رحلة في عالم الإبداع والهوية للكاتبة والشاعرة فاطمة ناعوت
حوار مع الكاتبة والشاعرة المصرية فاطمة ناعوت؛ لاستكشاف تجربتها الإبداعية والهوية الثقافية المصرية

حاورها في القاهرة: مصطفى عمار
تفتح الكاتبة والشاعرة المصرية فاطمة ناعوت، سفيرة الإنسانية من الأمم المتحدة للفنون، قلوبها في هذا الحوار الصريح، لتستكشف معنا بداياتها مع الشعر، وتأثير الهوية المصرية على كتاباتها، ودور المثقف في مواجهة قضايا المجتمع، ومستقبل القصيدة في عصر الرقمية.
فاطمة ناعوت، كاتبةٌ صحفية وشاعرة ومترجمة مصرية، تخرجت في كلية الهندسة قسم العمارة جامعة عين شمس، ولها حتى الآن أربعون كتابًا ما بين الشعر والترجمات والنقد الأدبي والكتب الفكرية. تُرجمت قصائدها إلى أكثر من عشرة لغات أجنبية، وبعض قصائدها مُقرّرة بالإنجليزية في مناهج التعليم الأمريكي.
في هذا الحوار، نناقش مع فاطمة ناعوت تجربتها الإبداعية، والهوية الثقافية المصرية، ودور المثقف في المجتمع، ومستقبل القصيدة في عصر الرقمية. نستكشف معها كيف تتغذى الأجناس الأدبية على بعضها، وكيف ينعكس الانتماء المصري في شعرها، وكيف ترى مستقبل القصيدة في عصر الصورة والسرعة الرقمية.
★ كيف تصفين بداياتكِ مع الشعر؟ وما اللحظة التي شعرتِ فيها أنكِ وجدتِ صوتكِ الإبداعي الحقيقي؟
– اخترق الشعرُ عالمي كموجة اضطراب لغوي مبكر، كعجز عن قول الأشياء بطريقة مباشرة في طفولة كانت تزدحم بالأسئلة والرؤى قبل أن أحصّل مخزونًا لغويا يناسب أفكارًا تمور في رأسي كشلال هادر. كنتُ أشعر أن اللغة اليومية فقيرة، وأن المعنى أوسع من الجملة، فبدأت أبحث عن لغة تحت اللغة. بدأ هذا حين كان أبي يجلسني على ركبتيه ويحكي لي “قصص الأنبياء” بكل ما فيها من معجزات جعلتني أبحث عن هذا العالم الماورائي الذي لا أراه في حياتي اليومية. ولم أجد هذا العالم إلا في الشعر والخيال. بعدها حدثت سلسلة من المصادفات العائلية جعلتني أتذوّق حلاوة اللغة العربية.
أما لحظة الإحساس بالصوت الخاص، فلم تكن لحظة كتابة، بل لحظة حذف. حين توقفت عن تقليد ما يعجبني من الشعر، وسمحتُ للجملة أن تكون غير مطمئنة، مثل الأسئلة التي تسكنني.
★ تتعدد تجاربكِ بين الشعر والرواية والترجمة والمقال الصحفي… كيف تتغذى هذه الأجناس الأدبية على بعضها داخل تجربتكِ؟
– لا أتعامل معها كأجناس أدبية منفصلة، بل كدروب سير ومسارات تنفس مختلفة؛ لكيلا يتوقف القلب عن الخفقان.
الشعر يدرّبني على الإنصات لما لا يُقال، وأكتب في القصيدة جميع ما لم أفعل في الحياة. الشعر هو الكذب النبيل الذي لا يُحاكم في محكمة العقل.
الترجمة تدرّبني على التواضع أمام لغة أخرى، والبحث في أسرار اللغات والمفاتيح التي تفتح الأبواب الموصدة بين الثقافات.
والمقال الصحفي يدرّبني على المسؤولية: أن أكون واضحة حين يكون الغموض ترفًا غير أخلاقي، وغامضة حين تكشف اللغة عن عوارها وعجزها.
أما في روايتي الجديدة “قبو الوراق” فكتبتُ مخاوفي من النسيان والفقد وذوبان الهويات.
هذا التنقل بين البحار الأدبية يحمي لغتي من الجفاف، ويحافظ على رِيّ غصني الشعري ليظل غضًّا عفيًّا. كل جنس أدبي يفضح نواقص الآخر في داخلي.
★ ما الشعر بالنسبة لكِ اليوم؟ هل لا يزال يحمل نفس السلطة الرمزية التي كان يملكها في بداياتكِ؟
– الرمز مكون أساسي في تركيبتي الذهنية ربما بسبب دراستي للرياضيات والهندسة وهما علمان يحكمهما الرمز مثلما تحكمهما المعادلة. وعلينا الاعتراف بأن الشعر قد فقد سلطته الاجتماعية اليوم، صحيح؛ لكنه لم يفقد سلطته الوجودية بعد، وأظنه لن يفعل.
الشعر لم يعد يصنع رأيًا عامًا، لكنه ما زال يصنع إنسانًا أقل تسطيحًا، أقل انقيادًا، وأقل قابلية للتشابه.
وفي عالم الخوارزميات، الذي يحكمنا الآن، يصبح الشعر فعل مقاومة ضد التماثل، ضد الغياب، ضد السرعة، وضد الاستهلاك المعنوي للأفكار. وهنا يكون للرمز قيمته.
★ ثمة من يرى أن الشعر تراجع في عصر الصورة والسرعة الرقمية. كيف ترين مستقبل القصيدة؟ وهل ما زالت فاعلة في تشكيل الوعي؟
– الشعر لم يتراجع، بل خرج من المركز، ليسكن الهامش. وهذه ليست خسارة بالضرورة. فالمركز دائمًا مكان خطر؛ فيه يتحول الفن إلى خطاب، والخطاب إلى سلطة، والسلطة إلى أداة.
القصيدة اليوم تعيش في الهامش، والهامش هو المكان الوحيد الذي يمكن أن يولد فيه شيء صادق. نعم، تأثيرها أقل عدديًا، لكنه أعمق نوعيًا. هي لا تغيّر العالم، لكنها تغيّر من يمكن أن يغيّر العالم. الهامش دائمًا أصدق وأنقى وأكثر قداسة، ولهذا معظم الأنبياء والرسل وُلدوا في الهامش ثم غيروا العالم. معظم التحولات الكبرى الدينية والفكرية والإنسانية والفنية، بدأت من الهامش لا من المركز.
★ إلى أي مدى ينعكس الانتماء المصري في شعركِ؟ هل هناك “شعرية مصرية” تميّز النصوص المنتمية إلى هذه الأرض؟
– أنا لا أكتب “عن مصر”، بل أكتب من داخل قلبها النابض، وهذا فرق جوهري. مصر ليست موضوعًا في قصيدتي، بل هي شرط وجودها: طبقات الزمن المتراكبة، عبقرية الريادة، ابتكار أوركسترا الفنون منذ فجر التاريخ، فكرة البقاء وسط الخراب، التعايش العجيب بين الأسطورة واليومي، بين المعجزة والعطش. نحن شعب يؤمن بالمعجزة، لكنه يذهب في الصباح ليقف في طابور الخبز. يقرأ عن عبور البحر، ثم يعبر يومه بصعوبة، بلا بحر وبلا عصا. هذه ليست سمات جغرافية وتاريخية بل بنية ذهنية تتفرد بها مصر.
أما “الشعرية المصرية” فليست لهجة ولا زخرفة محلية، بل حساسية خاصة تجاه الزمن والموت والنجاة. المصري لا ينتظر الخلاص، بل يتعلّم كيف يعيش بدونه. نحن شعب يتقن الرقص وهو مكبّل بالأغلال. هذا ما يسميه الفلاسفةُ “العيش بين الأفق والشرط”. الإنسان المصري تاريخيًا وثقافيًا لم يختر واحدًا منهما، لكنه تعلّم أن يعيش بينهما دون أن يحسم التناقض.
★ كيف تقرئين مشهد الهوية الثقافية في مصر الآن؟ هل ترينه متماسكًا أم متشظّيًا بفعل العولمة والتحولات؟
– الهوية الثقافية ليست شيئًا يمكن أن يكون “متماسكًا” في عالم متحرك. التماسك والوحدة الثقافية وهمٌ محافظ، والتشظّي والتنوع الثقافي حقيقةٌ حداثية وحتمية تاريخية. السؤال ليس: هل تشظّت الهوية الثقافية؟ بل: هل نمتلك شجاعة الاعتراف بأنها متعددة؟
مشكلتنا ليست في العولمة، بل في خوفنا منها. نحن نريد هوية ثقافية نقية، بينما التاريخ كله يقول إن الهوية الثقافية كائن هجين. من يطلب النقاء الفكري يطلب الموت دون أن يدري. ومع هذا نحن المصريين علينا الاعتزاز بهويتنا التاريخية والجغرافية الفريدة وسط موار العالم، ثم نرحب بالتعددية الثقافية فهي إضافة لا خصم.
★ في رأيك، ما الذي يميّز الهوية المصرية عن سواها عربيًا؟
– ما يميزنا كمصريين القدرةُ العجيبة على البقاء والتفرد وعدم الذوبان رغم توالي عهود الاستعمار . الهويات الأخرى ربما تُبنى على فكرة الانتصار، أو المجد، أو الرسالة. الهوية المصرية تُبنى على فكرة الإيمان بالفردانيّة والإصرار على الاستمرار والنقاء دون ادعاء بطولة. القدرة على النجاة من الغرق والتشظي، لا على الغلبة. نحن شعب ربما لم ينتصر كثيرًا ومررنا بمحاولات محو لا حصر لها، لكنه لم يختفِ أبدًا ولم يذب. وهذه فلسفة وجودية كاملة، لا مجرد سمة تاريخية.
★ كيف يتجلى التراث الفرعوني والقبطي والإسلامي في الأدب؟ وهل للمبدع حرية انتقائية؟
– التراث ليس مخزنًا نختار منه، خصوصا حال الكلام عن بلد متعدد التراث غزيره مثل مصر، بل هو ذاكرة تراكمية متشعبة وكثيفة تسكننا؛ شئنا ذلك أم أبينا. السؤال ليس: هل أستعملُ التراث في الأدب؟ بل: أي تراث يستعملني حين أكتب هذه الكلمة أو تلك؟ نعم، للمبدع حرية انتقائية، بل واجبٌ انتقائي خلاق. لأن من يتعامل مع التراث ككتلة صلبة مقدسة يتحول إلى حارس متحف، لا إلى كاتب مبدع. والمبدع الحقيقي لا يحرس الماضي، بل يعرفه ويحترمه ثم يعيد تأويله وتشكيله ونحته وصقله؛ ليبقى حيًا.
★ هل المثقف المصري يؤدي دوره، أم أصبح مهمشا ؟
– المثقف ليس مهمّشًا؛ لكنني أظن أنه قد انسحب طوعًا. انسحب ربما لأنه تعب، أو خاف، أو تصالح مع الامتيازات الصغيرة التي يمنحها الصمت. السلطة كثيرا ما أسكتت المثقف؛ ومن تجاسر ولم يمتثل دفع باهظ الأثمان، وأحيانًا المثقف هو من يختار أن يخفت صوته ليبقى مقبولًا. وهذا أخطر من القمع. المشكلة في تقديري أننا في مصر لدينا مثقفون كثيرون، لكننا فرادى متشظون، بكل أسف. لم ننجح بعد في خلق تيار ثقافي متماسك وقوي. ربما بسبب “الإيجو” التي تسكن كل مثقف، فيعيش كل مثقف معزولا في كهفه وجزيرته، وربما لأن المناخ العام والأصولية وسقف الحريات لم يسمحوا لنا بخلق حائط صد قوي ضد تكميم الأفواه.
★ هل الهوية الثقافية المصرية مهددة أم في طور التجدّد؟
– الهوية الثقافية لا تُهدَّد إلا حين تتحول إلى شعار أجوف. حين تُرفع على اللافتات أكثر مما تُعاش في السلوك. نعم، نحن في لحظة انتقال، والانتقال دائمًا مربك، لكنه ليس خطرًا. الخطر الحقيقي هو الحنين المرضي إلى صورة متخيلة عن “ماضٍ جميل”، لم يكن جميلًا أصلًا إلا لأنه انتهى. والانفتاح على الهويات الثقافية الأخرى ليس خطرًا مادام لم يدخل في طور الذوبان والانمحاء.
★ بصفتكِ كاتبة وصاحبة موقف، كيف ترين مسؤولية المثقف المصري تجاه قضايا مثل الفقر، الجهل، التطرف، حقوق المرأة؟
– مسؤولية المثقف المصري ليست أن “يتعاطف” مع هذه القضايا، بل أن يرفض تطبيعها. يرفض أن يصبح الفقر مشهدًا معتادًا، والجهل مبرَّرًا ثقافيًا، والتطرف رأيًا، والتمييز ضد المرأة “خصوصية مجتمعية، والتمييز ضد أشقائنا غير المسلمين توازنا عدديا. المثقف بالطبع لا يملك سلطة التنفيذ، لكنه يملك سلطة أخطر: “سلطة التسمية”. أن يسمّي الأشياء بأسمائها حتى لا تُموّع أو تُشوهه ثم تفقد جوهرها. فالظلم يظل ظلمًا، لا “إشكالية”. القهر قهرٌ، لا “تعقيدًا اجتماعيًا”. و التمييز والفرز العقدي جريمة أخلاقية، لا “سياقًا ثقافيًا”. في مصر تحديدًا، حيث اعتاد الناسُ التكيّف مع القسوة أكثر مما اعتادوا مقاومتها، يصبح دور المثقف أن يُذكّر بأن ما اعتدناه ليس طبيعيًا، وأن ما اعتُبر عاديًا ليس عادلًا ولا من طبائع الأمور. هذا ليس دورًا بطوليًا، بل دور إنساني بسيط: أن يحرس المعنى من التآكل.
★ في مناسبات كثيرة كنتِ صوتًا في وجه التيار السائد، ما حدود دور المثقف في مواجهة السلطة أو المجتمع؟
– في تقديري حدوده هي الأخلاق والضمير، لا السلامة وحساب الخسارات. حين يتحول المجتمع إلى منتِج للظلم، يصبح الوقوف ضده واجبًا حتميًّا لا بطولة. وحين تتحول السلطة إلى منتِج للقبح، يصبح نقدها ضرورة جمالية قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. الصمت هنا ليس حيادًا، كما يظن البعض، بل مشاركة صامتة في الجريمة. لهذا يقول “مارتن لوثر كنج “: الشر يتفشى ليس بسبب الأشرار بل بسبب صمت الأخيار عن مواجهتهم. المثقف النبيل لا يصمت عن الظلم مهما كان الثمن.
★ هل يمكن أن يكون المثقف مؤثرًا دون أن يكون صاخبًا؟
– نعم، لكن بشرط: أن يكون واضحًا وصادقًا. الهدوء ليس فضيلة إن كان ستارًا للغموض والتمييع الأخلاقي. الصوت الخفيض الذي يقول شيئًا خطيرًا، أخطر وأنجع من الصراخ الذي يقول: لا شيء. المثقف بشكل عام هادئ ومؤثر، لكن الصخب يحدث بسبب مناصبته العداء من قِبَل حراس المعبد. ما تسميه “صخبًا” هو في الواقع دويّ طلقات الرصاص على صدر المثقف وجبهته.
★ في زمن الانقسام والاستقطاب، كيف يحافظ المثقف على توازنه دون أن يقع في الحياد السلبي أو التورط؟
– المثقف بشكل عام غير محايد. قد يكون موضوعيا لكن الحياد معناه الموات أو الفتور. وأما التورط فهو صنو المثقف إن كان التورط في خانة الضمير والعدالة وحقوق المواطنة للجميع دون تمييز. وعلى المثقف دائما أن يُفرّق بين الموقف والانتماء. أن تمتلك موقفًا ناصعًا لا يعني أن تنتمي إلى قطيع. أن ترفض ظلمًا لا يعني أن تبايع نقيضه. الاستقلال ليس منطقة وسطى، بل موقع مرتفع يرى الطرفين بوضوح.
★ ما رأيك في علاقة الأجيال الجديدة من المثقفين بالواقع؟
– ربما هم أكثر حساسية وأكثر واقعية واقترابًا من الأرض ، لكنهم أقل حُلمًا وخيالا وأقل صبرًا. ربما هم أكثر وعيًا بالظلم، لكنهم أقل ثقة في إمكانية إصلاحه. كل هذا ليس فشلًا، بل علامة عصر. كل جيل يرى العالم مشوّهًا ومجافيا للينبغي بطريقة مختلفة وفق مفردات زمنه، وربما ينجح في خلق آليات إصلاحه وفق معطياته.
★ هل ما زلتِ تؤمنين أن الكلمة تغيّر العالم؟
– الكلمة لا تغيّر العالم. لكنها قد تغيّر الإنسانَ الذي قد يغيّر العالم. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الوهم والأخلاق. بين التغييب والضمير. للكلمة قوة السحر لا شك في هذا، بشرط أن تُقال عبر موقف ومحك واختبار وانصهار، لا عبر شعارات جوفاء من الأبراج العاجية.
★ ما القصيدة الأقرب إليك؟
– قصائدي عن أبي المتصوف، وقصائدي عن ابني المتوحد “عمر”. لأن تلك القصائد كُتبت من منطقة النزف. وأحب قصيدة “حدثتني الوُرْقُ” لأنها توثيق للحظة انصهار روحي وحلول صوفي وذوبان في الملأ الأعلى. وبشكل عام أحب القصيدة التي تدهشني حين أقرأها بعد كتابتها بمدة زمنية. أتساءل كيف ومتى خرجت مني؟ القصيدة الحقيقية هي التي تفاجئ كاتبها قبل قارئها.
★ ما الذي تخشينه على الثقافة المصرية؟ وما الذي يمنحك الأمل؟
– أخشى من السطحية المؤدلجة: حين تتحول القضايا الحقيقية إلى شعارات ببغائية. أخشى على ثقافتنا المصرية الرفيعة من التبعثر والانسحاق. أخشى من زمن الإفلاس الذي نعيشه الآن، ليس بسبب غياب الحقيقيين، فهم موجودون، بل بسبب تهميشهم قسرًا من المؤسسات الرسمية والاحتفاء بالشاغرين لأنهم أقل خطرًا وسهل تدجينهم. ويمنحني الأمل ذلك القارئ المجهول الذي يكتب لي: “هذه الجملة أزعجتني.” الانزعاج بداية التفكير.
★ كيف تحبين أن تُذكري في المشهد الثقافي؟ شاعرة، كاتبة، مهندسة، مفكرة، مثقفة، مترجمة، أم شيء آخر؟
– أحب أن أُذكر بأنني شاعرة حاولت هندسة العالم وفق النسب الجمالية التي درستها لكنها أخفقت. مواطنة حلمت بعالم عادل لا ظلم فيه ولا عنف ولا إقصاء، لكنها تجرعت كؤوس الظلم والعنف قسرًا حتى تمزقت أحشاؤها. حالمة دفعت الصعب والكثير مقابل أحلامها الطبيعية اليسرة. أمٌّ خافت على ابنها “المتوحد” من عالم قاس لا يرحم الضعفاء، لكنها حتى الآن لم تنجح في غزل مظلة صغيرة تحميه من العواصف. طفلة رسمت بريشتها عالمًا طفوليا لا تعقيد فيه، ولا فظاظة، لكن جبال الواقع الصعب كسرت ريشته.
★ وأخيرا ما وصيتك للجيل الجديد من الكتاب والمثقفين؟
– أقول لهم: لا تبحثوا عن أصواتكم، بل عن ضمائركم. لا تبحثوا عن الإجابات بل عن الأسئلة. الصوت نتيجة، لا غاية. والسؤال محور العالم وجوهره النشط. ومن يملك سؤالًا حقيقيًا، سيجد لغته وصوته لاحقًا




