارة
تستخدم السلطات السياسية والحركات الأيديولوجية التاريخ لـ صناعة الأساطير المؤسسة (Founding Myths). هذه الأساطير، رغم أنها قد تلعب دورًا في التماسك الاجتماعي، تشوه الحقيقة التاريخية من خلال:
· تقديس الشخصيات: تحويل قادة أو علماء إلى شخصيات شبه إلهية، معصومة من الخطأ، وحذف كل جوانب ضعفهم البشري أو أخطائهم.
· اختلاق الوقائع أو تحريفها: مثل ربط أصل الأمة بحدث أسطوري، أو تضخيم دور معركة إلى درجة جعلها “فاصلة” في تاريخ الأمة رغم محدودية أثرها الواقعي.
· استحضار انتقائي للماضي: اختيار فترة ذهبية معينة (كالعصر الذهبي للإسلام، أو الإمبراطورية الرومانية) والتركيز عليها حصريًا، مع نسيان فترات الانحدار أو التعقيد، لتقديم نموذج للحنين يستخدم في تحريك المشاعر الجماهيرية.
2.3. الاستشراق وتشويه صورة “الآخر”
يشكل الاستشراق (Orientalism)، كما حلله إدوارد سعيد، نموذجًا بارزًا للخطأ الأيديولوجي المنهجي. فهو ليس مجرد دراسة للشرق، بل هو خطاب سلطة أنتجته الحضارة الأوروبية لتمثيل الشرق كـ “آخر” سلبي، جامد، غريب، متخلف، واستبدادي، وذلك في مقابل أوروبا المتحضرة، العاقلة، الديناميكية². هذا الخطاب لم يكن بريئًا، بل خدم المشروع الاستعماري والسيطرة الثقافية. أخطاؤه المنهجية تشمل:
· التعامل مع الشرق ككتلة متجانسة ومتغيرة.
· تجاهل التنوع الهائل داخله.
· تفسير ظواهره دائمًا بالدين أو “العقلية الشرقية” الثابتة، مع إغفال العوامل السياسية والاقتصادية.
· استخدام مصادر استشراقية كلاسيكية دون نقد، كمصدر للحقيقة المطلقة عن الشرق.
3. أمثلة تطبيقية من الكتابات التاريخية العربية والعالمية
3.1. في الكتابة التاريخية العربية والإسلامية
· القراءة السلفية الأحادية: وهي قراءة تسقط الواقع الحالي على النص الديني والتاريخي معًا، فتجمد التاريخ الإسلامي في نموذج مثالي واحد (عصر الخلفاء الراشدين غالبًا) وتحاكم كل العصور اللاحقة بمعيار هذا النموذج، متجاهلة اختلاف الظروف والسياقات. كما أنها تقرأ التاريخ السياسي كتاريخ للعقيدة، فتصنف الخلفاء والحكام إلى “سني” و”شيعي” أو “مؤمن” و”منحرف” بناءً على انتماءاتهم المذهبية أو موقف بعض رواة الحديث منهم، دون تحليل سياسي عميق لصراعات السلطة³.
· الكتابة القومية العربية: التي سعت بعد الاستقلال لبناء سردية تاريخية توحد العرب، فبالغت في تمجيد الأدوار العربية (كالدور العربي في الحضارة الإسلامية)، وقللت من شأن الأدوار غير العربية (الفارسية، التركية، الكردية، الأمازيغية)، مما خلق ردود فعل انفصالية مضادة.
· التاريخ الرسمي للدولة الحديثة: حيث تكتب الوزارات التاريخ المدرسي لترسخ ولاءً للنظام الحاكم وللدولة في صورتها الحالية، مع إغفال أو تشويه فترات الصراع أو الأدوار المعارضة في التاريخ الوطني.
3.2. في الكتابة التاريخية الغربية
· التاريخ اليميني القومي في أوروبا: الذي يصور تاريخ أوروبا كمسيرة تفوق متصلة، ويبرر الاستعمار، ويغلفه بغلاف “نشر الحضارة”.
· التاريخ الماركسي الجامد: في بعض تجلياته، الذي حاول حشر كل الأحداث في إطار الصراع الطبقي، حتى تلك التي لا تفسر به بسهولة، كالصراعات القومية أو الدينية.
· تاريخ “نهاية التاريخ” الليبرالي: الذي يرى في انتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية نهاية للمسار التطوري للإنسانية، ويقرأ التاريخ برمته على أنه مسيرة طويلة نحو هذه الغاية.
خاتمة الفصل: التشخيص خطوة نحو العلاج
إن رصد هذه الأخطاء ليس غاية في ذاته، ولا دعوة إلى اليأس من إمكانية كتابة تاريخ موضوعي. بل هو، على العكس، تأكيد على أهمية المنهج. فمعرفة المرض هي أول خطوات العلاج. إن معظم هذه الأخطاء، سواء المنهجية أو الأيديولوجية، تنبع من التخلي عن القواعد التي تم الحديث عنها في الفصل السابق: التخلي عن الحياد لصالح الهوى، وعن السياق لصالح الإسقاط المعاصر، وعن نقد المصادر لصالح الانتقاء، وعن التعددية لصالح التفسير الأحادي.
وبالتالي، فإن علاج هذه العلل يبدأ بوعي الباحث والقارئ بها، والتسلح بالمنهج النقدي الذي يميز بين التاريخ كبحث والتاريخ كأداة. الفهم العميق لهذه المزالق يجعلنا أكثر قدرة على تفكيك الخطابات التاريخية المغرضة التي تحيط بنا، وأكثر إصرارًا على السعي نحو كتابة تاريخية تلتزم بمعايير الموضوعية والإنصاف، لا ككمال غير قابل للتحقيق، بل كواجب أخلاقي ومعرفي نجاهد من أجله. فالتاريخ، في النهاية، ليس ملكًا لأحد، بل هو تراث الإنسانية المشترك، وحقه علينا أن نتعامل معه بالأمانة التي يستحقها.
هوامش الفصل الثالث:
¹ Butterfield, Herbert. The Whig Interpretation of History. G. Bell and Sons, 1931, p. 11. (هربرت بترفيلد، التفسير اليميني للتاريخ، ترجمة: عبد الله المشعان، مجلة الاجتهاد، العدد 7، 1989، ص 45).
² Said,Edward W. Orientalism. Vintage Books, 1979, p. 2-3. (إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1981، ص 41).
٣ للمزيد على نقد القراءة السلفية للتاريخ،انظر: الجابري، محمد عابد. نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي. المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، ط6، 1993، ص 55-80.



