فكر

معرض الكتاب وأزمة الكتاب والتأليف

أ.د محمد أحمد عزب| جامعة الأزهر
لطالما جمعتني لقاءات متكررة بعدد من الزملاء الكُتّاب والمثقفين، وكانت أزمات التأليف والكتابة والنشر والتوزيع حاضرة في معظم تلك اللقاءات التي صاحبها نقاشات، بوصفها همًّا مشتركًا لا يكاد يخلو منه مجلس ثقافي.
ذات مرة زارني أحد المثقفين القادمين من إحدى الدول العربية، وكان من بين أهداف زيارته حضور معرض الكتاب بيد أنه فوجئ بي أستضيفه دون أن أطور استضافتي بصحبته للمعرض، فقد اعتذرت عن الذهاب معه، وهو ما أثار دهشته البالغة ودفعه إلى التساؤل عن سر هذا الانصراف غير المتوقع؟!.
على امتداد السنوات الماضية، كنت أقاوم بشيء من العناد خطاب الشكوى المتكررة من غلاء أسعار الكتب، وأن الكتاب أصبح فوق متناول اليد، وأن اقتناءه بات ضربًا من الترف الذي لا تبلغه الحالة المادية للمثقف العادي ، وكنت أرى في ذلك مبالغة، أو على الأقل تهربًا من مواجهة السؤال الذي لا بد أن يكون.
السؤال الذي لا مهرب منه
هنا سؤال لا بد من طرحه، مهما بدا مستفزًا أو صادمًا: هل لا زلنا فعلًا في حاجة إلى الكتاب الورقي؟
هذا السؤال، كلما طُرح، واجهني بعضهم بسيل من النقد والاستنكار، وكأن مجرد التفكير فيه جناية ونوع من النكران، والجناية على الثقافة !!
يسارع آخرون إلى تلاوة آيات من الذكر الحكيم، ظنًّا منهم أنهم بذلك قد أقاموا الحجة القاطعة التي لا تقبل النقاش، فهذه أمة «اقرأ»، وأول كلمة نزلت وحيًا على النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم كانت أمرًا بالقراءة، وحضارة المسلمين لا تضاهيها حضارة أخرى في كثرة المصنفات والمؤلفات، وهكذا ينصرف الخطاب الحماسي إلى الإجابة عن سؤال لم يُطرح من الأساس، ولا الجواب عنه فيه معارضة مني له إذا طُرح.
والحق أن السؤال ليس عن قيمة التأليف، ولا عن مكانة المعرفة، ولا عن مركزية القراءة في بناء الحضارات، فذلك كله خارج محل الخلاف ؛ إنما السؤال هو : هل تظل طباعة الكتاب الورقي، وإقامة معارض كبرى للتباري في عرضه وتداوله، هي الوسيلة الأجدى اليوم لتحقيق غاية القراءة والمعرفة؟
هذا الطرح يهرب كثيرون منه؛ لأن الجواب عنه مخجل، وصادم في ذات الوقت.
سؤال القراءة الغائب
قبل أن نتحسر على حال الكتاب وأسعاره، يجدر بنا أن نطرح سؤالًا آخر أكثر إلحاحًا:كم هو نصيب المواطن العربي المتألم على سوق الكتاب من القراءة الفعلية؟ وحين طرحت هذا السؤال على بعض طلاب الجامعات، جاءت الإجابات صادمة!
أغلبهم يشير إلى أنه يقرأ في المصحف بانتظام، وهو أمر جليل لا خلاف فيه، وربما أضاف بعضهم كتابًا مثل «رياض الصالحين» أو «فقه السنة» أو «الرحيق المختوم»، بوصف ذلك دليلًا كافيًا على أنه لم يغادر ثغر القراءة، ولا يزال مرابطا حيث رابط بناة الحضارة الأقدمين!!
غير أن هذه الإجابات، على جلالتها، تكشف عن تصور ضيق لمفهوم القراءة، بل وضيق أفق في نفس طلاب الجامعات ، فكيف بغيرهم؟! كما تكشف عن اختزال القراءة في دائرة واحدة، ليست هي المرادة حين يطرح سؤال القراءة، حيث القراءة المقصودة هي التي تتجاوز حدود المتعبد به، وتجاوز حدود التثقيف الديني المجرد، لأن القراءة هنا ليست على بابها، بل هي التي تتسع للحقول المعرفية في سائر الفنون والعلوم.
واقع صادم
تؤكد التقارير الدولية واقعا مخجلا نحو حظ المواطن العربي من القراءة، فقد أشار تقرير التنمية البشرية لعام 2003 الصادر عن اليونسكو إلى أن كل ثمانين مواطنًا عربيًا يقرؤون كتابًا واحدًا في السنة، في حين يقرأ المواطن الأوروبي في المتوسط نحو خمسة وثلاثين كتابًا سنويًا، وقد يعترض معترض بأن هذا التقرير يعود إلى ما يقارب ربع قرن، غير أن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه: هل تبدل الواقع إلى الأفضل أم ازداد سوءًا؟
والقارئ هو الذي يتولى الإجابة
الكتاب بين مفهومين
سيظل التأليف والإبداع شرارة الأمم في طريق الريادة، وعلى قدر ما تملكه من إنتاج معرفي تكون مكانتها في قلب التاريخ لا على هامشه، وحواشيه ؛ غير أن ثمة فرقًا جوهريًا بين التأليف والطباعة، وهو فرق يُغفل عنه في النقاشات الدائرة حول أزمة الكتاب.
فالتأليف والطباعة ليسا في علاقة تلازم أبدي، بل اقترنا تاريخيًا مع عصر الطباعة، حين أصبحت الحاجة ملحة لتجاوز عصر المخطوط- ومع ذلك- فإن ظهور الطباعة لم يُستقبل بحفاوة مطلقة، لا من النساخ ولا حتى من بعض المؤلفين؛ إذ كان إيذانًا بانتهاء سوق كاملة ازدهرت حول النسخ والتجليد وصناعة الورق والمحابر، واشتغل بها عدد كبير من أصحاب المهن.
ومع هذا التحول الجذري، لم يتوقف التأليف، ولم تنطفئ جذوة الشغف بالكتاب، لقد انتقل الكتاب من وسيط إلى وسيط، وبقي جوهره حاضرًا، فغادر النسخ ، ونزل إلى الطباعة وظل التأليف مشتعلا لا تنطفئ شرارته
اليوم نواجه تحولًا جديدًا لا يقل شمولا حتى صار واقعا يفرض نفسه؛ عصر الكتاب المحوسب، والكتابة الإلكترونية، والمكتبات الرقمية التي كسرت قيود المكان والزمان.
وهم رائحة الورق
كثيرًا ما تُستدعى «رائحة الورق» بوصفها حجة أخيرة في الدفاع عن الكتاب المطبوع، وهي حجة يغلب عليها الطابع العاطفي أكثر من أي اعتبار معرفي، ولا تؤسس لحجة علمية ، فالمعوّل عليه ليس وجود الكتب في البيوت، ولا تكدس اللفائف الورقية على الرفوف، بل حجم الإفادة الحقيقية منها، وكم من مكتبات عامرة بالكتب لم تُفتح منذ عقود، حتى غدت أقرب إلى قطع زخرفية كمالية منها إلى أدوات معرفة ، وعنصر ريادة .
وعندما يعجز الخطاب العاطفي عن تفسير تراجع الشغف بالكتاب الورقي، يُستحضر هذا الحنين الحسي بوصفه تفسيرًا كافيًا، في حين أن المسألة أعمق وأعقد من مجرد تعلق بالرائحة أو الملمس، وكم من زميل يحدثك عن أنه التقط أثمن الكتب قبل أن تتعرض للحرق على يد البائعين في الطرقات والأزقة ، وهم يستعدون لوضع بذور التسالي فيها، وقطع البطاطا فواحة الرائحة.
