مقال

كاتب الصمت يفوز بالكلام!

علي جبار عطية | رئيس تحرير جريدة أوروك العراقية
سألتُ الشاعر الفريد سمعان (١٩٢٨م ـ ٢٠٢١م) يوماً عن جدوى إعطاء جائزة قيّمة للأديب، وهو في محطته الأخيرة من حياته، وقد جفت عنده منابع أغلب الرغبات والآمال والطموحات،وتساءلتُ: أليس من الأفضل منحها له، وهو في مقتبل العمر ليستعين بها على تحقيق بعض أحلامه؟ تساؤل يبدو وجيهاً لكنَّ سمعان أجابني:لا. فالأديب في شيخوخته أحوج ما يكون لمبلغ الجائزة لأنَّ احتياجاته الصحية كلما تقدم في العمر تكون كثيرة !
ومن الواضح أنَّ سمعانـ وقد ذرف على الثمانين ساعة محاورتهـ قد قاس احتياجات الأديب الغربي الفائز بالجائزة في شيخوخته السعيدة بما يعاني منه الأديب العراقي من مشكلاتٍ متعددةٍ تصل إلى عدم قدرته على سد حاجاته الأولية حسب سلم الحاجات الذي وضعه عالم النفس (ماسلو) فما بالك بالحاجات في أعلى الهرم ! فالمقارنة لا تصح إذن.تذكرت هذه المحاورة حين قرأتُ خبرَ الإعلان عن الفائز بجائزة نوبل للآداب لسنة ٢٠٢٣م الخميس الماضي الذي كان يوماً سعيداً على الكاتب المسرحي النرويجي يون فوسه بإعلان فوزه بالجائزة الثمينة. وقد قال السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية المانحة للجائزة ماتس مالم :إنَّه اتصل بفوسه هاتفياً لإبلاغه بالجائزة، وإنَّ الكاتب كان يقود سيارته في الريف، ووعده بالعودة إلى المنزل بحذر!
بيان الأكاديمية السويدية أشار إلى سبب منحه الجائزة لفوسه (لمسرحياته المبتكرة ونثره الذي يعطي صوتاً لما لا يمكن قوله)،أو (المسكوت عنه)، ولعلَّ هذا هو الذي جعله النقاد يصفونه بـ(كاتب الصمت). يقول في مقابلة أجريت معه العام الماضي في موقع (لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس): (عندما أتمكن من الكتابة بشكل جيد، تكون هناك لغة ثانية صامتة. هذه اللغة الصامتة تقول كل ما تتعلق به ليست المسألة في القصة، بل يمكنك أن تسمع شيئاً ما وراءها؛ صوتاً صامتاً يتكلم.هذا ما يجعل الأدب ناجحاً). وهو دليل على عدم صحة المثل الشائع: (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب)! فهاهو الكلام المنمق والبليغ يحقق الذهب فجائزة نوبل تبلغ قيمتها أحد عشر مليون كرونة سويدية (أي نحو مليون دولار أمريكي)، فضلاً عن حصول الفائز على ميدالية ذهبية عيار ١٨ قيراطاً، مع شهادة تسلم في حفل توزيع الجوائز على الفائزين بحقول الجائزة في كانون الأول المقبل.
يقول الكاتب في مقابلة معه: (استغرق الأمر بضع سنوات قبل حصولي على أول جائزة كبيرة، إنّني سعيد للغاية بجميع الجوائز التي فزت بها. إنَّها تثبت أنني لم أقضِ حياتي عبثاً ، وأنَّني كتبت شيئاً قد يروق للآخرين، أو لبعضهم على الأقل). لقد أسدى لي شقيقي الشاعر عبد الرزاق الربيعي معروفاًـ كعادتهـ حين بعث لي نسخة إلكترونية من رواية فوسه (صباح ومساء)التي تُرجمت إلى اللغة العربية سنة ٢٠١٨م ليلة إعلان الجوائز، فكانت فرصةٌ طيبة لتأمل مكامن الإبداع في أسلوب الكاتب الذي يهيمن عليه الفن المسرحي حتى، وهو يكتب الرواية، وهي نموذج لمقطع من سيرته وأفكاره الوجودية.
ولد الكاتب يون فوسه في النرويج سنة ١٩٥٩م، ودرس الأدب المقارن،بجامعة بيرغن، وكتب الرواية، والقصص القصيرة، والشعر وكتب الأطفال والمقالات والمسرحيات، وترجمت بعض أعماله إلى أكثر من أربعين لغة، ويجيد العزف على آلة الكمان، وحصل على وسام الاستحقاق الوطني من فرنسا عام ٢٠٠٣.نشر روايته الأولى (أحمر، أسود) عام ١٩٨٣، وعرضت مسرحيته الأولى (ولن نفترق أبداً)، ونشرت عام ١٩٩٤.
يقول الكاتب في مقابلة مع موقع مسرحي فرنسي عن تكليفه بكتابة أول مسرحية أوائل تسعينيات القرن الماضي: (كانت هذه هي المرة الأولى التي أجرب فيها هذا النوع من العمل، وكانت أكبر مفاجأة في حياتي أن أكون كاتباً). وأضاف: (شعرت أن هذا النوع من الكتابة وُجد من أجلي).
فكرياً وعقائدياً تبنى الماركسية والإلحاد، وفي الخمسين من عمره آمن بالله، وصار كاثوليكياً، ثمَّ استهوته جماعة الكويكرز (الصاحبيون أو جمعية الأصدقاء الدينية) تلك الجماعة البروتستانية التي نشأت في القرن السابع عشر فى إنجلترا على يد جورج فوكس،وأفكارها أقرب إلى أفكار المتصوفة في الفكر الإسلامي.
يقول في حوارٍ معه: (عندما كنت فـي السابعة مـن عمري اقتربت من الموت. كانت حادثة. رأيت نفسي من الخارج، في نوع ما من الضوء امتلأني ، وفي حالة من السلام والسعادة الشديدة، وأنا واثق أن هذه الحادثة، تلك اللحظة، تلك الخبرة في الاقتراب من الموت هي التي شكلتني ككاتب.
من دونها، أشك في أني كنت سأصير كاتباً، إنَّها لحظة جوهرية جداً . فتحت هذه الخبرة عيني ّ على الأبعاد الروحية للحياة). أما عن لجوئه إلى الكتابة فيقول:[في عملية الكتابة، كان هناك شيء ما لم أستطع فهمه تمام الفهم، لغز ما: من أين تأتي؟ إنها لا تأتي من هنا (ويشير إلى قلبه) بل تأتي من هناك ، بدأت أؤمن بالرب شخصياً بطريقة ما أسمي نفسي مؤمناً بالله..تجد نفسك فى دائرة صامتة.. وإذا شعرت بـأنَّ لديك شيئاً مهماً تقوله فقله. وإذا لم يكن لديك، التزم الصمت. فى لحظة ما شعرت بأنى لست بحاجة إلى المزيد . شعرت بأنَّ كتابتي هي لقائي الصامت].
خبر الفوز أيقظ رغبات الكثير من المستحقين للجائزة الرفيعة للتطلع للفوز، ولِمَ لا؟ خاصةً ممن تتوفر في إنجازاتهم قضايا إنسانية مشتركة، وأساليب جديدة، مع ترجمات كثيرة إلى اللغات الحية، وهي تطلعات مشروعة لكن تبقى همزة الوصل بينهم وبين الجائزة سراً من الأسرار ربما لإثبات أنَّه ليس بالجودة وحدها يفوز الإنسان !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى