بين الدود.. والخلود!!

أحمد سعيد طنطاوي | القاهرة
انتهيت من مشاهدة مسلسل “لا ترد ولا تستبدل” للنجمين أحمد السعدني ودينا الشربيني، حول معاناة مرضى الفشل الكلوي وصراعاتهم الإنسانية والبحث عن متبرع..
وبعيدًا عن تألق الفنان أحمد السعدني.. مع خفة دم واضحة، تلقي المؤلفتان للعمل دينا نجم وسمر عبدالناصر، الضوء في الحلقة الأخيرة حول أهمية التبرع بالأعضاء بعد وفاة أخو بطل العمل.. ولكن الجثة لم تستثمر لأن القانون سيمنعهم.
وهنا نرجع إلى السؤال الملح والمهم.. لماذا لم نمنع ذلك التبرع؟!. رغم أن الحقيقة، بل الحقيقة المكررة التي يجب أن نحفظها، أن رأس الأزهر الشريف فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، ومعه دار الإفتاء المصرية، قد حسموا الأمر منذ سنوات.. قالوا بملء الفم: التبرع بالأعضاء بعد الوفاة جائز شرعًا، بل هو صدقة جارية زكية..
نعم، الأزهر قال “نعم”، والإفتاء قالت “نعم”.. لا حرمة في إنقاذ حياة، ولا اعتداء على جسد صار أمانة في يد الطب ليُحيي نفسًا أخرى. أقولها مرة ثانية: الدين لا يمنع، والفقهاء لا يعترضون، والشرع يبارك هذا العطاء الإنساني.. والصدقة الجارية المتجددة.
ولكن، لماذا يسبقنا الآخرون دائمًا؟ انظر إلى السعودية، هناك “المركز السعودي لزراعة الأعضاء” يعمل كالساعة السويسرية، والملك وولي عهده سجلا رغبتهما في التبرع.. وفي الإمارات، برنامج “حياة” يكتب سطورًا من الأمل، وهو اسم على مسمى.. حتى تركيا وإندونيسيا، هذه الدول الإسلامية تجاوزت حاجز الخوف النفسي وأصبحت في مصاف الدول الكبرى في زراعة الكبد والكلى.
وكل تلك الأمثلة من بلاد إسلامية لها وزنها وثقلها ومفتوها ومفكروها.. لماذا نقف مكاننا بسبب شيخ أو اثنين؟!.. هل نحن أعلم؟! أم هم متجددون أكثر؟! هل نترك هذا الجسد ليأكله الدود في صمت ونفضّل تلك الحشرات على أن نهبه لقلب توقف عن الخفقان، أو لعين أطفأها العمى، أو لرئة تختنق كل صباح؟! وهل نتمسك بالجسد بعد أن تغادره الروح، وننسى أن أعظم الصدقات هي تلك التي تنبض في صدر إنسان آخر بعد أن نصمت نحن تمامًا؟! الحقيقة التي تتكرر أمام أعيننا أن السعودية والإمارات وتركيا نجحت لأنها طبقت “النظام” قبل “النص”، وآمنت أن جثة هامدة قد تكون شريان حياة لأمة كاملة.
وفي مصر، العجب كل العجب! فنحن نملك القانون رقم 5 لسنة 2010. يا خبر! قانون صدر منذ ستة عشر عامًا ينظم زراعة الأعضاء البشرية، ويمنع التجارة فيها، ويبيح نقلها من الموتى بموافقة المتوفى أو ورثته. القانون موجود، ونصه صريح في المادة الثالثة التي تجيز نقل الأعضاء من الموتى “ثبوت الموت ثبوتًا يقينًا”. لدينا القانون، ولدينا إرادة سياسية، ولدينا أطباء هم “أنامل ذهبية” تجوب العالم. فماذا ننتظر؟ أضف لذلك أن الدولة المصرية لديها خطة لتكون مركزًا إقليميًا للزراعة.. والسر يكمن في “البنك الوطني للأعضاء”.
نعم، بنك ليس فيه دولارات، بل فيه “حياة”.. بنك يجمع البيانات، وينظم القوائم، ويمنع “سماسرة الأعضاء” الذين يقتاتون على جراح الفقراء.. البنك الوطني هو الحل، والقانون هو المظلة، وتفعيل زراعة الأعضاء من الموتى هو الهدف الأسمى.. الدولة تريد، والقانون يسمح، والأزهر يبارك. فماذا يمنعنا؟! الذي يمنعنا يا سيدي هو “الوهم”.. أو بمعنى أصح هو تعريف “الموت”.. فالموت ليس موتًا إلا إذا توقف القلب، بينما العلم يقول إن “موت جذع المخ” هو النهاية الحقيقية.. نحن نخاف من العلم، ونرتبك أمام تعريف الوفاة.. العائق ليس قانونيًا، فـ القانون موجود. والعائق ليس دينيًا، فـ الأزهر والإفتاء باركا الأمر. العائق هو نحن! هو تلك الثقافة التي تخشى على الجسد من “مشرط الطبيب” ولا تخشى عليه من “دود الأرض”.. نخاف من أن نُتهم، ولا نخاف من أن نموت بلا معنى.
إننا بحاجة إلى ثورة عقلية. وأرى أن التبرع بالأعضاء هو أرقى أنواع الفلسفة؛ وبعد الموت هو صدقة جارية.. أرى أن نقول للموت: “لن تأخذ كل شيء، سأترك قطعة مني تقاومك في جسد آخر”. تذكروا مرة أخرى ودائمًا: الأزهر وافق، والقانون يبيح، والدول الإسلامية سبقتنا، والبنك الوطني في الطريق.. فهل نفتح أبواب الحياة، أم نظل أوفياء لصمت القبور وطلبات الديدان؟