عود على بدء
هل انتهى عصر الكتاب؟
الجواب الأدق أن عصرًا من عصور الكتاب يوشك على الأفول، لا أن الكتاب نفسه قد انتهى، فتعقيدات الزمن وتسارع وتيرته لم تعد تمنح القارئ ترف الجلوس الطويل بين الصفحات، ولا تسمح بجولات مريحة في المكتبات العامة، بل أصبح الوصول إلى المعرفة، في صورتها الرقمية، أسرع وأخف كلفة وأوسع أفقًا، فمن بمكنته اليوم الذهاب لمكتبة أعلى أحد المساجد أسسها أحد المحسنين في زمن غياب القدرة على الشراء ، أو قلة المطبوع من نسخ الكتاب؟!
لقد صار بوسع القارئ اليوم أن يطالع من الكتب ما لم يطلع عليه كبار الحفاظ والمؤرخين في عصور سابقة، بل أزعم أن جيلنا يتوفر له ما لم يتوفر للحافظ السيوطي ولا لشيخ شيوخه الحافظ ابن حجر ، لا لقلة علمهم، بل لحدود الوسيط المتاح آنذاك.
لقد أضحت المكتبات الرقمية تضم آلاف العناوين الخفيفة الحمل، التي ترافق قارئها في الحل والترحال، دون أن تثقل عليه أو تقيده.
ومن هنا، تبدو الأزمة في جوهرها أزمة انتقال من وسيلة معرفية إلى أخرى، ومن نمط تعامل مع الكتاب إلى نمط جديد.
معرض الكتاب بين الحضور والغياب
تشير التقارير الحديثة إلى الإقبال الجماهيري الكبير على بعض معارض الكتاب العربية، كما في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ومن المفارقات أن شعاره كان : “من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونا ” وقد تجاوز عدد زواره ستة ملايين زائر، غير أن هذا الرقم، على ضخامته، لا يعكس بالضرورة حجم القراءة أو عمقها، فارتفاع عدد الزوار لا يقابله ارتفاع مماثل في نسب الشراء، كما أن الغالب على المبيعات هو الروايات، لا الكتب التي تخوض في بناء الوعي، أو تقدم نظريات إنسانية، أو تبلور منظومات قيم قادرة على تجاوز التخلف الحضاري.
وهنا يحسن استحضار نظرة العلماء المتقدمين إلى التأليف، كما عبّر عنها حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون ، حين قصر التأليف الرصين على أوجه محددة، كلها تدور حول الإضافة الحقيقية للمعرفة الإنسانية: اختراع جديد، أو إتمام ناقص، أو شرح مغلق، أو اختصار مفيد، أو جمع متفرق، أو ترتيب مختلط، أو تصويب خطأ، وأضاف شروطًا تتعلق بحسن الترتيب، ووضوح الدلالة، ومراعاة إدراك أهل الزمان وحاجاتهم.
تلك المعايير الصارمة تكشف أن التأليف، في جوهره هو استجابة لحاجة معرفية، لا مجرد استهلاك ثقافي عابر، وهي أحد المفاتيح الأساسية لإعادة القارئ إلى طاولة القراءة.
سؤال مفتوح
يبقى السؤال الملح: كيف نُيسّر سبل القراءة في ظل تحولات العصر؟ وكيف نفسر غلبة الرواية على غيرها من ضروب الكتابة؟ وكيف نصنع فارقًا حقيقيًا في علاقة الإنسان المعاصر بالمعرفة، سواء حملها ورقًا أو كتابًا محوسبا، أو برنامجا يضم آلاف الكتب؟
أسئلة لا تنتهي بإجابة واحدة، وربما يكون لكل منها مقام مقال مستقل، لكن المؤكد أن أزمة الكتاب ليست في غيابه، بل في كيفية حضوره، وفي قدرتنا على فهم التحولات بدل الاكتفاء بالتحسر عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى