مقال

جزيرة إبستين.. حين يفشل الثراء في شراء السعادة

أ. سعيد مالك| كاتب مصري
لم تعد فضيحة جيفري إبستين مجرد قضية جنائية عابرة، بل تحولت إلى مرآة صادمة تعكس جانبًا مظلمًا من عالم الأثرياء والنفوذ. وعلى جزيرته الخاصة ليتل سانت جيمس، تكشّف للعالم أن امتلاك المال والسلطة لا يعني امتلاك السلام الداخلي، وأن الإنسان قد يملك كل شيء… إلا نفسه.
السؤال الذي حيّر الملايين لم يكن: ماذا حدث هناك؟ بل: لماذا يتورط أصحاب المليارات والشهرة في مستنقعات قذرة وهم قادرون على شراء كل متع الدنيا؟
الجواب لا يكمن في الفقر ولا الحرمان، بل في قانون نفسي خطير يمكن تسميته: تضخم عتبة اللذة.
فالنفس البشرية، إذا أُطلقت لها الشهوات بلا قيد، لا تشبع… بل تتبلّد. ما كان ممتعًا بالأمس يصبح عاديًا اليوم، وما كان فاخرًا يصبح روتينًا مملاً. الطعام الفاخر يفقد بريقه، السفر يتحول إلى عادة، الرفاهية تصبح مملة، فيبدأ البحث عن شيء «أقوى»… جرعة أعلى… صدمة أكبر.
وهنا تبدأ رحلة السقوط: من المباح إلى الحرام، ومن الحرام إلى الشاذ، ومن الشاذ إلى الوحشي.
إنها بالفعل رحلة سقوط حر في بئر بلا قاع.
وقد لخص القرآن الكريم هذه الطبيعة الإنسانية بدقة مذهلة في قوله تعالى:﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ (القيامة: 5)،أي أن المشكلة ليست في الجهل فقط، بل في الرغبة بكسر كل الحواجز وفتح الطريق أمام الشهوة بلا نهاية.
فضيحة إبستين كشفت أن الخطر الحقيقي ليس في الفقر الأخلاقي لدى المهمّشين، بل في الفراغ الروحي لدى المترفين. حين تتوافر القدرة بلا رادع، تتحول الحرية إلى فوضى، واللذة إلى إدمان، والإنسان إلى عبدٍ لما يظنه متعة.
يشبه ذلك تمامًا شرب ماء البحر: كلما شربت ازددت عطشًا. وهكذا الشهوات… لا تروي، بل توسّع فجوة العطش. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (طه: 124).
الضنك هنا ليس بالضرورة فقرًا ماديًا، بل ضيقًا نفسيًا وروحيًا قد يعيشه من ينام على حرير.
ولذلك لم يكن غريبًا أن كثيرًا من أغنى الناس في العالم يعانون الاكتئاب أو الإدمان أو الانهيار الأسري. فالثروة تضخّم القدرة، لكنها لا تعالج الفراغ.
الإسلام لا يحارب اللذة، بل يحمي الإنسان من أن تتحول اللذة إلى سيّدٍ يستعبده. فهو يضع لها إطارًا إنسانيًا راقيًا: زواج، مسؤولية، رحمة، حدود تحفظ الكرامة. لأن الهدف ليس قمع الغريزة بل تهذيبها.
قال النبي ﷺ: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة»، وفي ذلك تحويل للعلاقة من استهلاكٍ جسدي إلى سكنٍ روحي.
وفي المقابل، حين تتحول العلاقة الإنسانية إلى سلعة، يصبح الإنسان نفسه سلعة. وهذا ما كشفته تلك الجزيرة: أجساد تُشترى، أعمار صغيرة تُستغل، وضمائر تُباع بالصمت.
إن أخطر ما في القصة ليس الجريمة نفسها، بل الفكرة التي تقف خلفها: أن المال يستطيع شراء كل شيء. لكن الحقيقة التي أثبتها التاريخ مرارًا هي أن المال قد يشتري المتعة… لكنه لا يشتري المعنى، ولا الطمأنينة، ولا النوم الهادئ.
فالروح — كما يقول علماء العقيدة — نفخة من الله، وما كان أصله سماويًا لا يملؤه شيء أرضي محدود. لذلك قد يمتلك الإنسان قصورًا وطائرات وجزرًا خاصة، ومع ذلك يشعر بجوعٍ داخلي لا يفهمه.
قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
لم يقل: بالأموال، ولا بالملذات، ولا بالشهرة… بل بالاتصال بالمصدر الذي خُلقت منه الروح.
جزيرة إبستين لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية، بل درسًا قاسيًا للبشرية: أن الحضارة المادية بلا قيم قد تبني مدنًا مذهلة، لكنها قد تهدم الإنسان من الداخل. وأن الرفاهية إذا لم تُضبط بالحكمة تتحول إلى طريق سريع نحو الفراغ ثم الانهيار.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي لكل إنسان: هل نبحث عن السعادة… أم عن الهروب من الفراغ؟ فالامتلاء الحقيقي ليس في امتلاك الدنيا، بل في معرفة الغاية منها؛ ولذلك قال بعض الحكماء: من عرف الله ملك كل شيء، ومن فقده لم يغنه ما ملك.
هكذا تقف قصة تلك الجزيرة كإنذار صارخ: ليس أخطر على الإنسان من أن تتحقق له كل شهواته… قبل أن يتعلم كيف يضبطها؛ فالشهوة بلا حدود لا تمنح الحرية، بل تصنع عبودية جديدة — عبودية اللذة التي لا تشبع أبدًا. وما دون الامتلاء الروحي… يبقى جوعًا أبديًا، حتى لو ملك الإنسان الدنيا كلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى