أدب

اقرأ واسمع: ريما حمزة تبوح بأسرار الشعر والكتابة والموسيقى

“اِسْمِي «رِيمَا» يَحْمِلُ طَبْعِي، وَفِطْرَةَ اللهِ فِيهِ خِفَّةُ الغَزَالَةِ وَجُمُوحُهَا، وَامْتِدَادُ الظِّلِّ، وَرَمْزِيَّةُ النَّقَاءِ المَشُوبِ بِالقَلَقِ، مِنْ طِفْلَةٍ لَا تُرِيدُ أَنْ تَكْبُرَ إِلَى مُرَاهِقَةٍ سَرَقَتْهَا عَوَالِمُ الكُتُبِ، وَدَهْشَتُهَا الأُولَى أَمَامَ فِتْنَةِ اللُّغَةِ؛ حَتَّى اصْطَدَمَتْ بِأَسْئِلَتِهَا الخَاصَّةِ وَالكُبْرَى فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَعَوَالِمُهَا الَّتِي تَشَكَّلَتْ عَبْرَ الأَلَمِ وَالفَقْدِ وَالنُّضْجِ، فَغَدَتِ ابْنَةَ التَّجْرِبَةِ وَالوَاقِعِ لَا التَّنْظِيرِ، الَّتِي تُؤْمِنُ أَنَّ الأَلَمَ لَيْسَ عَثْرَةً، بَلْ مَعْبَرًا، وَأَنَّ الخَسَارَاتِ الفَادِحَةَ تُهْدِينَا البَصِيرَةَ، أَنْتَمِي لِلصَّمْتِ أَكْثَرَ مِمَّا أَنْتَمِي لِلكَلَامِ، وَلِلتَّأَمُّلِ أَكْثَرَ مِنَ الِانْفِعَالِ، وَأَشُدُّ أَزْرَ رُوحِي لِتَكُونَ حَاضِرَةً فِي دَائِرَةِ النَّبْضِ الشِّعْرِيِّ الحَقِيقِيِّ.”
“مُنْذُ أَيَّامِ الدِّرَاسَةِ الأُولَى، كَانَ قَلَمِي يَكْتُبُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصْرُخُ، كُنْتُ أَكْتُبُ خَوَاطِرَ، وَشِعْرًا، وَتَأَمُّلَاتٍ فَلْسَفِيَّةً تَنْغَمِسُ فِي عُمْقِ الإِنْسَانِ، تَنْقِّبُ عَنْ جَوْهَرِ الوُجُودِ، لَمْ أَنْشُرْ تِلْكَ النُّصُوصَ؛ لَيْسَ لِأَنَّ الخَجَلَ تَمَلَّكَنِي أَوْ لِاتِّسَاعِ مَسَاحَةِ الخَوْفِ عِنْدِي، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَكْبُرُ مَعَ تَجْرِبَتِي بِعُيُونِ الحِرْصِ وَالتَّرَيُّثِ، وَلِأَنَّنِي كُنْتُ أُرَاقِبُ بِصَمْتٍ نُضْجَ التَّجْرِبَةِ، فَاللُّغَةُ عِنْدِي جُرْحٌ يَسْتَحِقُّ الوَقْتَ لِيَنْدَمِلَ ثُمَّ يَشْفَى، وَالشِّعْرُ وِجْهَةُ رُوحِي قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كَلِمَاتٍ تُقْرَأُ.”
“فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ مِنَ الصَّمْتِ المُنْتَظَرِ جَاءَتْ نُصُوصِي الشِّعْرِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَامَةَ تَحَوُّلٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَعَلَى سَبِيلِ المِثَالِ؛ فَإِنَّ نَصَّ (نُغَادِرُهَا وَلَا تُغَادِرُنَا بُيُوتُنَا القَدِيمَةُ) كَتَبْتُهُ كَمَنْ يَنْفَجِرُ مِنَ الدَّاخِلِ بِذَاكِرَةٍ لَا تَذُوبُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ مَرْحَلَةِ الشَّغَفِ الصَّامِتِ إِلَى مَرْحَلَةِ الفِعْلِ وَالتَّحَقُّقِ، وَمِنْ دَائِرَةِ الِانْتِظَارِ إِلَى نِدَاءِ النَّصِّ نَفْسِهِ.”
“لَا تَمْضِي آفَاقُ السُّؤَالِ الفَلْسَفِيِّ فِي جُنُوحٍ عِنْدَمَا تَنْضَوِي فِي تَفَاصِيلِ الغُمُوضِ الشِّعْرِيِّ، فَالشِّعْرُ وَالفَلْسَفَةُ لُغَتَانِ انْزِيَاحِيَّتَانِ تَتَدَاخَلُ بَيْنَهُمَا المَعَارِفُ الإِنْسَانِيَّةُ وَتَسَاؤُلَاتُنَا المَشْرُوعَةُ، اللُّغَةُ الشِّعْرِيَّةُ الغَنِيَّةُ وَالصُّوَرُ البَلَاغِيَّةُ القَوِيَّةُ تُعَبِّرُ عَنِ الأَفْكَارِ الفَلْسَفِيَّةِ العَمِيقَةِ، وَكَذَلِكَ الفَلْسَفَةُ وَالمُوسِيقَى تَتَقَاطَعَانِ فِي دِرَاسَةِ طَبِيعَةِ الوُجُودِ وَالجَمَالِ، وَتَأْثِيرِ الفَنِّ عَلَى النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، وَاسْتِكْشَافِ المَعَانِي العَمِيقَةِ.”
“الفَلْسَفَةُ وَالمُوسِيقَى مُتَكَامِلَتَانِ؛ فَبَيْنَمَا تُحَاوِلُ الفَلْسَفَةُ فَهْمَ المُوسِيقَى بِعَقْلَانِيَّةٍ، تَعْمَلُ المُوسِيقَى عَلَى إِيصَالِ مَا يَعْجِزُ العَقْلُ عَنْ إِدْرَاكِهِ، وَكِلَاهُمَا يَسْعَى إِلَى البَحْثِ عَنِ الحَقِيقَةِ وَالِارْتِقَاءِ بِالإِنْسَانِ، وَهُنَا يَأْتِي الشِّعْرُ لِيَكُونَ (المَايِسْتْرُو) الَّذِي يُنَاغِمُ هَذَا (الهَارْمُونِي) فِي هَيْئَةِ قَصِيدَةٍ.”
“اللُّغَةُ الشِّعْرِيَّةُ تُعِيدُ تَشْكِيلَ وَصِيَاغَةَ الوَاقِعِ عَبْرَ الإِيحَاءِ وَالرَّمْزِ وَإِثَارَةِ الوِجْدَانِ العَامِّ، وَتُقَدِّمُ رُؤًى جَدِيدَةً لِلْحَيَاةِ مِنْ خِلَالِ تَعْبِئَةِ القُرَّاءِ وَتَحْفِيزِهِمْ عَلَى التَّفْكِيرِ وَالتَّأَمُّلِ وَالمُوَاجَهَةِ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ تَقَاطُعَ التَّجْرِبَةِ الذَّاتِيَّةِ مَعَ الوَعْيِ الجَمْعِيِّ يُسَائِلُ المَعْنَى؛ فَحِينَ يَكْتُبُ الشَّاعِرُ هُوَ لَا يُوَثِّقُ أَفْكَارَهُ فَقَطْ، بَلْ يُعِيدُ تَشْكِيلَ ذَاكِرَةِ النَّاسِ وَإِيقَاظَهَا مِنْ سُبَاتِهَا، فَكُلُّ كِتَابَةٍ هِيَ بَحْثٌ عَنِ المَعْنَى فِي فَوْضَى الوُجُودِ.”
“مُنْذُ البِدَايَةِ أَدْرَكْتُ أَنَّ الشَّاعِرَ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِ الوَجَعِ؛ فَلَنْ يَصِلَ إِلَى قَلْبِ اللُّغَةِ؛ فَتَحَوَّلْتُ مِنْ حَالَةِ التَّأَمُّلِ الطَّوِيلِ فِي الهَامِشِ إِلَى مُوَاجَهَةٍ مُبَاشِرَةٍ فِي المَرْكَزِ، وَلَمْ أَعُدْ أَكْتُبُ لِأَنِّي أُجِيدُ الكِتَابَةَ، بَلْ أَكْتُبُ لِأَنِّي وَجَدْتُ نَفْسِي مَسْؤُولَةً عَنْ صَوْتٍ يُطَالِبُ بِأَنْ يُسْمَعَ فِي زَمَنٍ أُصِيبَ الشِّعْرُ فِيهِ بِالِارْتِبَاكِ، وَهَذَا الزَّمَنُ تَتَشَابَهُ فِيهِ الأَصْوَاتُ كَمَا تَتَشَابَهُ أَجْنَاسُ الحَدَاثَةِ فَوْقَ سَفِينَةِ نُوحٍ، زَمَنٌ صَارَ فِيهِ الضَّجِيجُ أَكْثَرَ مِنَ الشِّعْرِ، وَصَارَتِ القَصَائِدُ أَقْرَبَ إِلَى الإِعْلَانَاتِ المُمَوَّلَةِ مِنْهَا إِلَى الِانْخِطَافِ الحَقِيقِيِّ بِالكَلِمَةِ، وَفِي هَذَا الزَّمَنِ تَبْرُزُ الحَاجَةُ إِلَى كِتَابَةٍ لَا تُعْنَى بِإِرْضَاءِ المُتَلَقِّي، إِنَّمَا تُحَقِّقُ لَهُ قِيَمَ التَّغْيِيرِ، لِذَا اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي صَوْتًا يُشْبِهُنِي وَحْدِي حَتَّى لَا أَكُونَ شَاهِدَ زُورٍ عَلَى عَصْرِي، أَوْ مُجَرَّدَ صُدْفَةٍ عَلَى طَاوِلَةِ قِمَارٍ ثَقَافِيٍّ، أَوْ وَاحِدَةً مِنَ النُّسَخِ الكَرْبُونِيَّةِ لِأَشْبَاهِ الشَّاعِرَاتِ وَالشُّعَرَاءِ.”
“فِي الرِّوَايَةِ خُرُوجٌ عَنْ قَوَاعِدِ السَّيْرِ وَتَجَاوُزٌ لِلإِشَارَاتِ الحَمْرَاءِ، فَالسَّرْدُ النَّثْرِيُّ الطَّوِيلُ يَسْمَحُ بِتَصْوِيرٍ مُعَقَّدٍ لِلشَّخْصِيَّاتِ وَتَطَوُّرِهَا وَاسْتِكْشَافٍ عَمِيقٍ لِلْحَبَكَاتِ وَالأَحْدَاثِ فِي سِيَاقٍ اجْتِمَاعِيٍّ أَوْ تَارِيخِيٍّ، وَيَسْمَحُ بِتَعَدُّدِ الأَصْوَاتِ السَّرْدِيَّةِ، وَهَذَا يَخْلُقُ عَالَمًا مُتَكَامِلًا غَنِيًّا بِالتَّشْوِيقِ يُبْنَى بِخُيُوطٍ سَرْدِيَّةٍ طَوِيلَةٍ تَصِلُ لِأَعْمَاقِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ مِمَّا يَجْعَلُهَا فَنًّا أَدَبِيًّا غَنِيًّا وَمُؤَثِّرًا.”
“مَخَاوِفِي لَا تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الحِرْصِ وَالإِحْسَاسِ بِالمَسْؤُولِيَّةِ فَقَطْ، لَدَيَّ شَغَفٌ مَشْبُوبٌ بِالمُطَالَعَةِ وَفُضُولُ اسْتِكْشَافِ عَوَالِمَ جَدِيدَةٍ وَالتَّنَزُّهِ فِي عُقُولِ الآخَرِينَ وَأَفْكَارِهِمْ، بِالإِضَافَةِ إِلَى عَالَمِي الأُمِّ (المُوسِيقَى) الَّذِي يَأْسِرُ حَوَاسِّي، فَذَائِقَتِي المُوسِيقِيَّةُ مُنْفَتِحَةٌ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ فَنٌّ حَقِيقِيٌّ وَيُمْسِكُ بِخَيْطِ رُوحِي وَلَا يَنْحَدِرُ لِمُسْتَوَى (التَّطْبِيلِ).”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى