مقال

نفرتيتي ملكة مصرية

سميرة عباس التميمي | العراق

مائة عام ويزيد
يقبع تمثال نفرتيتي في متحف برلين ، تفتش بعينيها الكبيرتين الحالمتين عن أبناء جلدتها من بين مئات الزائرين للمتحف يومياً .

تتحف بشموخ وكبرياء الملكات، بجمالها الآسر المتمثل بالأنوثة الطاغية والرقة والنعومة المشعة من ملامح وجهها .. فبسمرتها ألأخاذة ورقبتها الرائعة وشفتيها اللتان تفيضان حياةً كنهر النيل وأنفها الشامخ وحاجبيها المرسومين بدقة كأقواس لا يتحداهما شيء صلابة وجمالاً ..

تمكث في هذا المتحف مع بعض رفيقاتها وابناء شعبها للتخفيف عن وحدتها ولكن هل هي مرتاحة !؟

لا اجد أن نفرتيتي مرتاحة، فهي ملكة مصرية وليست ألمانية، كيف ستكون مرتاحة ولا أحد يقوم بخدمتها والغناء في مجلسها وإداء طقوس الاحتفال والأناشيد في المناسبات، سمرتها من سُمرة أرض بلدها مصر! فما علاقتها بالألمان ومتاحفهم، غير أنهم يستفادوا من إرث حضارة بُنيت بجهد ومشقة وذكاء شعبها ومازالت قائمة إلى يومنا ..

كنتُ في مصر لحضور معرض القاهرة الدولي للكتاب، وحضرتُ ندوة تاريخية قدّمها عالم الآثار المصري د. زاهي حواس الذي أكد على وجوب إرجاع القطع الأثرية المسروقة من قبل مئة سنة والحديثة السرقة، شعرتُ بألم هذا الرجل وهو يتكلم عن حضارة بلده، بقدر ما قرأت عنه وسمعت عن إنجازاته في علم الآثار الخاصة بمصر, ويبدو في وجهه خجلاً، وهو الوزير السابق لوزارة الآثار لعدم تمكنه من إرجاع الآثارالمسروقة، ومؤخراً قرأتُ في الإنترنت عن برنامج البودكاست الذي قاده المدعو جو روجان وقد وجه لعالم الآثار المصري أسئلة قال إنها مُحرجة, تصورت موضوع المقابلة تخص الآثار المسروقة بينما مقدم البرناج أراد ان يثبت لهذا العالِم مزاعمه ببعض الإكتشافات التي قادها بنفسه !!

ورغم تكرار العالم المصري الدكتور زاهي حواس، من أن الأدلة موجودة في كتابه إلا أن مقدم البرنامج اصر على مواصلة أسلوبه المُلح ، لو كنتُ مكان هذا العالم لقمتُ من البرنامج لإنهاء حوار غير مُجد ولا هدف منه غير إضاعة الوقت .

ماذا فعل المدعو جو روجان والسيد كريم إبراهيم الذي خص الأخير الكثير من وقته في تحليل مقابلة د. زاهي حواس مع المقدم الأميركي و كل جملة نطق بها !! لإستعادة الآثار المصرية كلها والمسروقة منذ مئة سنة !؟ من متحف برلين, والمتاحف الفرنسية والإنجليزية ؟.

يبدو أن الغرب يُعامل إرث دول العالم العربي بالضبط كبترولها ، يعمدون على سرقة كل شيء ثمين وقيّم فيها !!

آثار أي دولة هي حق شرعي لها وليس لغيرها، وما تم سرقته يجب إرجاعه، وانا أُشبه سرقة الآثار كالنبش في أعراض الناس ..

سنين ومتاحف ألمانيا وبريطانيا وفرنسا تنعم بالآثار الفرعونية وحضارات وادي الرافدين في العراق وسوريا وتجني الملايين من الأموال والسُياح جراء هذه السرقات ، وبدون أدنى ذرة حياء ينصحون أصحابها بعمل منحوتات مشابهة في متاحف بلدانهم الأم !

وسؤالي ما دور منظمة اليونسكو في حماية هذا الإرث الحضاري العريق وإرجاعه لأصحابه؟ هل من العدل أن يُزين تمثال نفرتيتي واجهة فترينات متحف برلين و هي ملكة مصرية وبلدها أحق بها من غيره في الفرح والإفتخار والإهتمام؟

نفس الشيء يُقال عن مسلة حمورابي وبوابة عشتار وآلآف القطع الأثرية التي تخص حضارة وادي الرافدين في العراق. فمسلة حمورابي موجودةحسب ما قرأتُ في متحف اللوفر في فرنسا، وبوابة عشتار التي تم تفكيك أجزائها بعناية فائقة حتى يتم سرقتها، تُزين الآن حيطان متحف برلين !

لا أتفق وقانون منظمة اليونسكو بأن الآثار التي تم سرقتها قبل 1970 أو 1972 لا يمكن إرجاعها إلى بلدانها الأصلية !؟

كيف يمكن لمنظمة رصينة كاليونسكو التي تختص في الحفاظ على الإرث الحضاري للشعوب تقف مع سارقيّ الآثار ؟!

قرأت في مقالة بقلم حسين دسوقي من جريدة بوابة أخبار اليوم بتاريخ 14-12-2024 م ، حيث طالب فيها عالم الآثار المصري الدكتور زاهي حواس بإرجاع أبرز الآثار المصرية المسروقة وبالتعاون مع دول مختلفة وفق إتفاقيات تم توقيعها معهم .. كما إنه ومن خلال موقعه الرسمي حصل على 219 توقيع من اصل 300 ..

وأضم صوتي لصوت الدكتور بمطالبة التواقيع، وهنا أقترح تواقيع الشعب المصري كله والشعوب المتضررة من خلال حملات توعوية وتثقيفية يقوم بها طلاب قسم التاريخ وقسم الآثار في الجامعات و زياراتهم للمدارس في عموم البلد والحديث عن هذا الموضوع الحساس مع الطلبة وبصورة دورية ومستمرة حتى نصل لمرادنا، وإقامة رحلات مدرسية وجامعية لمتاحف دول العالم التي تُعرض فيها آلآثار المسروقة والمطالبة بإرجاع الآثار من خلال مدراء المتاحف ولقاء أقرانهم في دول الغرب.. أُطالب بعمل مظاهرات وإحتجاجات سلمية أمام متاحف العالم كلها التي تم عرض الآثار المسروقة للدول الأخرى ورفع شعارات تُندد بفعل السرقة كونه عمل إجرامي ، ووضع أيدي بعضنا البعض أي وضع المصريين أياديهم بأيادي العراقيين بقوة والعمل سويةً في كل خطوة بشجاعة ومواظبة للمطالبة بإرجاع جميع آثار بلادهم وليس فقط بعض القطع الطينية التي أرجعتها مؤخراً الولايات المتحدة للعراق .

فمتاحف فرنسا وبرلين وبريطانيا زاخرة بالمومياوات، والبردي والمخطوطات الفريدة بالكتابة الهيروغليفية والتوابيت والثور المجنح وألواح بالكتابات السومرية..

استخدام الإعلام والصحافة والميديا بكل اللغات لحين إسترداد جميع الآثار المسروقة لتأخذ مكانها الحقيقي والشرعي في متاحف بلدانها . والبدء بالتواصل مع السفارات بهذا الشان لإرجاع الآثار إلى أماكنها ألأصلية .

فكيف يمكن لطلبة القانون في الجامعات العراقية أن يدرسوا القانون من دون الذهاب لرؤية مسلة حمورابي أولى قوانين البشرية الأصلية والإطلاع على الكتابة السومرية عليها وهي النموذج المزيف !؟

تعتبر السرقة حسب القانون جريمة يُعاقب عليها القانون وما حدث لأثار دول العالم جريمة لا تُغتفر, من أن تُحرم الدولة الأم من إرثها الحضاري العريق .

وراء هذه الجريمة تقف حكومات ومنظمات، فكيف لمنظمة اليونسكو وضع قانون تمنع الدولة من استرداد آثارها !

في أي قانون يُسمح ببيع الآثار !!؟ وماحدث لبيع الآثار هو عمل غير شرعي وإجرامي, يجب معاقبة الطرفين أو إذا ثبُت هذا الشيء وعُرفت هوية البائع والمشتري يجب حثهما بإرجاع المال للمشتري وبالتالي إرجاع التحفة لدولة الأم .

آثار أي دولة تعتبر ملك للشعب والدولة ويجب أن تُحتفظ وتوضع في متاحف يليق بها. وأجد ان مصر إستطاعت بناء متحف كبير يستوفي جميع الشروط لحفظ المومياوات والآثار فيه من درجات الحرارة والأمان ولربما الإضاءة والرطوبة

البلدان تريد أن تفتخر بإرثها والدول الأجنبية تريد أن تجني الأموال من ورائه، وعليه وضعت قوانين مُجحفة بتواريخ وسنين مزعومة تعذر سرقة الآثار!

كان المفروض رفع ملف سرقة الآثار في محكمة العدل الدولية – الجنايات لإعادتها ومعاقبة السارقين والمقصرين .

في ختام مقالتي أقول أن اليد الواحدة لا تُصفق وأن على جميع الدول التي تمت سرقت آثارها التعاون مع بعضها بقوة للعمل الدؤوب على إسترجاع آثارها النفيسة واللجوء لجهات ذات علاقة بالآثار لمساندتها في هذه المهمة, بل وطلب المساندة من دول ذات نفوذ وشأن مثل الصين وروسيا وقد علمت أن مصر طلبت مساعدة إيرلندا .

جميع هذه الآثار تُمثل شعوبها فمن ناحية الشكل، كما في تمثال نفرتيتي، نجد إنه لا أحد يشبهها ولكنها تمثل الجمال المصري من دقة وتناسق الملامح والسمرة البديعة وعرض وتناسق الفك من كلاالجهتنين .ومسلة حمورابي تُمثل قوانين وحضارة بلد، بفضل هذه القوانين نُظمت الحياة البشرية وساد الهدوء والراحة فيها إلى يومنا هذا لو لا الحروب .

وبوابة عشتار لمدينة بابل بالمرمر الأزرق والرخام الأبيض ونقوش التنين والثيران عليها تُمثل قوة المملكة .

جميع هذه الآثار تُمثل هوية بلدانها ومكانها في البلد الأم .

فأسأل إلى اي مدى حكومات البلدان التي تمت سرقة آثارها جادة في السعي مع الناس الطيبة لإسترداد آثارها !؟

فإذا كان هتلر قد هدد بشن حرب إذا إستمرت مصر بالمطالبة بتمثال نفرتيتي، فلماذا لا تصر مصر وتتحد مع الدول المتضررة من جراء سرقة آثارها لإرجاعها ، بل والمطالبة بالأرباح التي جنتها متاحفهم من آثار الغير ؟!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى