تاريخ

هلال رمضان والعيد.. حقيبة الذكريات (9)

سالم بن محمد بن أحمد العبري
في مسألة هلال رمضان والعيدين القضية القديمة المتجددة نقول: لكل بلد هلالهم، أي إنه لا يلزمهم الصوم إلا برؤيتهم في بلدهم أو بلد قريب منهم قد اتفقت معهم في المطالع؛ فمطلع الشام غير مطلع الحجاز. وهذا هو الصحيح عند الشافعية وبعض الأحناف، واستدلوا على ذلك بأن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام، كما في حديث كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيته؟ فقلت: رأيته ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية ؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.
وفي هذه القضية كانت ولاية الحمراء حاضرة بكل معنى؛ فهي كانت تقرر لنفسها كل أمرها من هلال، أو إدارة وأحكام، و لعل ما يشرع به في دخول شهر رمضان، وهلال العيدين؛ هو الاستعداد التام له حيث كان الناس ينشغلون به، فيذبحون ما يجود له به عليهم من حيوانات وطيور داجنة ليلة أو صباح التاسع والعشرين من شعبان، ويملأون اللطون بأنواع من الأطعمة المميزة، ولكنها احتفالية لا ترقى إلى الاهتمام الذي كنا نراه في العيدين.

لقد كان الناس في الحمراء مع غروب شمس يوم 29 القصيرة، وكان الناس يسمون  شعبان بالقصير ويترقبون رمضان، ويستعدون له كموسم اعتيادي سنويّ وإن كان يقل فيه الطعام  قليلا عما نراه الآن.
وعندما تدنو شمس شعبان من الغروب مودعة (قنن جبال الحجر الشرقي فوق سفوح ولاية الحمراء) وخاصة في القنة المطلة جنوبا على الحمراء، وعلى وادي السحتن شمالا، يعتلي ذوو الهمم من حادي البصر سطوح منازلهم، أو المرتفعات التى يستعملونها كمراصد للمراقبة واستطلاع كالأبراج، وترى الناس في ترقب واهتمام ولهفة واشتياق، وترى الأطفال استعدوا وكازهم مبلغبن ومذيعين فما إن ينطلق مقذوف ناري يعرف الناس بالخبرة أن الهلال قد رؤي، وتأكدت رؤيته وتدافعوا تهليلا وصراخا معلنين. أن غدا رمضان أو العيد.
و(الوكاز) موقع استقرار الهلال أومكان معاينته بالنسبة للحمراء يمتد شمالا بالمنطقة المعروفة منذ قرون بـ(الديو)، وتمتد من عقبة السويدة الفاصلة بين سلاسل الجبل والسلاسل الأخرى التى تعرف بالصليلة والمسمى (ديو) يتكون من ثلاثة قرون أو رؤوس؛ فإن كان الفصل صيفا يُرى الهلال في شمال هذه المنطقة وإن كان في فصل الشتاء كما هو الآن في هذه السنة يراقب ويتابع في جنوب هذه القرون، وإن كان الزمن ربيعا أو خريفا كان في المنطقة الوسطى مزدهرا.
وفي مرحلة صبانا كان النظَّارة المشهود لهم إبصارا حادًّا واهتماما وأمانة في الجهة الغربية من حارة الحمراء التى نطلق عليها الآن الحارة القديمة الفاضلان: (خلفان وعلي) ابنا رويشد الخاطريان، وربّما يرفدهما سعيد بن سيلم، وسعيد بن سالم الراعي، وفي الجهة الوسطى من ولاية الحمراء كان المستطلعان للهلال العمان عبدالعزيز بن إبراهبم ومحسن بن زهران ويرافقهما أو يسبقهما الأخوان عبدالله وزاهر ابنا سالم بن عيسى وفي شرق ولاية الحمراء وربما يسبق الكل في حدة البصر محمد بن سعيد الناصري
وكنتُ اعتدت أن أتبوأ سطح الغرفة التى بنيت فوق سطح بيت المغري التى كانت توضع بها صيفا منامات (فرش) الأهل جميعا وكل امرآة مكلفة بفرش عائلتها الصغيرة وتعرف مكان رفعها وفرشها قبيل الغروب لتبرد بتأثير الهواء المنعش، وكانت الحجرة تأخذ من جانب درج البيت أحد جوانبها بينما درج سطح الغرفة أو العرشة، بل العريشة كما يطلق عليها هو سقف الدرج الرئيسي بالبيت.
وكنت اعتدت أن أجهز لنفسي عصير ليمون أفطر به إن كان في نهاية رمضان أو تمرًا. ونعمة إن كان مع هلال بدء رمضان {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (سورة الضحى، الآية11) وكانت الحمراء من بلدان عمان التى تتميز بزراعة الليمون و تجفيفه حيث كان يدر دخلا جيدا لأصحاب الأموال والتجار المشتغلون بتجارة الليمون الموسمية حيث كانت مصدرا مربحا لتجارتهم كـ(سيف بن ناصر اليعربي) بالحمراء، و(خلف بن سالم النصيبي) بوادي السحتن والرستاق. وقد اشتغلت بهذا الحقل مساعدا. لأبي – رحمه الله- حين عاد لنشاط. التجارة في مطلع السيتينيات من القرن العشرين الميلادي فلمَّا ولي القضاء نهاية عام 1384 هجرية 1964م، ظللت. انخرطتُ بها حتى تخرجت في نهاية 1386 هجرية. مطلع 1967م، و كانت تلة جبل الحمراء تتزين بمساطيح الليمون بالصيف وبرائحته الفواحة، و لقد أشرت في قصيدتي (ربيع الحمراء)
فغدا الليمون مخضرا بها
بعد ما كان حليقا أخضرا
أرسل العطر ولم نعلم به
قد غدا للعطر يوما مصدرا
فتآخى عطره مع فلها
في أربج يذهبن الكدرا
وكانت النساء في ولاية الحمراء يستقبل رمضان أو العيد بكنس الطرقات والمداخل ورشها بالماء حتى لا يثار الغبار مع ازدياد الحركة بالطرق والسكك خلال الحركة الكثيفة، وكل في محيط بيتها وحرمه.
أعاد الله عليكم كل تلك المناسبات بالخير واليُمن والبركات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى