ريما حمزة؛ اللغة وعي والجسد ذاكرة

ناصر أبوعون – مصر
عند إعمال نظرية (البيان الحركيّ/ لُغة الجسد) على نصّ (يعرفني الصباح من عيوني) للشاعرة السورية ابنة السويداء، والممهورة بتوقيع (جبل حوران/العرب) نستشفُّ بيانًا شعريًا حركيا مُتعاليًا يُضفّر اللغة بوصفها وعيًا، في كينونة الجسد بوصفه ذاكرةً ومقاومةً. ويبدو لنا الخطاب الشعريّ في ظاهره رسالة حبٍّ تتجاوز النزعة الرومانسية الساذجة، بينما باطنه ينكشف لنا على سعي الشاعرة إلى بناء هُويّة ناصعة، تتخطى بها فكرة الاستشفاء بالكتابة إلى توظيفها كقارب نجاة، وتعيد من خلالها صياغة الجسد من حالة الاستسلام والمفعول فيه والخاضع لطقوس العلاقات الذكوريّة الرتيبة إلى لغةً مُشعّة وموازية تفصح من خلالها عمّا عجز القول المباشر عن التصريح به.
وتنتقل ريما حمزة بـ(لغة الجسد) من الإيحاءات الغرائزيّة إلى إيماءات شعرية تتشظّى منها الدلالات، بل تعيد ترتيب الذات من خلال نظرة الآخر لها(من عيوني/ حُسني مرتب على عينيك)؛ وهنا تتبدّى (العيون) كرمز للاعتراف والانكشاف، بل للتأكيد على أنها محور الجمال والمعنى.
وعلى منحى آخر يظهر لنا في قولها (لابُدَّ أن أستأذن (الفلامنكو)/ في رقصةٍ تُلغي كلَّ حروبِ الغياب) جسدٌ يقاوم، ويحتجّ بالجمال. وإشارة إلى تفريغ الكبت والوجع والحزن الكثيف، والانتقال من حالة الغياب/الموت إلى حركة المشاهَدَة، والتحوّل من استاتيكا الحزن الثابتة إلى دينامية الإيقاع المتفجّرة، وتوظِّف الشاعرة (رقصة الفلامنكو) للإشارة إلى الفعل الجسدي المقاوم (لحظاتي خلاخيل فِضّة/ تلفُ سِيقان اللهفة/ إلى حينِ وَعْدٍ/ وعِطري شتاءٌ مَنْسيٌّ على معطفِكَ/ إلى حينِ عِنَاقٍ) وهو توظيف واعٍ للمفردات الحسيّة التي ينقلب معها الجسد من حالة الموت والانسحاب إلى ميدان الأنوثة النابض بالحياة، وهنا يعلن الجسد عن وجوده ليس بوصفه موضوعًا، بل ديناميكية شِعرية تؤكد على قيم (الوفاء، والانتظار والرغبة). وفي قولها: (لكن خيول حُبّك تأبى الرَّحيلَا/ فلا مَلّتْ منّي الوثوب ولا ملّتْ منّي الصَّهيلَا) توظيف مُتعمّد لاستعارات جسدانيّة الحب، وإشارة إلى علاقة لا تعرف السكون والذّبول، وطاقة متفجّرة لا تنطفي جذوتها.
وإذا ما انتقلنا إلى نظرية تحليل الخطاب وجدنا ريما حمزة تبني عالمًا واقعيا ناطقا بالدلالات، تتحوّل فيه اللغة إلى فعلٍ وجوديّ، ولاتكتفي بسرد الحالة الشعوريّة، حيث تتبدّى لنا (ذات متكلمة) عبر خطاب وجدانيّ يستحثّ (الأنا العاشقة) على النهوض والوقوف في وجه رتابة الزمن وسكونيته، ومقاومة الغياب القسريّ الممارس ضدها وكسر أسوار الانتظار. وتتبدّى الأنا هنا حركية لا ثابتة ومكوكية لاتهدأ تتنقّل ما بين الحلم والانتظار والكتابة. وفي قولها:(يعرفني الصباح من عيوني)؛ فيه إسناد المعرفة إلى الزمن، بل إيحاء بأن الذات مكشوفة وأنّ الحزن سمة يمكن قراءتها جسدانيًا. أمّا قولها (حتى أشرقتَ أنتَ مرتين) تعبير فيه انتقال للخطاب من حالة التشظي الزمني إلى الامتلاء الوجوديّ، والدليل ظهور المُخَاطَب(الآخر/ أنتَ) فجأة، وهذا الظهور يجعل العلاقة بين (الذات العاشقة/الأنا الحاضرة)، و(المخاطب) علاقة خلاص رمزيّ.
وفي الأخير نشير إلى سمتين في قصيدة ريما حمزة؛ أمّا الأولى فهي (خطاب شعريٌّ مقاوم)، حيث تنتقل الشاعرة باللغة من حالة الوصف السلبيّ إلى توظيفها كأداة أو معول لتحطيم القهر وتكسير أسوار الغياب العالية. كما في قولها: (تُلغي كل حروب الغياب)، (أفك حصار البحر)، أما السمة الثانية، نرى عبرها الشاعرة تنتقل من فكرة (الزمن الخطّي الثابت) إلى (الزمن الدائريّ المكسور)، وهذا الانتقال يوحي لنا بأن قصيدة ريما حمزة تعكس خطابا مُقاوما للزمن القهريّ، وفيه تستبدل سطوة الزمن بالشعر والحب. حين تقول:(ونثرتُ أزمنةَ وجهي/ مواسمَ انتظارٍ/ بين شاطيءِ الاستفهام وبحرِ التَّعجب/ تناهَى قلبي ساعةً رَمليةً/ لاخارطة تجوب غصن الأولين/ ولا هي نغمةٌ في إصغاءِ الفصول).
القصيدة:(يعرفني الصباح من عيوني) [كلّما حَثَّ الوجدُ خُطى الصَّباح/ تَمَاثلَ الليلُ بحزني/ نافذةً وقمرًا/ ونثرتُ أزمنةَ وجهي/ مواسمَ انتظارٍ/ بين شاطيءِ الاستفهام وبحرِ التَّعجب/ تناهَى قلبي ساعةً رَمليةً/ لاخارطة تجوب غصن الأولين/ ولا هي نغمةٌ في إصغاءِ الفصول/ حتى أشرقتَ أنتَ مرتين/ مرةً في سُلالةِ أحلامي/ وأخرى في سرِّ كُحْلي/ حتَّى صارَ عمري مدحاً لعمري/ إذ أكتبُ عنكَ/ لابُدَّ أن أستأذن (الفلامنكو)/ في رقصةٍ تُلغي كلَّ حروبِ الغياب/ لابُدَّ أن أستعير ثوبي من فراشات الورق/ وبين المطر والموسيقى أدوّن تغريبة روحي/ نشوةُ السحرِ تهتف بهمسي فيتوضأ الورد باسمي/ تراثُ الحُبِّ والشعرِ أنتَ/ كُلما رجموا نوافذ الآتِي/ وميثاقَ عصافيري/ أفكُّ حِصار البحر/ وأرتجلُ السماء/ لحظاتي خلاخيل فِضّة/ تلفُ سِيقان اللهفة/ إلى حينِ وَعْدٍ/ وعِطري شتاءٌ مَنْسيٌّ على معطفِكَ/ إلى حينِ عِنَاقٍ/ وتسألُ مني الحُسْنَ/ كيفَ خَيَّب ظُنون الذُّبولِ؟ وخالفَ كل وصايا الزمن!/ قلت: حُسني مرتبٌ على عينيك/ حُسني هو الدروب التي قطفتْ اسمك إلى اسمي/ ومنذ استباحوا عيون الرِّهان/ غادرتني ذاكرةُ السَّبق/ لكن خيول حُبّك تأبى الرَّحيلَا/ فلا مَلّتْ منّي الوثوب ولا ملّتْ منّي الصَّهيلَا].



