أدب

قراءة نقدية في قصيدة “تداعيات الحرب والسلام” لـ”أحمد شلبي”

صورة البطل في الشعر العربي المعاصر

دعاء خميس جابر | مصر

ماجستير لغة عربية – كلية الآداب، جامعة دمنهور

ظلَّ الشعر العربي منذ فجر تاريخه مرآةً تعكس الواقع السياسي وتتفاعل مع أحداثه الكبرى، فنظم الشعراء في المدح والهجاء والرثاء والتحريض، وكانت القصيدة في كثير من الأحيان وثيقةً تاريخية لا تقل أهمية عن السجلات الرسمية. وفي العصر الحديث واصل الشعراء هذا الدور وإن تجدّدت أدواتهم الفنية وتعمَّقت رؤاهم الجمالية، فجاءت القصيدة الالتزامية لتُعبِّر عن موقف فكري وأخلاقي في مواجهة المواقف الرسمية السائدة.

ولعلَّ قصيدة (تداعيات الحرب والسلام) للشاعر المصري أحمد شلبي من أبرز نماذج هذا الشعر الذي يقف في وجه التيار؛ إذ لم يتحمَّل الشاعر هجومَ شاعر عربي على السادات في ندوة بإحدى الدول العربية، فنظم قصيدته دفاعاً عنه، ظهرت فيها أمارات الغضب الشديد ممَّن هاجموا السادات مُتَّهمين إياه بالخيانة بسبب كامب ديفيد، وقد كانت ردود أفعالهم في غاية العنف، ثم تكالبوا على الفعل نفسه بعد ذلك، لكن السادات فعله بعزّة كرامة أمام العالم، أما هم فقد أهدروا نفائسهم لعقد اتفاقيات سلام مع إسرائيل.

انطلق الشاعر في قصيدته من موقف إنساني أخلاقي قبل أن يكون موقفاً سياسياً؛ فهو يرى أن السادات يملك الحق في أن يُنزل عقابه على هؤلاء المتعصبين دون دراية، وخاطبه مستنكراً هذا الظلم على( بحر الخفيف)

لَكَ أَنْ تُوقِفَ الزَّمَانَ قَلِيلا

ثُمَّ لا تَجْعَلِ الوُقُوفَ جَمِيلا

إِنْ تَشَأْ ..

أَسْقِطِ النُّجُومَ عَلَى الأَرْضِ

وَسُدَّ الهَوَاءَ عَنْهَا طَوِيلا

أَو تَشَأْ

فَاجْعَلِ الظَّلامَ عَلَيْهَا

سَرْمَدَا

وَاطْرَحِ النَّهَارَ قَتِيلا

كُنْ – كَمَا شِئْتَ –

وَمْضَةً وَدَوِيًّا

وَامْلأِ الأُفُقَ دَهْشَةً وَذُهُولا

أَيُّهَا الْعَابِرُ الْجَرِيءُ الَّذِي قَدْ

فَرَقَ الْبَحْرَ ..

حَيْثُ شَقَّ سَبِيلا

مُدْرِكًا

ضَفَّةَ الضِّيَاءِ وَحِيدا

تَارِكًا خَلْفَهُ

الظَّلامَ ثَقِيلا ([1])

تكشف هذه المقاطع الافتتاحية عن الطاقة الانفعالية المتدفقة في القصيدة؛ فالشاعر يمنح السادات سلطةً رمزية على عناصر الطبيعة ) الزمان، والنجوم، والهواء، والنهار(، لا على سبيل التصوير الحقيقي، بل على سبيل المبالغة الشعرية التي تُعبِّر عن عظمة القرار وجسامة الفعل،  والشاعر يُقيِّد هذه الصورة بأداة الشرط (إنْ تشأ) في إشارة إلى أن البطل يملك هذه القوة لكنه يختار أن يوجِّهها نحو الخير.[2]

وقد جاءت القصيدة على البحر الخفيف[3]، وهو اختيار فنيٌّ له دلالته العميقة؛ فهذا البحر يجمع بين خفَّة الإيقاع التي تجعل القصيدة أقرب إلى المخاطَب، وبين قدرته على حمل الطاقة الانفعالية المكثفة دون أن يُخفِّف من وقعها، فكأنه إيقاع الغضب المنضبط والحجة المُلِّحة في آنٍ واحد، ويتجلى التوازي الصوتي في تشكيل وحدات إيقاعية متكررة تُعزز الوحدة العاطفية، وتُحكم البناء الداخلي.

ومن ناحية الأسلوب الخطابي والبنية الإنشائية يغلب على القصيدة الأسلوب الإنشائي الطلبي، فالأمر حاضر بقوة في أفعال (أسقط، واجعل، واطرح، وقطِّع، وافقأ)، وهي أفعال ذات دلالة حركية تُجسِّد القدرة على التحويل والتغيير، وتضع البطل في موقع المُحرِّك للأحداث، وكذلك النداء؛ فهو حاضر في عبارات كثيرة، منها:  (أيها العابر الجريء، أيها الفارس الجميل، أيها السيد)، وكلها نداءات تُنشئ علاقة قوية بين الشاعر والمُخاطَب ، كأن القصيدة رسالة خاصة موجَّهة إلى روح السادات لا إلى عموم القراء، أما السؤال في القصيدة فيتخذ وظيفة تعجبية توبيخية موجَّهة إلى الخصوم، وهي صيغة بلاغية تُعرِّيهم بسلاحهم وتجعلهم – من وجهة نظر الشاعر- في موقف المُدان أمام محكمة الضمير والتاريخ.

يُعدُّ التناصُّ الديني من أبرز الآليات الفنية التي وظَّفها الشاعر لتعميق الدلالة وإثراء البُعد الرمزي في القصيدة [4]؛ إذ لجأ إلى استدعاء صورة قرآنية ليُشكِّل بها إطارًا رمزيًّا يمنح الحدثَ التاريخي أبعادًا تتجاوز السياق المباشر، ويتجلَّى ذلك في قوله: (الذي قد فرَق البحرَ حيثُ شقَّ سبيلا)، وقوله: (فاجعل الظلامَ عليهم سرمدًا)، وهما موضعان يستحضران في وعي القارئ العربي المسلم صورتين قرآنيتين راسختين: صورةَ الخروج من الظلام إلى النور، وصورةَ شقِّ البحر رمزًا للتحوُّل المستحيل الذي يصير ممكنًا.

غير أنَّ الشاعر لا يُماهي بين شخصية بعينها وتلك الصور، بل يُوظِّفها توظيفًا فنيًّا للإيحاء بأنَّ ثمة لحظات في التاريخ البشري تحمل من الثِّقَل الوجودي ما يجعلها تلتقي في بنيتها الدلالية مع صور الإنقاذ والتحوُّل الكبرى في الذاكرة الإنسانية، فالبحر في هذا السياق ليس مجرَّد حاجز مكاني، بل هو استعارة لكلِّ ما يبدو راسخًا لا يُعبَر، والشقُّ فيه دالٌّ على الفعل الإنساني الذي يتحدَّى المستحيل بإرادة تفوق حجم الظروف، وبذلك تنطوي القصيدة على رسالة ضمنية مفادُها أنَّ القرار الذي اتُّخذ لم يكن نزوةً اندفاعية سياسية عابرة، بل كان فعلًا تاريخيًّا من طبيعة تلك اللحظات الفارقة التي تُعيد رسم خرائط الواقع.

ثم طلب الشاعر من السادات أن يثور ضد هذا التعصب، وأن يقطع أكفّ المنافقين والألسنة المُضلِّلة، وأن يفقأ العيون التي لا تستحي، يقول:

ثُرْ

– كَمَا شِئْتَ أَنْ تَثُورَ-

وَجَرِّدْ

فَوقَ كُلِّ الرِّقَابِ سَيفًا صَقِيلا

وَبِهِ جُزَّ أَلْسُنًا ..

مَارَسَتْ بَيْنَ

اللَّيَالِي الهُتَافَ وَالتَّضْلِيلا

لَكَ أَنْ تَفْقَأَ العُيُونَ

التِي لا

تَسْتَحِي

أَنْ تَغُضَّ طَرْفًا كَلِيلا

لَكَ أَنْ تَقْطَعَ الأَكُفَّ

التِي

اسْتَبْدَلَتِ السَّيْفَ في القُصُورِ

طُبُولا ([5])

وهذه الصور البيانية تُعبّر عن الغضب من الكذب المُمنهج أكثر مما تدعو إلى العنف الفعلي؛ فهي تُجسِّد استنكار الشاعر من ازدواجية المتعصبين الذين يستخدمون الكلام سلاحاً للإيذاء لا للحقيقة، وتتصاعد هنا صورة البطل لتصبح صورة المُصلح القادر على اقتلاع الفساد من جذوره.[6]

يُقدِّم الشاعر السادات في المحور الثاني بوصفه ناصحاً مخلصاً لمن يعارضه من الحكام، لكنهم لم يستبينوا الرشد، وقدَّموا أغلى ما عندهم وكانت خسارتهم فادحة، يقول:

أَيُّها السَّيِّدُ الذِي مَا اسْتَبَانُوا

أَمْرَهُ فِيهِمْ –

بُكْرَةً وَأَصِيلا

قُمْ

– رَ –

كَيفَ الفَتِيُّ

أَمْسَى خَصِيَّا

وَجَمِيعُ الرُّؤُوسِ

أَمْسَتْ ذُيُولا

فَالكَمِيُّ الكَمِيُّ

قَادَ ابْنَتَيهِ

وَالشَّرِيفُ الشَّرِيفُ

كَانَ الدَّلِيلا  ([7])

وتكشف هذه الأبيات عن البعد النقدي في القصيدة؛ فالشاعر لا يكتفي بالدفاع عن السادات بل يُشهِّر بخصومه مُبيِّناً أنهم كانوا مجرد ادِّعاء، وأن من يدَّعي الشرف والبطولة قد باع كرامته في نهاية المطاف.

ثم أخذ الشاعر في وصف ما آل إليه حال الخصوم بعد أن رفضوا نصيحة السادات وعزلوا مصر اقتصادياً عن الصف العربي؛ فقد صاروا لا يستطيعون الدفاع عن أوطانهم، ولم يقدِّموا أيَّ جديد، بل يتهاوون في كل المجالات ويعيثون في الأرض فساداً:

سَتَرَاهُمْ فِي مَوقِدِ النَّارِ

زَيتًا

وَدُخَانًا

وَجَمْرَةً

وَفَتِيلا

وَصُخُورًا

مِنَ الجِبَالِ تَهَاوَتْ

تَمْلأُ الأرْضَ غِلْظَةً وَخُمُولا ([8])

وفي هذه الصورة دلالة رمزية عميقة؛ فالصخور التي تسقط من الأعلى إلى الأسفل تُجسّد الانحطاط الحضاري لمن رفضوا الحكمة واختاروا التعصب، وهو بذلك يُقيم مقارنة ضمنية بين ارتفاع السادات إلى مستوى التاريخ وسقوط خصومه في مستنقع الزوال.

يختم الشاعر قصيدته بتوثيق شهادة للتاريخ في حق السادات، ذلك الفارس الجليل الذي سيظل ذكره خالداً كخلود النيل، فكما أن النيل سر استقرار مصر وريادتها، كذلك السادات سرَّ الحياة:

أيُّهَا الفَارِسُ الجَمِيلُ

سَتَبْقَى

مِثْلَمَا – كُنْتَ –

فَارِسًا وَجَلِيلا

قَدْ قَتَلْنَاكَ مَرَّتَينِ

وَلَكِنْ

كُلَّ يَومٍ تَنْسَابُ فِي النِّيلِ نِيلا

سَيِّدَ الحَرْبِ وَالسَّلامِ :

اعْتِذَارًا

وَمَتَى كَانَ عُذْرُنَا مَقْبُولا ؟

فَلَكَمْ

– زَيفًا –

اتَّبَعْنَـا غَـوِيَّا

ولَكَمْ

– جَهْلاً –

اتَّهَمْنَا رَسُولا ([9])

فالموت في هذه الصورة ليس نهايةً بل تحوُّلاً وانصهاراً في جوهر الأمة وذاكرتها، كما ينصهر ماء النيل في الأرض ليُخصِّبها[10]،  وتبلغ القصيدة هنا ذروتها الوجدانية حين يُقرُّ الشاعر باعتذار صريح نيابةً عن الأمة ( سيد الحرب والسلام: اعتذاراً)، ثم يُصرِّح بالخطأ الجماعي في اتهام من كان يُمثِّل صوت العقل والحكمة، وهو اعتراف شعري نادر يحمل ثقل المسؤولية التاريخية.

ويكشف الاستقراء المعجمي للقصيدة عن بنية لغوية محكمة تخدم مشروع بناء صورة البطل بطريقة منهجية واعية، وتتمايز في النص ثلاث طبقات معجمية متفاعلة تُشكِّل في مجموعها المنظومة الدلالية للقصيدة.

تتمثَّل الطبقة الأولى في معجم القوة والفعل (أسقط، اطرح، فاجعل، فرق، شق، قطِّع)، وهي أفعال ذات حمولة حركية تُجسِّد الفاعلية والقدرة، وتضع البطل في موقع المُحرِّك للأحداث لا المتلقي لها، وهي تتجاوز في دلالتها النشاط الجسدي إلى النشاط الفكري والسياسي، فتُعبِّر عن بطولة الإرادة لا بطولة القوة الغاشمة.

أما الطبقة الثانية فهي معجم الظلم والمقاومة (الظالم، التعصب، التضليل، المتكالبون، والذيول)، وهو معجم سلبي يُقابل معجم البطل الإيجابي في علاقة تضادية تُعمِّق الصراع الدرامي في القصيدة، وتُحدد معالم المشهد بوضوح، فيبرز البطل من خلال خصومه كما يبرز النور من خلال الظلام.

وتحتلُّ الطبقة الثالثة ذروة البناء الدلالي، وهي معجم الخلود والتاريخ (الخلود، النيل، الفارس الجليل، الذاكرة، الأيام)، وهو معجم يُؤطِّر الحدث الراهن في فضاء أبعد مدىً وأعمق دلالةً، مُحوِّلاً البطل من ذاكرة فردية عابرة إلى رمز حضاري خالد، وتتكامل هذه الطبقات الثلاث لترسم خريطة شعرية متكاملة تجعل القصيدة عملاً ذا بنية دلالية مُحكمة.

طرح الناقد الفرنسي جان بول سارتر مفهوم الالتزام الأدبي بوصفه مسؤولية الكاتب تجاه عصره ومجتمعه[11]،  وقد تبنَّى النقد العربي هذا المفهوم وطوَّره في سياق ثقافي خاص، حيث ارتبط الالتزام بقضايا الأمة من حرية وعدالة وهوية[12]، غير أن الالتزام بمفهومه الأعمق لا يعني مسايرة التيار الجماعي، بل يعني الوقوف مع الحقيقة حتى حين تكون مُكلفة وغير مرحَّب بها.

وقصيدة شلبي نموذج فريد للشعر الالتزامي الذي لا يلتزم بالتيار السائد بل يقف في وجهه، وهو شكل أرقى من أشكال الالتزام؛ لأنه يُكلِّف أصحابه ثمناً اجتماعياً وأدبياً حقيقيا،ً وقد أشار محمد مندور إلى أن الشعر الحقيقي هو الذي يُقاوم الموجة ويُحافظ على الرؤية المستقلة في مواجهة الضغط الجماعي[13]، وهذا بالضبط ما فعله شلبي؛ حيث تجلَّى غضبه ممن هاجموا السادات، وتجلَّى حزنه بسبب الظلم الذي لحق بالسادات في حياته وبعد وفاته، وكل ذلك انعكس على ألفاظ الشاعر ومعانيه.

المصادر والمراجع:

أحمد شلبي، الأعمال الشعرية الكاملة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، ج1، 2013.

محمد بنيس، الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها، دار توبقال، الدار البيضاء، ج3، 1990.

عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، النادي الأدبي الثقافي، جدة، 1985.

خليل إبراهيم العطية، في العروض العربي، دار الرائد العربي، بيروت، 1987.

غالي شكري، الالتزام في الأدب والنقد، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1974.

لويس عوض، دراسات في أدبنا الحديث، دار المعارف، القاهرة، 1961.

محمد مندور، في الميزان الجديد، نهضة مصر، القاهرة، 1944.

جان بول سارتر، ما الأدب؟، ترجمة محمد غنيمي هلال، دار نهضة مصر، القاهرة، 1967.

[1]أحمد شلبي، الأعمال الشعرية الكاملة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، ج1، 2013، ص217-218.

[2]  المصدر السابق، ج1، 2013، ص217-218.

[3]البحر الخفيف تفعيلته (فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن)، وهو من البحور ذات الإيقاع المتوازن الذي يجمع الانسياب العاطفي وقوة الخطاب. انظر: خليل إبراهيم العطية، في العروض العربي، دار الرائد العربي، بيروت، 1987، ص143.

[4]محمد بنيس، الشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها، دار توبقال، الدار البيضاء، ج3، 1990، ص87-94.

[5]أحمد شلبي، الأعمال الشعرية الكاملة، ج1،  ص218-219.

[6]عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، النادي الأدبي الثقافي، جدة، 1985، ص112.

[7]أحمد شلبي، الأعمال الشعرية الكاملة، ج1، ص220.

[8]المصدر السابق، ص221.

[9]أحمد شلبي، الأعمال الشعرية الكاملة، ج1، 2013، ص221-222.

[10]لويس عوض، دراسات في أدبنا الحديث، دار المعارف، القاهرة، 1961، ص34-41.

[11]جان بول سارتر، ما الأدب؟، ترجمة محمد غنيمي هلال، دار نهضة مصر، القاهرة، 1967، ص55-60.

[12]غالي شكري، الالتزام في الأدب والنقد، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1974، ص22-30.

[13]محمد مندور، في الميزان الجديد، نهضة مصر، القاهرة، 1944، ص78.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى