
بقلم الكاتب تامر محمد عزت | القاهرة
أخذ القرار منذ بضع أسابيع ولكنه لم يلبث أن نفذه بعد أن عقد العزم وذهب لزيارة بيت والده ووالدته القديم في ذلك الحي الهاديء الذي ترعرع فيه، ولكنه لم يعد كذلك بعد الآن، فقد ظهرت الضوضاء والصخب من داخل المحلات الصغيرة والمختلفة، لا يهم، هكذا حدثته نفسه، إنها ليلة الخميس وغدا إجازة، وفرصة لاستعادة بعض الذكريات بعيدا عن الزوجة والأولاد وصخب الحياة اليومية، وخصوصا بعد أن أمر الشغاله بتنظيف المسكن القديم بعناية وأن تحرص على كل شيء في مكانه، لا تنقل ولا تبدل شيئا، وأتى يوم الخميس وذهب إلى هناك، اعتبرها رحلة سفر عبر الزمن لاستعادة الذكريات القديمة مع الوالد و الوالدة والأخوات، وخاصة أن الكل سافر بالفعل و تشتتوا في كل بقاع الدنيا.
الساعة 5 مساءً
تأمل كل ركن في البيت، وكل ركن يحكي حكاية من الزمن الجميل، وقد يحكي حكاية سيئة ويصير زمن قبيح، تلك هي الدنيا، سار بين طرقات المنزل، وتأمل مكتبة أبيه التي طالما كانت مرحلة مؤثرة في حياته، داعبت أنامله بعض الكتب المتراصة وتذكر ختم وإمضاء أبيه على كل كتاب، ظن أنها تحفظها من السرقة والضياع إذا وقعت في يد الآخرين، ابتسم في خفوت، وتطلع إلى الدُرج الأعلى للمكتب..وهنا كانت الحكاية.
الساعة 8 مساءً
وجد ظرف بني صغير بداخله شريط كاسيت قديم، يا إلهي، شريط من الزمن الجميل، الذي لفت انتباهه أنه كُتب عليه بالقلم الأزرق الثقيل 1980 ، كان يبلغ من العمر وقتها عشر سنوات، يصاحب الشريط عدة صور له وهو صغير، ابتسم في دهشة، أبنائه يشبهونه وهم في مثل عمره، كانوا عدة صور، ذُكر في خلفها رقم السنوات ، حتى ظهرت صوره توقف عندها الزمن، وكتب خلفها (أنت من أخبرني..1980 )
تذكر الصورة جيدا، كان يرقد على السرير ، بعد حادثة الدراجة البخارية التي صدمته وهو يلعب في الشارع، واغمى عليه لفترة بسيطة ثم استعاد وعيه، و يجاوره مسجل صغير وكأنه يحكي شيئا، لابد وأن هذا الشريط وهذا الصورة وهذه العبارة على اتصال ببعضهم البعض ولكن السؤال الذي قفز فوق رأسه :
لماذا لم يخبره والده بهذا الشريط طوال عمره؟، أخذ الشريط ولحسن الحظ كان المسجل موجود على المكتب وسمع وسمع وانصت واندهش.. وخاف.
كان حوارا بينه وبين والده.. وكأن مكتوب عليه سري للغاية!!
***
1980 م
حوار بين الأب وابنه بعد حادثة الدراجة البخارية والتي بقي في حالة إغماء لعدة ساعات قبل الإفاقة.
-قل لي من البداية .. ماذا رأيت؟
-كنت أطير في نفق مظلم لكنه أضاء بوميض كبير عندما رأيت جدي ونفس الإضاءة في أماكن مختلفة كلما رأيت أحدهم.
يا إلهي! تذكر صوته الناعم اللطيف، وتذكر صوت والده القديم قبل أن يتغير كثيرا في المستقبل بعد أن داهمته الأمراض المختلفة.
-من أحدهم؟ قال والده
-عمتي وخالي وخالتي وجدي وجدتي .. هؤلاء من رأيتهم
-رائع.. ماذا رأيت؟
-دخلت النفق المظلم أسفل شريط القطار، ورأيت جدي.. والد أمي.. نائما هناك ويرتدي جلباب رمادي اللون وقذر جدا ورائحتها كريهة تفوح منها. كان ميتا.
أغلق المسجل فورا عقب سماعه لتلك القصة.. بالفعل جده لأمه مات بنفس الطريقة بعدها بسنوات طويلة، كان قد أصيب بالخرف والذي أطلقوا عليه فيما بعد مرض ألزهايمر، وترك البيت ولم تعرف له عنوان حتى عثروا عليه ميتا بجوار محطة القطار !! غريب جدا! كيف علمت بهذه النبوءة! اشغل المسجل مرة أخرى وسمع صوت أبيه
-ثم ؟ ماذا حدث بعدها ؟
-وجدت نفسي عند بيت جدتي لأمي ، قامت من سريرها وذهبت للاستحمام وقامت تصلي ثم ذهبت في النوم.. وهي تصلي.
بالفعل ، جدته ماتت بهذه الطريقة، عندما دخل عليها حفيدها لدعوتها الفطور، وجدها كذلك، وعرفوا أنها قامت للاستحمام وصلاة الفجر وماتت فوق المصلية! ولكن حدث ذلك بعد 12 عاما من حادثة الدراجة البخارية! كيف لا يتذكر هذا الشريط وهذه الحكايات!
-ثم؟ ماذا رأيت أيضا؟
حدث ما يشبه التشويش على الصوت.. كلمات متقاطعة و متقطعة غير مفهومة، ثم انتظم الصوت.. صوت الطفل
-…..دماء على المرتبة، وخالتي نائمة بعمق.
بعد أكثر من ثلاثين عاما، ماتت خالته بنفس الطريقة، كانت وحيده، لم تنجب، ماتت وبقيت 3 أيام لا يعلموا عنها شيئا وقدرا علموا، وظل لغز الدماء على المرتبة موجودا بعد وفاتها وكأن الجميع تغاضى عنه.
حدث تشويش صارخ في المسجل ، كلمات مبعثره، غير مفهومة، ظل كذلك لمدة تزيد عن خمس دقائق بالتأكيد كانت عن عمته وخاله والتنبؤ بالوفاة .. ثم عاد الصوت.
-ثم رأيتك أنت على سرير في مستشفى، وبجوارك ممرضه،خرجت الدماء من فمك وشعرك أبيض وذقنك بيضاء.
فغر فاه بطلنا، كانت بالفعل تلك نهاية أبيه بعد أن أصيب بمرض سرطان الكبد، وبقي لعدة أشهر في المستشفى يصارع الحياة والموت معا، حتى مات بعد أن فقد كل أعضائه للحياة ومنها غرق في الغيبوبة الكبدية وظل يتمتم بآيات قرآنية غير مفهومة.
إذن، القصة وضحت كثيرا ، يبدوا أن روحه قد سافرت عبر الزمن ورأت ما خلف الحجاب وشهد مشاهد موتهم قبل أن يستيقظ من غيبوبته ثم قص لوالده ما رآه وآثر أن يسجل تلك اللحظات لتكون وثيقة تاريخية فيما بعد. المدهش أنه لم يقص عليه ولا مرة تلك القصص ولم يحكي لأمه شيئا.
بقي القليل من الشريط.. وسمع ما لم يخطر على باله
-رأيت رجلا كبيرا في بيتنا هذا، وحيدا، يسمع المسجل وبداخله شريط ، وانتفض لما سمعه وأخذ يكرر غدا بالفعل يوم الجمعة.
كان صديقنا يسمع صوته وهو صغير وانتفض عندما سمع :
كان هناك رجل في بيتنا هذا، يسمع المسجل، كان وحيدا، ووجدته بعدها نائما بعمق وجهاز قد اضاء لا أعلم ماهو ومكتوب بداخله كلمة الجمعه .



