أدب

​طقوس الغفران

مروان العياش| سوريا

​الذنبُ غمامٌ يطلبُ سُقيا
والغفرانُ أرضٌ..
لا تشبعُ من بكاءِ
الخطيئةُ عندنا
لا تحتملُ سوى العتاب
طعمُ الشجبِ المُرُّ
الندمُ اللذيذُ
وترتيبُ المشانقِ
كي لا يخطئَ الأملُ طريقَه
​نُلمّعُ مِرآةَ القسوةِ
لتكونَ الرحمةُ أكثرَ صدقاً
نُعلّقُ الدهشةَ كأيقوناتٍ محظورة
أسئلةٌ متآكلةُ الجوانب
ونقرأُ النجاةَ
بصوتٍ منخفضٍ
كي لا نوقظَ الشكَّ
​كلّما حاولَ الضوءُ
أن يفتحَ سقفاً
أعدناهُ إلى الفكرةِ
مرادفاً للخطيئة
ووشمنا جبينَه
بأدبِ الانتظارِ

ونحنُ
نُصفّقُ طويلاً للسواد
حين يُتقنُ دورَ الحكمةِ المعتادة
​دخلنا فردوسَ الغفران
بأجنحةٍ مُكسرةٍ
استقبلَنا شعراءٌ
لم يكتبوا بيتاً
لكنهم
أحسنوا الاعتذارَ
​قال أحدهم
الغفرانُ ليس مكافأةً
بل حسنُ تصرّفٍ في حضرةِ الذنبِ
وسألنا:
أين الذين أخطأوا حقاً
هل أُعيدوا
لأنهم لم يُحسنوا شرحَ خطاياهم

​قال حارسٌ بلا يدٍ
اتركوا الخطيئةَ مواربةً
كي يبقى الاتهامُ مهذّباً
من يسألْ يَعُدْ أقلَّ
ومن يبتسمْ يُؤجَّلْ عنه الحسابُ

​في ركنٍ قصيٍّ من ذاك الفردوسِ الباردِ
رأينا (أبا العلاءِ )
عيناه تتفحصانِ المارينَ
يمسحُ عنهما غبارَ التخمينِ
يضحكُ بملءِ صمتِه
يا هؤلاءِ..
كلُّ هذا الزحامِ لغسلِ ثوبٍ واحدٍ
إنّ الجنةَ هنا ليست لمن غُفرَ لهم
بل لمن نَسوا أنهم أذنبوا أصلاً

​كان (دانتي ) يرتجفُ عند البابِ الأخير
يفتشُ في جيوبِ قصائدِهِ عن (بياتريسَ)
لكنه لم يجدْ سوى حبرٍ جافٍ
وصكوكِ غفرانٍ
أكلتْ أطرافَها نيرانُ الجحيمِ
قال لنا وهو يشيرُ إلى الأعلى
الصعودُ ليس ارتفاعاً..
إنهُ مهارةُ السقوطِ إلى الداخلِ دون أن تنكسر

​وحيثُ لا ليلَ يسترُ العُراةَ
ولا شمسَ تفضحُ انكسارَ الظلِّ
رأينا روحاً تُحلّقُ بلا جهاتٍ
كان (جبران)..
يكتبُ على رمالِ الأبديةِ
أنَّ العاصفةَ اعتذرتْ للأشجارِ
والنهرُ يطلبُ غفراناً من الصخورِ
توقفنا عند عباءتهِ المنسوجةِ من غيمِ الخطيئةِ
ثوبُه الذي ضاقَ على اتساعِ الروح
تركناهُ يملأُ جِرارَ الحيرةِ من نبعِ الرؤى
ومضينا..
نحملُ أوزارَنا كأكاليلَ من غارٍ
مؤمنينَ بأنَّ الغفرانَ..
أن تحبَّ نُدوبَك كما تحبُّ المآقي اللامعة
​هناك رأينا الميزانَ معلّقاً بخيوطِ العنكبوت
لا يزنُ الأفعالَ..
بل نبرةَ الاعتراف
مَن كان صوتُه جهوراً
رُدَّ إلى المُطهِرِ ليصقلَ خجلَه
ومَن همسَ بالذنبِ كأنه سرٌ مقدسٌ
رُفعَ إلى سدرةِ الذهول

​على مائدةٍ من زجاجِ الشكِّ
جلسَ القاتلُ والقتيلُ
وكان (زرادشتُ) ثالثَهما
يقتسمانِ رغيفَ النسيانِ
سألنا القتيلَ
كيف غفرتَ
قال لم أغفرْ..
لكنَّ القاتلَ شرحَ خطيئتَه بلغةٍ فصحى..
فخجلتُ أن أكونَ ضحيةً بلا بلاغةٍ
سكتُّ
كي لا أعودَ أقل…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى