مقال

الاستيطان والأرض والعمل.. ثلاثية المشروع الصهيوني في فلسطين

د.نسرين محمود رضوان
عضو اتحاد كتاب مصر – شعبة الترجمة للطفل
تُشكّل الأرض الفلسطينية ساحة الصراع الأكثر تعقيداً في المنطقة، حيث تتجلى سياسة الاحتلال الإسرائيلي في مشروع استيطاني لا يهدف فقط إلى التوسع الجغرافي، بل إلى إعادة تشكيل الوجود الديموغرافي ،والهوية الوطنية لصالح المشروع الصهيوني. فالاستيطان، الذي يُعد العمود الفقري لهذا المشروع، لم يكن مجرد سياسة عارضة، بل تحوّل إلى أداة استعمارية ممنهجة لمصادرة الأراضي وتهجير السكان الأصليين، في محاولة لفرض واقع جديد يكرس السيطرة اليهودية على جغرافيا المكان الأصلي ، وتاريخه.
لم تقتصر هذه السياسة على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت لتشمل أطراً قانونية واقتصادية متكاملة، شجّعت الهجرة اليهودية ودعمت المستوطنين بالبنى التحتية والمزايا الاقتصادية، بهدف بناء وقائع ديموغرافية تحول دون قيام دولة فلسطينية مستقلة. وهكذا، تكشف ثلاثية: “الاستيطان، والأرض، والعمل” عن جوهر المشروع الصهيوني الذي لا يسعى فقط للسيطرة على المكان، بل لتفكيك النسيج الاجتماعي ، والاقتصادي للمجتمع الفلسطيني.
إرهاصات الفكرة: من “نفي المنفى” إلى “أرض بلا شعب”
يقوم الفكر الصهيوني على فكرة مركزية مفادها “نفي المنفى”، حيث يُنظر إلى حياة اليهودي في الشتات على أنها حياة ناقصة ،وغير طبيعية. هذا التصور يجد اكتماله الروحي والقومي فقط في “أرض إسرائيل” الموعودة. وبالتالي، فإن الهجرة إلى هذه الأرض ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي رحلة نحو السيادة ،والتحرر من المنفي.
هذا المنطق الأيديولوجي أنتج علاقة خاصة مع “الآخر”، الذي يتمثل أولاً في الشتات نفسه، وثانياً في الشعب الفلسطيني صاحب الأرض. وقد تم التعامل مع هذا الوجود الفلسطيني كعائق يجب إزالته، أو كمجموعة “فائضة عن الحاجة” يجب تجاهل حقوقها، بل تصفية وجودها المادي والمعنوي؛ لتحقيق المشروع الصهيوني.
هذه الرؤية تجسدت في سياسات وممارسات على الأرض، حيث أصرت الصهيونية على أن تكون دولة للمهاجرين اليهود فقط، الذين لا تأتي هجرتهم بدوافع مادية بقدر ما هي وليدة إلزام أيديولوجي. وقد أدى هذا المفهوم إلى ضرورة إزاحة الفلسطينيين أو طردهم؛ لتحقيق حلم الدولة ذات الأغلبية اليهودية. وتعمّدت الرواية الصهيونية تغييب تاريخ فلسطين وسكانها الأصليين، فلا يظهر الفلسطيني في الخطاب الرسمي إلا كعامل معرقل أو في لحظات الأزمة، وليس كصاحب حق أصيل في وطنه.
الاستعمار الاستيطاني: مشروع مستمر وليس مجرد دولة
يُعد تحليل المشروع الصهيوني من منظور “الاستعمار الاستيطاني” الأكثر دقة لفهم طبيعته، فهو يختلف عن الاستعمار الكلاسيكي الذي يهدف إلى استغلال الموارد. فالمستعمر الاستيطاني، وفق هذا المنظور، جاء ليبقى وليبني مشروعه الجديد على أنقاض المجتمع الأصلي، ساعياً لمحو معالمه وهويته.
وبما أن السكان الأصليين يشكلون حجر عثرة أمام هذا المشروع، فإن السياسة المتبعة تقوم على إلغاء وجودهم بأساليب متعددة، تتفق في الهدف، وإن اختلفت في الأدوات. هذا الفهم يسمح بقراءة التاريخ الفلسطيني منذ بدايات القرن الماضي كحلقات متصلة من مشروع استيطاني واحد يستهدف الشعب الفلسطيني برمته.
لذا؛ فإن النظر إلى الصهيونية باعتبارها مجرد حركة تحرر قومي هي :نظرة قاصرة؛ فهي حركة إيديولوجية شمولية ذات طابع ثوري، لم توجّه ثوريتها إلى الخارج فقط، بل إلى الداخل اليهودي أيضاً، بهدف بناء “يهودي جديد” مرتبط بالأرض، والعمل، ومختلف عن يهودي الشتات. وقد التقت هذه الثورية مع أفكار القومية الاشتراكية الأوروبية، التي رفضت الصراع الطبقي وآمنت بالعمل الجماعي لصالح الأمة. وفي هذا السياق، لم يكن قيام دولة الاحتلال عام 1948 نهاية المطاف، بل كان مجرد حلقة في ثورة مستمرة تهدف إلى “جمع الشتات”، وترسيخ الوجود اليهودي، وهو ما يفسر استمرار دور المؤسسات الصهيونية العالمية بعد قيام الدولة.
العمل والاقتصاد: أدوات لإحكام الفصل والعزل
لم يكن الفصل على أساس قومي مجرد نتيجة ثانوية للصراع، بل كان هدفاً رئيسا تمت صناعته عبر السياسات الاقتصادية وعلاقات العمل. ففي بدايات المشروع، وجد العمال اليهود أنفسهم غير قادرين على منافسة العمال الفلسطينيين الأكثر مهارة وأقل أجراً. هنا برز دور الحركة العمالية الصهيونية، ممثلة بـ”الهستدروت” (الاتحاد العام لنقابات العمال)، التي لم تكن نقابة عمالية بالمعنى التقليدي، بل كانت مؤسسة قومية. عملت “الهستدروت” على إقامة “عمل عبري” خالص، وإقصاء العمال الفلسطينيين عن سوق العمل، مما عزز اقتصادين منفصلين داخل فلسطين الانتدابية: اقتصاد يهودي مغلق، وآخر فلسطيني.
وقد انتصرت هذه الرؤية الانعزالية على منطق رأس المال الذي قد لا يمانع في تشغيل العمالة العربية الرخيصة، لتشكل نواة الدولة العبرية القادمة. هذه البنية الاقتصادية المنفصلة لم تكن لتنمو لولا الدعم الخارجي الهائل من مؤسسات الصهيونية العالمية، والذي مكّن “الييشوف” من الحفاظ على مستوى معيشة مرتفع لأعضائه وتجنب الاعتماد على الاقتصاد الفلسطيني. ومع مرور الزمن، تحول هذا الفصل إلى واقع دائم، ولا يزال تأثيره قائماً حتى اليوم، على الرغم من تحولات الخصخصة التي شهدها الاقتصاد الإسرائيلي وانهيار دور “الهستدروت” كقطب اقتصادي عملاق.
الخلاصة؛ مشروع استعماري في مهب الريح
يبقى المشروع الصهيوني في جوهره نظاماً استعمارياً استيطانياً متكاملاً، يعتمد على ثلاثية: الأرض، والاستيطان، والعمل لفرض سيطرته. وعلى الرغم من مرور أكثر من سبعة عقود على تأسيس الكيان، واستمرار الدعم الغربي له، إلا أن هشاشته الداخلية تتعاظم. فالمشروع الذي قام على إقصاء الآخر، ومحو هويته، يواجه اليوم صموداً فلسطينياً متجذراً في الأرض والحق. إن الجدل الداخلي حول هوية الدولة، وعلاقتها بالدين، ومستقبل “جمع الشتات”، كلها مؤشرات على أن لحظة التأسيس لم تنتهِ بعد، وأن المشروع لا يزال في حالة مخاض دائم.
وتبقى الحقيقة الأهم: كل مشاريع الاستعمار الاستيطاني في التاريخ انتهت إلى الزوال، لأنها تقوم على نفي الآخر والإيمان بتفوق عرقي مزعوم.
ولكن فلسطين، بأرضها وشعبها، تثبت يوماً بعد يوم أن الاحتلال مهما طال أمده، فهو إلى زوال، وأن الحق الفلسطيني باقٍ لا يسقط بالتقادم.

المراجع والمصادر
صالح، عبد الجواد.(1985). الاحتلال الإسرائيلي وأثره على المؤسسات الثقافية والتربوية في فلسطين المحتلة.لندن : مركز القدس للدراسات الانمائية.
شلحت ، أنطون (2003) .في الثقافة والهوية- مداخلة تأصيلية ،مجلة الآداب، دار الآداب ، بيروت ، ع(7)، يوليو – أغسطس. 29- 37.
كركوتسكين ، آمنون راز.(2007) . المنفى، التاريخ، وقومنة الذاكرة اليهودية: تأمّلات في “العودة إلى التاريخ” كفكرة صهيونية ، مجلة قضايا إسرائيلية ، 75- 97.
مصالحة , نور الدين .(1999). طرد الفلسطينيين . بيروت :مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

AbiSamra, S.(2020) . Emotions and emotional intelligence in curriculum theory: On incorporating EQ skills in teacher education. Paper presented at the 31st Annual Bergamo Conference, on Curriculum Theory and Classroom Practice, October, 16th, Bergamo, Italy.
Abu-Saad, I. (2005). Education and identity formation among indigenous Palestinian Arab youthin Israel. Haifa: Adalah- The Legal Centre.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى