بين حرية صاحبة الجلالة ومعايير السيو.. هل الصحفي مُسير أم مخير؟!..

سمـر أبو الدهب | القاهرة
منذ أن وُجدت الصحافة، وُجدت لتكون مهنة الحريات
والقلم الحر الذي لا يخشى في رصد الحقيقة لومة لائم، كانت الصحافة دومًا هي العين الواعية التي ترصد أطياف المجتمع وتفاعلات السياسة وكل ما يهم المواطنون بمختلف طبقاتهم الاجتماعية، والملاذ الذي يمارس فيه الصحفي حريته في صياغة الوعي العام بمهنية وحيادية في آن واحد.
لكننا اليوم وللأسف وأمام زحف العصر الرقمي المخيف بوتيرته السريعة نجد أنفسنا أمام تساؤل جوهري، هل مازال الصحفي سيد قراره، أم أنه أصبح مجرد ترس في آلة “الخوارزميات”؟!.. طرح السؤال نفسه👌
دعني أقص عليك بعضًا مما دار في خلدي، بالأمس كنت أجلس لتحضير أحد التقارير “وتفريغ محتواه” ليكون جاهزًا للنشر، ولوهلة داهمتني لحظة صدقٍ قاسية، حيث وجدت نفسي وبشكل آلي أختار عنوانًا لا يلائم وجهة نظري ولا يشبه اللحن الذي تمنيت أن يتردد صداه في تقريرٍ يحمل اسمي، ووجدتني أركز على ملائمة العنوان والمقدمة والمتن مع معايير “السيو” والكلمات البحثية، وكأنني مهندسة بيانات أو صحفية فقدت هويتها.
في تلك اللحظة سرحت بخيالي نحو الماضي القريب حينما كانت الصحافة تُكتب بطعم حرية الرأي، وحينما كان القلم هو القائد الذي يوجه يد الصحفي نحو الورق وليس التريند، ولا أخفيكم سرًا إنني عاصرت قامات الصحافة وجهابذة القلم منذ نعومة أظافري، حين كنت أخطو خطواتي الأولى مرافقةً لخالتي الصحفية إلى بلاط جريدة الأخبار العريق، هناك تعلمتُ كيف أكتب بالقلم على الورق، وكيف أرصد تفاصيل المجتمع وأصيغها على ورق الدشت؛ ذلك الورق البسيط الذي كان يحمل أثقل الأفكار وأصدقها قبل أن تبتلعنا شاشات الحاسوب.
في الماضي القريب كان تنافس الصحفيين ينصب على قوة المضمون وعمق التحقيق وانفراد الخبر، كان الصحفي يبحث عن الكلمة التي تهز الوجدان وتكشف المستور.
أما الآن فقد تبدلت الآية؛ أصبح الهم الشاغل للمحرر هو الخضوع لمعايير “السيو” واقتناص الكلمات المفتاحية الأكثر رواجًا، وللأسف تراجعت المادة الصحفية خطوة إلى الوراء لتفسح المجال أمام معايير تقنية جافة تضمن فقط الظهور الصريح على محركات البحث.
أنا هنا لا ألقي باللوم على القائمين على المؤسسات الصحفية؛ فنحن ندرك تمامًا أن الهدف الربحي هو المحرك الأساسي في زمن تحكمه اقتصاديات السوق والتمويل، ولكنني أرصد فقط هذا التحول الجذري في مهنتنا الموقرة، لقد انتقلنا من مرحلة بناء الوعي إلى مرحلة جمع المشاهدات.
لقد باتت مهنتنا “متهلهلة” بين إرث قديم نعتز به من حرية القلم، وبين واقعٍ تقني يفرض علينا قيودًا ناعمة لكنها خانقة لكل صحفي شهد عصر السلطة الرابعة.
إن السؤال الذي طرحته سلفًا، هل الصحفي مُسير أم مخير؟، لم يعد مجرد ترفًا فكريًا، بل أصبح صراع نعيشه مع كل ضغطة على (الكيبورد)، نحن عالقون بين الحفاظ على ما تبقى من هيبة صاحبة الجلالة وبين الاستسلام لسطوة التريند.
ففي زمنٍ تحكمه الأرقام وصحافة تحكمها الاقتصاديات، هل نملك رفاهية أن نكون مخيرين في مهنة قامت بالأساس على الحرية؟ أم أن زمن ورق الدشت قد ولى إلى غير رجعة؟.
#samar_abo_eldahab




