مبدعون في الذاكرة: عبد الرزاق الربيعي: شاعر وصحفي ومسرحي يعيد ترتيب العالم بالكلمات

د. ياس خضير البياتي
وُلد عبد الرزاق جبار عطية الربيعي عام 1961 في بغداد، في منطقة كرادة مريم، قبل أن تتشكّل ملامح وعيه الأولى في مدينة الثورة، ذلك الفضاء الشعبي المشحون بالحياة والتناقضات.
هناك، حيث تختلط الحكاية الشفوية بالأغنية، والمجلس العائلي بصخب الشارع، تفتّحت أذنه على الإيقاع، وتعلّم الإنصات بوصفه الفعل الأول للكتابة، واللغة بوصفها ذاكرة جماعية قبل أن تكون أداة تعبير.
أنهى دراسته الجامعية في كلية الآداب – جامعة بغداد، بحصوله على بكالوريوس اللغة العربية عام 1986/1987، في زمن كانت فيه الجامعة مختبرًا فكريًا نابضًا، تتقاطع داخله الأسئلة الجمالية مع القلق السياسي، ويتجاور فيه جيل الروّاد مع أصوات تبحث عن لغتها الخاصة.
وقبل ذلك بسنوات، كان قد انخرط مبكرًا في العمل الثقافي، فالتحق عام 1980 بدار ثقافة الأطفال، حين كان الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد مديرًا عامًا لها، وهي تجربة أمدّته بحسّ مزدوج: شاعرية اللغة من جهة، والإحساس بالمسؤولية الثقافية من جهة أخرى.
في عام 1986، أصدر ديوانه الأول ” إلحاقًا بالموت السابق”، وطلب من عبد الرزاق عبد الواحد أن يكتب له مقدّمة، فجاءته شهادة إبداعية غير تقليدية، أقرب إلى نص مفتوح، حمل عنوان “خواطر عن عبد الرزاق الربيعي”، معلنًا منذ البدء أن صوتًا شعريًا يتشكّل خارج القوالب الجاهزة.
شهدت سنوات الثمانينيات تقاطعاته الأهم مع رموز الشعر العربي الحديث، وفي مقدمتهم عبد الوهاب البياتي. بدأت العلاقة عام 1984 خلال «مهرجان الأمة الشعري» في بغداد، ثم تعمّقت حين قدّم له الربيعي بحث تخرّجه الموسوم ” الدلالة الرمزية للمرأة في شعر عبد الوهاب البياتي.
لم تكن العلاقة علاقة تلميذ بأستاذ بقدر ما كانت حوارًا ثقافيًا حيًا، تُوّج بإهدائه قصيدة ” نبوءة الدب الأكبر” وإنشادها بحضور البياتي.
غادر الربيعي العراق عام 1994 متجهًا إلى الأردن، حيث عمل في الصحافة الثقافية بجريدة الرصيف، وواصل الكتابة في الدستور والرأي، قبل أن تبدأ هجرته الثانية في أواخر العام نفسه نحو صنعاء.
هناك، تنوّعت اشتغالاته بين التدريس الثانوي، والمحاضرة في جامعة صنعاء، والعمل الصحفي في الصحف اليمنية ومجلة أصوات، إلى جانب مراسلته لصحيفة الزمان اللندنية والفينيق الأردنية.
في صنعاء، تبلور حضوره المسرحي بوضوح، إذ شهد عام 1996 العرض الأول لمسرحيته ” آه أيتها العاصفة” بإخراج كريم جثير، قبل أن تنتقل إلى كندا، وتُعرض في تورنتو ضمن مهرجان مسرح المضطهدين العالمي، ثم في مونتريال، لتعلن دخول نصه المسرحي فضاءً إنسانيًا عابرًا للجغرافيا.
في عام 1998، بدأت هجرته الثالثة نحو سلطنة عُمان، حيث استقر في مسقط، التي أصبحت فيما بعد وطنه الثاني وحمل جنسيتها.
هناك تفرّغ للعمل الثقافي والإبداعي، فدرّس اللغة العربية، وارتقى في مجال الصحافة الثقافية حتى تولّى رئاسة القسم الثقافي والفني في جريدة الشبيبة بين 2003 و2012.
كما واصل عمله مراسلًا لعدد من الصحف والمجلات العربية، من بينها الزمان، دبي الثقافية، الصدى، والشارقة الثقافية، مع حضور ثابت في مجلة نزوى.
في تجربته، ارتبطت الصحافة بالمنفى ارتباطا عضويا. لم تكن ممارسة مهنية مستقرة، بل وسيلة للتماسك وسط الانقطاع، وطريقة لترتيب العالم من موقع العابر لا المقيم.
في المنافي المتعددة، كانت الكتابة الصحفية شكلا من اشكال تثبيت الذاكرة، ومقاومة لفقدان الصوت في الاماكن المؤقتة.
كتب الربيعي عن الثقافة لا من موقع المراسل البعيد، بل من داخل التجربة اليومية للمنفي، حيث يصبح الخبر سيرة مصغرة، والمقال نافذة تطل على وطن مؤجل.
هكذا تحولت الصحافة لديه الى وطن لغوي متنقل، يحمل فيه صوته معه، ويعيد عبره وصل ما انقطع بين المكان والذاكرة، وبين الكتابة والحياة.
كما شغل مواقع ثقافية وإدارية بارزة، منها باحث ثقافي في مركز البحوث والدراسات بوزارة الإعلام العُمانية، ورئيس تحرير صحيفة أثير الإلكترونية، ونائب رئيس مجلس إدارة النادي الثقافي العُماني.
تميّز الربيعي بحضور فاعل في المهرجانات والملتقيات العربية الكبرى، من المربد وبابل في العراق، إلى الجنادرية في السعودية، والشارقة والفجيرة في الإمارات، والرمثا في الأردن، وبعقلين في لبنان، والمهدية وابن رشيق في تونس، ليغدو صوته الثقافي جزءًا من مشهد عربي واسع لا يعترف بالحدود.
إبداعيًا، توزّعت تجربته بين الشعر والمسرح والمقالة الثقافية. كتب عشرات الكتب التي حظيت باهتمام نقدي لافت، ودرس تجربته نقّاد كبار، من بينهم عبد العزيز المقالح، صلاح فضل، حاتم الصكر، عبد الملك مرتاض، وجدان الصائغ، وياسين النصير.
نال عددًا من الجوائز العربية، من أبرزها جائزة أفضل إصدار عُماني، والجائزة الذهبية المسرحية في الجزائر، وجائزة الشارقة للتأليف المسرحي.
يتأسس أسلوبه الشعري على اقتصاد لغوي دقيق، حيث تُقال الفكرة بأقل قدر من الكلمات دون التفريط بكثافتها.
قصيدته بعيدة عن الخطابة، قريبة من الهمس، تعتمد الإيحاء لا التصريح، وتشتغل على مشهدية داخلية تتقاطع فيها الذاكرة والمنفى، الطفولة والفقد، واليومي بالأسطوري.
يميل إلى القصيدة الحرة وقصيدة النثر، موظفًا الإيقاع الداخلي، ومراهنًا على موسيقى خفية تنبع من توتر الجملة لا من الوزن الصارم.
تتحوّل التفاصيل الصغيرة في شعره—المطار، الغرفة، النافذة، الطريق—إلى علامات على القلق الإنساني، بينما يبدو المنفى حالة نفسية أكثر منه مكانًا.
ويتقاطع شعره مع حسّه المسرحي، إذ تُبنى قصائده أحيانًا كمشاهد مكثفة أو مونولوجات داخلية، تعكس صراع الذات مع الزمن والحرية والموت.
لم تكن دواوينه محطات زمنية بقدر ما كانت تحولات في الوعي واللغة. من ” إلحاقًا بالموت السابق” و”حدادًا على ما تبقّى”، إلى “موجز الأخطاء” و”جنائز معلّقة”، ثم “شمال مدار السرطان”و”غدًا تخرج الحرب للنزهة”، تتسع القصيدة لتغدو شهادة إنسانية.
وفي مراحل لاحقة، كما في “صعودًا إلى صبر أيّوب” و”طيور سبايكر”، تبلغ القصيدة ذروة أخلاقية، قبل أن تميل إلى صفاءٍ حذر في دواوين مثل “في الثناء على ضحكتها”، “خرائط مملكة العين”، “قليلًا من كثير عزّة”، و”حلاق الأشجار.”
أما في أعماله الأحدث، مثل “نهارات بلا تجاعيد” و”شياطين طفل الستين”، فيبدو شاعرًا يصالح الزمن دون أن يتنازل عن قلقه.
وهكذا تمتد رحلة عبد الرزاق الربيعي، لا بوصفها سيرة فردية فحسب، بل بوصفها سيرة جيلٍ كامل، حمل اللغة من مكان إلى آخر، ومن جرح إلى آخر، وجعل من الشعر والمسرح والصحافة جسورًا للنجاة، ووسائل لإعادة ترتيب العالم كلما اختلّت موازينه.




