أدب

جنازات كبيرة

الشاعرة نسرين حسن |  سوريا

كانَ الثّلجُ جميلاً كقدمينِ في الظّلمةِ الهادئة
وكانَ الوردُ يبتسمُ في قلبي
الزّمنُ يطوي جناحيهِ على الجدرانِ وينام
ينهضُ في حياةٍ أخرى
الذكرياتُ تتضخّمُ كورمٍ في الفراغ
العالمُ مريضٌ في الخارجِ
وفي الداخلِ عتمةٌ تتكومُ
كطفلةٍ غريبةِ الأطوار
من يلمسها يفتحُ للمأساةِ فماً
الغيمةُ عربةٌ تجرُّ خيالي إلى الفوضى
فأرى الكثير
غبارٌ فوقَ الجليدِ وأبوابِ المدافن
وتسطعُ في الظلامِ فراشةٌ مريضة
ساعاتٌ فاخرةٌ في المتاجرِ
أكادُ أسمعُ دقات الجحيم
أحذيةٌ لاتتعبُ من جلودِ الفقراء
وينمو للطريقِ حراشفٌ كالتمساح
تسحرني مناظرُ البلورِ والكريستال
فأرسمُ بحيويةٍ دربي
خيطٌ رفيعٌ من الشّمس أدخلهُ جيبي
أشعرُ بالدفءِ
وتستديرُ حبةُ كرزٍ في عيني
لماذا أرى الكونَ جميلاً ؟
أشعرُ بالحبِّ رغمَ الكراهيةِ
أضعُ زهرةَ توليبٍ على الرّخامِ الاسود
الخفافيشُ تطيرُ من عيونِ التّماثيل
الأفاعي جروحاّ تتحركُ مضطربةً من الجوع
الحياةُ ترعبني
فأسندُ كفي على وجهِ الحلم
أرى الكثير
عنكبوتٌ بزاويةٍ كثيرة التفاصيل
الحقيقةُ أرجلٌ مفصلية
والسؤالُ قرنٌ من الاستشعار
وقربَ قيثارةِ أورفيوس
امرأةٌ تخفضُ رأسها
في العتمةِ والنغمة
الصمتُ يرنُّ في الهواء
فرحٌ يسيلُ كنهرٍ طويل
حزنٌ أبيضَ العينين
حكمةٌ تصعدُ من رأسِ الجبلِ
وتعوي تحتَ سماءٍ صافية
حقول القطنِ والأرانب والدّود
غزلانٌ تركضُ في هامشِ النصّ
المعنى جامدٌ
كابتسامةٍ من خلفِ القضبان
إنهُ شباط والطّيورُ في مهمةٍ
تنقلُ أخبارَ الموتى إلى فسحةٍ خضراء
والقصةُ فاخرةٌ
بيتُ خشبي تثبتُ جدرانهُ قرونَ الماعزِ الزّجاجية
أميرٌ يتأملُ البحرَ من النافذة
حلزونٌ لايحبُّ الحروبَ الخاسرة
حبالُ الغسيل يطيرُ منها القميصُ كغبارِ الطّلعِ
وعلى الشرفةِ
الرّيحُ بطنٌ محشوٌ بالتاريخ
صفيرٌ حادٌ عندما أكونُ وحدي
أرى الكثير
حمارٌ بوبرٍ رطبٍ
يراقبُ ركضَ الأسماك
القطيعُ مشغولٌ بالحوارات
والحوافرُ مغروزةٌ في الوحلِ
وعليهِ أن يدلّلَ الشعراء كقططٍ بيضاءَ أليفة
الزّعماء يدشنونَ الفقرَ بأساطيلٍ من القمل
القملُ ينفعلُ في رؤوسنا
والبراغيثُ تحكُّ جلودنا
إننا مصابونَ برهابِ الحضارة والصابون
لذلكَ نبكي كثيرا
كجنازاتٍ كبيرة …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى