تاريخ

التاريخ بين التقديس والتدنيس.. البحث عن توازن الذاكرة (6)

د. طارق عبده الحامد

إذا كانت الفصول السابقة قد كشفت عن تشوهات عملية فهم التاريخ، فإن هذا الفصل يُقدِّم الإطار النظري الشامل لتلك الإشكالية، من خلال مفهومي التقديس والتدنيس بوصفهما طرفي نقيض في تعاملنا مع الماضي. إنهما نزعتان مرضيتان تشتركان في جذور عميقة من الخوف والضعف الحضاري، رغم اختلاف مظهرهما الظاهري. التقديس هو تحويل التاريخ إلى محراب مقدس، والتدنيس هو تحويله إلى مزبلة مُهانة. كلا الموقفين يمثل هروباً من التعامل الناضج مع الماضي كجزء من الوعي الإنساني المركب. هذا الفصل يحاول تفكيك هذه الثنائية القاتلة، واقتراح طريق ثالث يرى في التاريخ مساحة للنقد والاحترام معاً، في إطار من التوازن المعرفي والأخلاقي.

1. نقد ظاهرة تقديس التاريخ: الماضي كملاذ مقدس

1.1. تعريف التقديس ومظاهره

تقديس التاريخ هو عمليّة تَرفيع الماضي إلى مرتبة القداسة، بحيث يصبح خارجاً عن نطاق النقد والمراجعة، ويُتخذ كمرجعية مطلقة لحل مشكلات الحاضر. يظهر هذا في عدة أشكال:

·تقديس الشخصيات التاريخية: تحويل القادة والعلماء والمفكرين إلى أيقونات معصومة، تُحذف أخطاؤهم وتُضخم فضائلهم. أي نقد لهم يُوصف بـ “التجريح” أو “الانتقاص من الرموز”. نرى هذا في الخطابات القومية (تأليه الزعماء)، والطائفية (تأليه الأئمة والصحابة)، وحتى في بعض الخطابات العلمانية (تأثير بعض “الآباء المؤسسين”).
· تقديس الفترات التاريخية: اختيار فترة معينة (كعصر الخلافة الراشدة، أو عصر النهضة الأوروبية، أو عصر الدولة العثمانية في أوجها) واعتبارها النموذج المثالي الذي يجب أن يعود إليه الحاضر. هذه النظرة تتجاهل السياقات التاريخية الخاصة بتلك الفترات، وتنكر حقيقة أن كل عصر له إشكالياته وخصوصيته.
· تقديس النصوص التاريخية: التعامل مع كتب التاريخ القديمة وكأنها نصوص وحية مُنزلة، لا يجوز مناقشة رواياتها أو مصادرها. يُنسى أن المؤرخين القدماء كانوا بشراً يخطئون ويصيبون، ويكتبون ضمن سياقاتهم.

1.2. الدوافع النفسية والاجتماعية للتقديس

لماذا يلجأ المجتمعات والأفراد إلى تقديس ماضيهم؟

· التعويض عن الهزيمة الحضارية: كما لاحظ المفكر مالك بن نبي، فإن المجتمعات التي تمر بمرحلة “ما بعد الحضارة” تميل إلى التعلق بماضيها المجيد كنوع من التعويض النفسي عن إحساسها بالدونية والعجز في الحاضر. يصبح الماضي هو “الوطن الروحي” الذي يهربون إليه من قسوة الواقع.
· البحث عن اليقين في عالم مضطرب: في عصر اللايقين والتفكك القيمي، يقدم الماضي المُقدَّس واحةَ أمانٍ وهمية. فهو يبدو منظَّماً، واضح المعالم، مليئاً بالقيم الثابتة، بعكس تعقيدات الحاضر المربكة.
· توظيف سياسي من قبل السلطات: تشجع الأنظمة الاستبدادية تقديس رموز تاريخية معينة (مؤسس الدولة، قائد التحرير) لخلق أسطورة وطنية موحِّدة تُسكِت أي صوت نقدي تحت شعار “الولاء للتراث”. كما يقول المؤرخ إريك هوبزباوم عن “ابتكار التقاليد” كأداة لبناء الدول الحديثة.
· الخلط بين المجال الديني والمجال التاريخي: في السياق الإسلامي تحديداً، يحدث خلط خطير بين الثوابت الدينية (النصوص الشرعية القطعية) والاجتهادات التاريخية البشرية. فيُتعامل مع قرارات الخلفاء وسياساتهم وكأنها جزء من الدين، ويُقدَّس العلماء والمفسرون إلى درجة تجعل آراءهم التاريخية مساوية للنص المقدس.

1.3. مخاطر وأضرار تقديس التاريخ

· شلُّ العقل النقدي: عندما يُقدَّس الماضي، يصبح النقد والتساؤل عملاً “مشبوهاً” أو “تخريبياً”. هذا يقتل روح البحث العلمي ويجمد الفكر.
· تعطيل عملية التطور الحضاري: الاعتقاد بأن الحلول الجاهزة لكل مشكلاتنا موجودة في الماضي، يجعلنا نبحث في الأرشيف عن حلول لمشاكل عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي. إنه هروب من مسئولية الاجتهاد المعاصر.
· إنتاج صورة وهمية عن الذات: تقديس الماضي يخلق هوية متضخمة غير واقعية، مما يؤدي إلى صدمة عنيفة عند الاصطدام بتحديات الحاضر، وقد يولد رد فعل عكسي هو التدنيس.
· تكريس الصراعات الطائفية والقبلية: عندما يُقدَّس تاريخ طائفة أو قبيلة معينة، يصبح الصراع مع الآخرين صراعاً بين “مقدَّس” و”مدنَّس”، مما يجعل الحلول السياسية مستحيلة.

2. نقد ظاهرة تدنيس التاريخ: هدم الماضي وإنكار قيمته

2.1. تعريف التدنيس ومظاهره

إذا كان التقديس يعلي من شأن الماضي بشكل مَرَضي، فإن التدنيس هو النقيض المرضي أيضاً. وهو عملية تحقير الماضي وإنكار أي قيمة له، واعتباره عبئاً يجب التخلص منه. يتجلى في:

· النظرة الاحتقارية للتراث: اعتبار كل ما أنتجه الأسلاف من فكر وسياسة وفن هو تخلف وجهل وظلامية. نرى هذا في بعض الخطابات العلمانية المتطرفة التي ترى في التاريخ الإسلامي كله تاريخ استبداد وتخلف.
· التركيز الحصري على الجوانب السلبية: انتقاء فترات الانحطاط والحروب والصراعات الدموية في التاريخ، وتقديمها على أنها الصورة الكاملة، مع تغييب فترات الازدهار والإنجازات الحضارية.
· نزع الشرعية عن الهوية: استخدام التاريخ سلاحاً لهدم هوية الجماعة (القومية، الدينية) من الداخل، عبر إثبات أن هذه الهوية لم تكن سوى بناءً وهمياً قائماً على أساطير وأكاذيب.
· التعامل الانتقامي مع الرموز: هدم التماثيل، تشويه الصور، إهانة الرموز التاريخية (حتى من غير دراسة نقدية جادة لها) كتعبير عن رفض للحاضر المرتبط بهذا الماضي.

2.2. الدوافع النفسية والاجتماعية للتدنيس

· رد الفعل على التقديس المفرط: كثيراً ما يأتي التدنيس كـ ردة فعل عنيفة على ثقافة التقديس السائدة. فالشباب الذي نشأ على صورة مثالية مبالغ فيها عن الماضي، حين يكتشف تناقضاتها، قد ينقلب إلى النقيض ويرفض الماضي جملةً وتفصيلاً.
· مركب النقص الحضاري: في سياق الهزيمة والتبعية، قد ينظر البعض إلى تراثه على أنه سبب التخلف، وأن السبيل الوحيد للتقدم هو القطع الكامل مع هذا الماضي وتبني النموذج الغربي بكليته. هذه عقدة الخواجة التي تحدث عنها عبد الله العروي.
· الاستلاب الثقافي: نتيجة للغزو الثقافي والاستعمار الفكري، يتبنى بعض المثقفين رؤية المستعمر لتراثهم، فيعيدون إنتاج خطاب الاستشراق بلسان عربي، ويرون في تاريخهم ما رآه المستشرقون: التخلف والاستبداد والجمود.
· الأجندات السياسية الخارجية: قد تُشجَّع نزعات التدنيس من قبل قوى خارجية لتسهيل اختراق المجتمعات وتفكيك هويتها، مما يجعلها أكثر تقبلاً للنماذج الثقافية والسياسية الوافدة.

2.3. مخاطر وأضرار تدنيس التاريخ

· القطيعة مع الذات: يؤدي التدنيس إلى اغتراب الإنسان عن تاريخه، وفقدان الشعور بالانتماء والاستمرارية، مما يخلق شخصية مهزوزة، غير قادرة على الحوار مع ذاتها أو مع الآخر.
· ضياع الحكمة التراثية: داخل التاريخ، حتى في عصور انحطاطه، توجد كنوز من التجارب الإنسانية، والدروس، والمفاهيم، والفنون. إهدار هذا الكنز بحجة أنه “من الماضي” هو إفقار كبير للوعي الإنساني.
· الوقوع في فخ النموذج الواحد: رفض الماضي الخاص غالباً ما يقترن بتبني نموذج آخر (غالباً غربي) بشكل أعمى ومقدَّس أيضاً! وهنا يتحول التدنيس إلى شكل آخر من التقديس، لكنه تقديس للآخر.
· تسهيل الهيمنة الثقافية: عندما تتنازل أمة عن دفاعها عن تراثها وتاريخها، فإنها تفتح الباب على مصراعيه للهيمنة الثقافية الأجنبية، وتصبح مستهلكة سلبية لمنتجات حضارة الآخرين الفكرية والمادية.

3. مقترح للتعامل المتوازن: التاريخ كتراث نقدي

كيف نخرج من هذه الثنائية العقيمة؟ الجواب في بناء عقلية تاريخية متوازنة تتعامل مع التاريخ بوصفه تراثاً نقدياً، لا معبداً مقدساً ولا مزبلة مُهانة. وهذا يتطلب:

3.1. التمييز بين الثابت والمتغير، بين الديني والتاريخي

· التمييز بين الدين والتاريخ: الدين (في جانبه التشريعي والعقدي الثابت) مجال له قدسيته. أما التاريخ البشري (سياسات الحكام، اجتهادات العلماء، صراعات الدول) فهو نتاج اجتهاد إنساني خاضع للصواب والخطأ، ويجب دراسته بنفس الأدوات النقدية التي ندرس بها تاريخ أي أمة أخرى. لا يجوز تقديس سياسة معاوية أو اختيارات صلاح الدين كما نقدس النص القرآني.
· فهم نسبية القيم:许多 القيم الأخلاقية والسياسية تطورت عبر التاريخ. يجب أن نفهم القيم السائدة في الماضي في سياقها، دون أن نتبرأ منها (التدنييس) ودون أن نُجبرها على مطابقة قيمنا الحديثة (إسقاط معاصر)، لكننا أيضاً لا نقدسها كقيم مطلقة.

3.2. اعتماد منهج النقد البنَّاء

· النقد لا يعني الإهانة: يمكننا نقد قرار خليفة أو تفسير عالم أو نتيجة معركة بعقلانية وموضوعية، وهذا النقد هو تكريس حقيقي لاحترامهم، لأنه يعترف بعبقريتهم البشرية وإمكانية خطئهم، ولا يحولهم إلى أساطير.
· النقد ذو الاتجاهين: ننتقد الماضي لاستخلاص العبر، وننتقد حاضرنا باستخدام معايير عادلة. النقد ليس سلاحاً لتدمير الماضي فقط، بل هو أداة لفهم تعقيدات الحاضر أيضاً.

3.3. اعتبار التاريخ مدرسة وليس مرجعية نهائية

· التاريخ كمختبر للتجارب الإنسانية: يجب أن ننظر إلى التاريخ على أنه أكبر مختبر اجتماعي وسياسي عرفه البشر. ندرس تجاربه (الناجحة والفاشلة) لفهم سنن التغيير، وآليات صعود الحضارات وأفولها، وديناميكيات الصراع والتعاون.
· استخلاص السنن لا استنساخ النماذج: الهدف هو استخلاص القواعد الكلية والأنماط العامة (السنن الإلهية والاجتماعية) التي تحكم حركة التاريخ، وليس استنساخ النموذج التاريخي نفسه. فنحن لا نريد إعادة خلافة راشدة، بل نريد استخلاص قيم العدل والشورى التي جسدتها وتطبيقها في أشكال عصرية مناسبة.

3.4. تبني رؤية تكاملية (تلفيقيّة)

· رفض القطيعة والقبول غير النقدي: نرفض فكرة القطيعة الكاملة مع الماضي (التدنييس)، ونرفض أيضاً فكرة القبول الكامل غير النقدي له (التقديس). نحتاج إلى عملية تلفيقية (Synthetic) نأخذ فيها من التراث ما يصلح لعصرنا بعد تمحيص نقدي، ونستفيد من تجارب الآخرين دون انبهار، لبناء حاضرنا.
· التاريخ جزء من هوية مركبة: هويتنا ليست هي التاريخ فقط، بل هي خليط من التاريخ واللغة والدين والقيم والتطلعات المستقبلية. التاريخ هو أحد مكونات الهوية، وليس كلها. يجب أن يكون عنصراً حياً في تكويننا، لا سجيناً له.

نحو توازن الذاكرة

إن الصراع بين التقديس والتدنيس هو في حقيقته صراع بين عقلية الأصنام (صنم الماضي وصنم الحاضر). كلا الموقفين يقدس شيئاً: الأول يقدس الزمن الغابر، والثاني يقدس اللحظة الراهنة أو النموذج الوافد. المخرج هو في تحرير العقل من عبودية الصنمين معاً.

التاريخ، في الرؤية المتوازنة، هو حوار حي بين الأجيال، وموردٌ للحكمة وليس للعصمة، ومرآة نقدية نرى فيها عيوبنا ومحاسننا. إنه جذر الشجرة، والشجرة الحية لا تعيش إذا قطعت جذورها (التدنييس)، ولا تنمو إذا حنطت جذورها في متحف (التقديس). بل تنمو حين تكون جذورها مغروسة في تربة الواقع، تمتص منها الغذاء لتنتج ثماراً جديدة للحاضر والمستقبل.

علينا أن نتعلم فن الوفاء النقدي لأسلافنا: الوفاء بدراسة تراثهم بإنصاف، والنقد بتمحيص تراثهم بموضوعية نصنع علاقة سليمة مع الزمن، نستطيع من خلالها أن نستلهم من الماضي دون أن نستعبده، ونبني حاضرنا دون أن ننكر ديوننا لمن سبقونا. هذه هي الروح الحضارية الحقيقية: أن تكون جسراً بين الماضي والمستقبل، لا سجيناً لأحدهما.

هوامش

¹ بن نبي، مالك. شروط النهضة. ترجمة: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986، ص 45-60. (يتحدث بن نبي عن “مرحلة ما بعد الحضارة” ورواسبها النفسية).
² Hobsbawm,Eric, and Terence Ranger, eds. The Invention of Tradition. Cambridge University Press, 1983. (إيريك هوبزباوم وترينس رينجر (تحرير)، ابتكار التقاليد، ترجمة: أحمد حسان، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2012).
³ العروي،عبد الله. مفهوم الإيديولوجيا. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1980، ص 120-135. (يتحدث عن عقدة الخواجة والاستلاب الثقافي).
٤ للمزيد عن التمييز بين الديني والتاريخي،انظر: أركون، محمد. الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد. ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، لندن، ط5، 1996، ص 75-90.
٥ الجابري،محمد عابد. نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي. المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، ط6، 1993، ص 15-30. (يقدم الجابري نموذجاً للتعامل النقدي مع التراث).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى