تاريخ

حقيبة الذكريات.. بستان مزهر (6)

سالم بن محمد بن أحمد العبري
منذ أيام قليلة أرسل الصديق الصحفي على سواحة قصيدة الشاعر (نزار قباني) التى رثا بها الرئيس جمال عبد الناصر بعد وفاته في 28 سبتمبر 1970. حيث كنت حينئذٍ طالبا بالإعدادية العامة، وكنت مشغولا بالدراسة وترتيب معيشتي بالقاهرة بالمعونات التى تأتي من الإمام غالب رحمه الله، ومن أخيه الشيخ طالب ومما قد يتصدق به بالعم سعيد وبعض الأخوة العاملين بالكويت، وكنت قد عدت أواخر مايو1970 إلى الكويت زيارة وتدبير أمر إقامتي بالقاهرة، وكانت رحلتي عبر بغداد، لا أعلم. الآن ما الدافع أن تكون الرحلة عبر بغداد، لأن تذكرة السفر ربما أقل تكلفة من غيرها من الخطوط خصوصا أن مصر للطيران كانت منتشرة وأحسب أسعارها لا تتفاوت كثيرا عن العراقية، أم إن فرصة البقاء والحديث مع الشيخ طالب أوسع من تلك التى قد تكون حين نمر عليه في سكنه بالزملك بعمارة يفصلها عن شارع 26 يوليو مبني واحد فقط، و كنا نتأكد من وجوده بمسكنه بوجود سيارته الألمانية الصنع (الإبل)
قد يكون هذا أو ذاك فالطائرة أنزلتني بمطار بغداد, وماذا تقول عن بغداد في حينه صنو القاهرة أو المركز الثاني بعد القاهرة وكانت تعج كالقاهرة بكل الشخصيات العربية والدولية الآسوية والأفريقية وربما من أمريكا اللاتينية وكان العمانيون ليسوا أقل حظا من غيرهم، بل كان وجودهم وجود دولة نظرا لتمثيل عمان بالجامعة العربية وطلاب عمان يسرحون ويمرحون من الجزائر غربا حتى بغداد والكويت وحتى الاتحاد السوفيتي والدول التابعة للمعسكر الشرقي الاشتراكي.
نزل الشاب بغداد دون تنسيق أو خبر ويأخذهم التاكسي إلى مكتب إمامة عمان فهو معلوم كأي مقر دبلوماسي و يتربع بقلب المعظمية والعلم الأبيض الذى تتوسطه الآية القرآنية (نصر من الله وفتح قريب) يرفرف كعلم الجمهورية العربية المتحدة أو علم الاتحاد السوفيتي والعلم الكويتي والسعودية والإيراني الملكي، ثم لا تنسى أعلام حركات التحرر العالمية، كان العراق بثوريته وإمكانيته. وكأن الأمم المتحدة قد اختصرت به أو قل العالم مثِّل به”
لا تسمح الذاكرة غير المثبتة كتابيا كم يوما مكث الشاب بالمكتب وأين كانوا ينامون وماهو الطعام، لكن رئحة الأرز العراقي العنبر لا زال أنفه يستنشقها حتى الحين، ومما بقي لم تمحوه السنون أن الشيخ طالب رحمه كان يجلس معه على شكل انفراد, وكأنه يجلس ويتحدث إلى الشيخين جده أو أخي جده العلامة إبراهيم العبري، ومما ظل ثابتا لم تمحوه 56 عاما، هو أن الشيخ القائد كان يتكلم في التشكيلات النيابة أو التمثيلية، ومما يدهش الشاب الشيخ الآن أن أهدافه ورؤاه كانت تتلاقى مع الشيخ مع ما لسه السلطان قابوس رحمهما الله، فقد كان يتماثل مع مجلس الشورى والدولة, وإن كان الشيخ طالب قد سمى النواب والشيوخ، و كان يريد أن يستقطب بمجلس الشيوخ الشخصيات المهمة والأقطاب للاستفادة منهم واحتوائهم كما أظن، وهو ما حصل بمجلس الدولة.
ولا يذكر الشاب كيف بلغ البصرة ثم أخذ موعدا في تاكسى يعبر به حدود العراق إلى الكويت وهل أخذ نفسه للمراقب حيث يقيم عدد من أهل الحمراء بالحوش المشهور المعلم, أو بمعسكر الشويخ المقابل لتحلية المياة ولأحد القصور الشهيرة حيث إن العاملين بتلك المرافق يقطنون بلك الحجيرات والكرفانات وكان سليمان بن سالم بن سليمان الشكري رأس هذا التجمع وكان عمي سعيد يقيم معهم.
وفي كل مدينة أو حي يظهر أحد أو رأس ففي المرقاب ربما حسين بن سعيد بن حسين العبري مدبر أمورهم بالمرقاب، بينما في الفحيحيل كان الوالد الشهم الكريم سيف بن عبدالله بن سليمان العبري وزوجته الزعيمة خديجة بنت سالم تكمل ذلك العقد والمكان والسبق فكان بيتهم مرجعا للعاملين من كل الولايات والقبائل فأضاف إلى تقدمهم أصلا بالحمراء تقدمهم بزنجبار وعيشهم بها كما هو بالكويت ثم بمسقط إنهم كانوا أهلا ومرجعا وملفا لكل من خرج من زنجبار وتقطعت بها السبل وإثبات الانتماء فالوالد سيف يخاطب العلامة الوالد إبرهيم بن سعيد في كل عويصة أو غُمة في حلها ويكشف همها وإلى جانبهم أقام مقرا آخر ومرجعا للعاملين ولكل الخليجيين والعرب الشيخ ناصر بن سليمان الحارثي حيث أسس مصنعا للحلوي العمانية وملاذ الشرقية حتى صور وجعلان ، وقد أقام والدي رحمه الله صلاة عيد الأضحي ببيته في ١٩٦٢ حين كانت بالكويت في عام استقلالها للعلاج بالمستشفي الأميري حيث أصروا أن يعيِّد معهم فأمهم وخطب بهم وكان ذلك الزمن يماثل الفترة الحالية إذ قد كان عيد الأضحى في فترة أبريل ومايو
ودعونا نعود إلى قصيدة نزار قباني في رثاء الزعيم عبدالناصر. زمانك بستان وعصرك أخضر و نوردها فيما يلي ثم نعلق عليها

زمانك بستانٌ.. وعصركَ أخضرُ
وذكراكَ، عصفورٌ من القلب ينقرُ

ملأنا لك الأقداحَ، يا مَن بِحُبّه
سكِرنا، كما الصوفيُّ بالله يسكرُ

دخلتَ على تاريخنا ذات ليلةٍ
فرائحةُ التاريخ مسكٌ وعنبرُ

وكنت َ، فكانت في الحقول سنابلٌ
وكانتْ عصافيرٌ.. وكان صنوبرُ

لمسْتَ أمانينا، فصارتْ جداولاً
وأمطرتنا حبّاً، ولا زلتَ تمطرُ

تأخّرت عن وعد الهوى يا حبيبنا
وما كنت عن وعد الهوى تتأخرُ

سَهِدْنا.. وفكّرنا.. وشاخت دموعنا
وشابت ليالينا، وما كنتَ تحضُرُ

تعاودني ذكراك كلّ عشيّةٍ
ويورق فكرى حين فيك أفكّر ..

وتأبى جراحي أن تضمّ شفاهها
كأن جراح الحبّ لا تتخثّرُ

أحبّكَ. لا تفسير عندي لصبوتي
أفسّر ماذا؟ والهوى لا يُفسَّر

تأخرت يا أغلى الرجال، فليلنا
طويلٌ، وأضواء القناديل تسهرُ

تأخّرت.. فالساعات تأكل نفسها
وأيامنا في بعضها تتعثّرُ

أتسأل عن أعمارنا؟ أنت عمرنا
وأنت لنا المهدىّ.. أنت المحرّرُ

وأنت أبو الثورات، أنت وقودها
وأنت انبعاث الأرض، أنت التغيّرُ

تضيق قبور الميتين بمن بها
وفى كل يوم أنت في القبر تكبرُ

* * *

تأخرت عنّا.. فالجياد حزينة
وسيفك من أشواقه، كاد يكفرُ

حصانك في سيناء يشرب دمعَهُ
ويا لعذاب الخيل، إذ تتذكّرُ

وراياتك الخضراء تمضغ دربها
وفوقك آلاف الأكاليل تُضْفَرُ

تأخرت عنا.. فالمسيح معذّبٌ
هناك، وجرح المجدلية أحمرُ ..

نساء فلسطينٍ تكحّلن بالأسى
وفى بيت لحمٍ قاصراتٌ.. وقصّرُ

وليمونُ يافا يابسٌ في حقولهِ
وهل شجرٌ في قبضة الظلم يُزهرُ؟

* * *

رفيق صلاح الدين.. هل لك عودةٌ
فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ

رفاقك في الأغوار شدّوا سُروجَهم
وجندك فى حِطِّين، صلّوا.. وكبّروا ..

تُغنّى بك الدّنيا.. كأنك طارقٌ
على بركات الله، يرسو.. ويُبحرُ

تناديك من شوقٍ مآذنُ مكّةٍ
وتبكيك بَدر ٌ، يا حبيبي، وخيبرُ

ويبكيك صفصاف الشام ووردها
ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ

* * *

تعال إلينا.. فالمروءات أطرقتْ
وموطن آبائي زجاج مكسّرُ ..

هُزمنا.. وما زلنا شِتاتَ قبائلِ
تعيشُ على الحقد الدفين وتثأرُ

رفيق صلاح الدين.. هل لك عودةٌ
فإن جيوش الروم تنهى، وتأمرُ

يحاصرنا كالموت ألفُ خليفةً
ففي الشرق هولاكو.. وفى الغرب قيصرُ

* * *

أبا خالدٍ أشكو إليك مواجعي
ومثلي له عذرٌ.. ومثلك يعذرُ

أنا شجرُ الأحزان، أنزفُ دائماً
وفى الثلج والأنواءِ.. أعطى وأُثمرُ

يثيرُ حزيرانٌ جنوني ونقمتي
فأغتال أوثاني.. وأبكى.. وأكفرُ

وأذبح أهلَ الكهف فوق فراشهم
جميعاً، ومن بوّابة الموت أعبرُ

وأترك خلفي ناقتي وعباءتي
وأمشى.. أنا في رَقْبة الشمس خِنجرُ

وأصرخُ: يا أرض الخرافات ِ.. احبلي
لعلَّ مسيحاً ثانياً.. سوف يظهرُ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى