أدب

مصباح ريما لا ينطفيء

قصة قصيرة

قصة قصيرة، كتبتها: مريم أحمد اسماعيل

​في قريةٍ نائيةٍ ينتشر في أرجائها الفقرُ كالظلِّ الثقيل، كانت (ريما) ذاتُ العشرِ سنواتٍ تعيش في بيتٍ طينيٍّ تهزّه الرياحُ. لمتكن كغيرها من فتياتِ القرية؛ كان في عينيهَا بريقٌ غائرٌ يشي بذكاءٍ فطريٍّ وشغفٍ لا يستكينُ… ​في تلك القرية، كان التعلُّم حكرًا على أبناء الأغنياء، حبيس حجارةُ منازلهم المنيعةُ. لكنّ أباهَا (السيد بدر) – رغم قسوة عيشه – كان يرى في عيني ابنته نورًا يقاوم الظلامَ.

​وفي ظهيرةِ يومِ جمعةٍ، وهي تحملُ زوّادة الطعام لـأبيها، مرّت ببيت (العُمدة). أبصرت من خلال نافذة شبهِ مفتوحةٍ أطفالًا يحفظون الدروسَ ويردّدون الكلماتِ.. انزوت خلف الجدار الرطب، وأخذت تعيد وراءهم بتمتماتٍ خافتةٍ وكأنها تسرق القَبَسَ..
​عادت إلى أبيها وقصّت عليه ما شاهدت، والقت علي مسامعه ما حفظت، مسح الرجلُ على رأسها المغبرة وضمّها إلى صدرهِ، وقال بنبرة خاشعة: ـ “إني أرى فيكِ يا ريما شيئًا لم يَرَه أحدٌ غيري.”
​مع مغيب الشمس، عادا إلى الدار. كانت الأمُّ (فاطمة) تُعدّ عشاءً زهيدًا. حين أخبرها الزوجُ بشغف ريما ورغبته في تعليمها، انحدرت من عينيهَا دمعةُ أسًى:ـ “يا بدرُ… التعليمُ لم يُخلق للفقراءِ أمثالنا. نحن لا نملك ثمنَ الخبزِ.”
فردّ بدرٌ بنبرةٍ يشوبها الإصرارُ: “سأفعلُ المستحيل، كي لا يموتَ حلمُها.”
​أمسك بيدِ ريما واتجه بها إلى دار العُمدة، يرجوه كسرَ القاعدة. لكن العُمدة نظر إليه بكِبر وبطر، وقهقهَ ساخرًا: — “أأنت يا ابن الفقراءِ تريد تعليم ابنتكَ؟ انصرف من أمامي كي لا تلوّثَ ساحتي!”
​عاد الأبُ مكسورًا، يقلّب كفيه في الحسرةِ، بينما انزوت ريما في حجرتها المظلمةِ تبكي بلا صوتٍ حتى استسلمت للنومِ.
​في صباح اليوم التالي، خرج بدرٌ إلى عمله الشاق والهمُّ يفتت صدرَهُ. جلس إلى جوار رجل غريب يُدعى (السيد جمال)، وكان يبدو عليه وقار العلم. سأله الغريبُ عن سر ذبوله، فأفضى له بدرٌ بما في قلبهِ… طبطب الرجلُ على كتفه وقال: -“لا عليك..ستتعلّم ريما..
ـ كيف؟
ـ أنا سأتكلّفُ بتعليمها.”

​مخاض المدينة

لم تكن المدينة التي ارتحلت إليها ريما رحيمةً. سكنت غرفة سقفُها السماءُ فوق الأسطح؛ يثقب بردُ الشتاء عظامَهَا، ويخنقها حرُّ الصيفِ. كانت تعمل طوال النهار في خدمة بيت السيد جمال – تكنس وتغسل – ومقابل هذا العناء ساعةٌ واحدةٌ من التعليم بعد المغربِ.

​تعرّضت لسخرية الخادمات: “جاءت من طين القرى لـتتعلّم!”؛ لكنها ردّت بالصمت والعمل. كانت تكتب حروفَها بفحمةٍ سوداءَ على ظهور الأكياس الممزقة، ثم تمسحُها مع أُفول الفجر.. جاعت حتى كاد القوتُ ينصرف عن خاطرها، ومَرضَت حتى لم يكن ينور ضجيعَهَا إلا شعاعُ سراج خافت يرقص على صفحاتِ كتاب مستعار… ​وكلما أوشكت على السقوط، تمثّلت كفَّ أبيها وصوته: “إني أرى فيكِ شيئًا…” فتمسح دموعَهَا وتبتسمُ للظلامِ.

​العودة والإشراق

مضت السنواتُ، وصقلتْها الغربةُ ومهّدَها الصبرُ. عادت ريما إلى قريتها، لا كما غادرتها صبيّةً مكسورةً، بل شابةً يشِعّ الوجهُ منها علمًا ووقارًا.
​طرقت بابَ منزلهما الكالح. حين فتح بدرٌ البابَ ورآها، تمزق السكون بصُراخ الفرح: — “جاءت روحُ الدار! يا فاطمةُ… جاء النورُ!”

​في الصباح التالي، لم تجلس ريما لتستريحَ. وقفت في منتصف ساحة القرية، ونادت بصوت يحمل ثقل الأمل: ـ “أنا ريما… عدتُ لا لأحتفظ بالعلمِ لنفسي، بل لأغرسه في أبنائكم. بيتي مفتوحٌ لكل طفل حُرِم من الحُلْمِ.”
​تقافز الأطفالُ نحوها حتي اولاد الأغنياء أتو كذلك، يومًا بعد يوم، وتحولت غرفتها الصغيرة إلى منارة.. كانت ريما المصباحَ الذي أبادَ ظلامَ القرية، وأثبتت أن الأحلامَ لا تُؤخذ بالأنسابِ، بل تُؤخذ بالصبر واليقينِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى