أدب

ثلاثية : آخر لقاء

قصة قصيرة

هدى حجاجي أحمد | القاهرة 
I – الكرسي الممتلئ
الكرسي أمامي ما زال يحتفظ بك، ممتلئًا بحضورك رغم غيابك. أرى انعكاسك في الضوء الخافت على الجدار، أشعر به يلتف حول كل زاوية من الغرفة، يراقبني في صمت. أتحرك ببطء، أستشعر الأرض تحت قدميّ، أسمع صدى خطواتي يتردد كما لو كان صدى خطواتك. كل شيء هنا يذكّرني بغيابك: الطاولة، الأوراق المبعثرة، النوافذ المكسورة التي كانت ترسل الضوء ليلاً، كأنها عين المدينة تطاردنا بصمتها. أحاول أن ألتقط شيء منك، أي أثر يربطني بالحياة التي شاركناها، لكن كل شيء صامت، والهواء ثقيل بالغياب، صامت لكنه حاد، يلسع رئتي ويضغط على قلبي.
II – ندبة الغياب
الذكريات تثقل كل حركة، كل نفس، كل نظرة. أصابع يدي تتلمس حافة الطاولة كما لو كانت تبحث عن يديك، أسمع صوتك في كل صمت، كل همسة منك تتردد في الأثاث والجدران. الغرفة تتحول إلى كابوس حي؛ الضوء يتحرك بلا سبب، الظلال تمتد وتنسحب لتحتضن كل جزء من جسدي. أصوات المدينة في الخارج تتداخل مع صمت الغرفة، فتشعرني أن كل شيء حولي متصل بك، بكل غيابك. الكرسي الممتلئ صار رمزًا للحزن، لكل اللحظات التي لم تعد موجودة، لكل لمسة لم أعد أشعر بها، لكل ابتسامة ذهبت بلا عودة. أستسلم للحزن، أترك الدموع تنساب على خدي، أحس بالبرد الذي يملأ المكان، بالهواء الذي يحاكي غيابك، بالأصوات الغريبة التي تحمل اسمك في كل همس وصدى.
III – اللقاء المستتر
أغمض عيني، أتصور أنك تعود للحظة واحدة، تأتي لتجلس بجانبي، لتمتد يدك في المكان الذي اعتاد عليه جسدي. لكنك لا تأتي، ويبقى الكرسي ممتلئًا برماد الغياب، الغرفة صامتة لكنها تنبض بذكرياتك. أسمع خطواتك في داخلي، أرى ابتسامتك تتسلل بين الضوء والظل، أشعر بحرارة حضنك في الهواء البارد، وأدرك أن كل غياب هو حضور مستتر، كل صمت يحملك معي. أعلم أن القلب رغم ندبه قادر على إعادة الحياة للذكريات، على تحويل كل سقوط وكل تعثر إلى درس في الانتباه، على جعل الحنين صديقًا لا عدوًا، وأن الفقدان ليس موتًا بل حالة مستمرة من المراقبة، وأن كل غياب هو وعد بلقاء مؤجل. في هذه الغرفة، كل ظل له صوت، وكل صمت له وزن، وكل شيء يذكرني بك، حتى وإن كنت بعيدًا، فإن حضورك يملأ كل الفراغات، ويعلّمني أن أعيش مع غيابك، أن أنصت للفراغ، وأن أحتفظ بالذكريات كما لو كانت حياة ثانية، حياة نعيشها بصمت، لكن بقوة أكثر من أي لقاء عابر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى