أدب

الدكتور سعيد الصقلاوي صادحا كالمآذن

  • دراسة نقدية: د.  صالح الطائي

التقيه خلال زيارتي الأولى لسلطنة عمان، جلسنا سوية بمعية الأخ الأستاذ الدكتور علي حداد في مطعم بسيط،وعرفت أنه أحد أبرز الأسماء في المشهد الأدبي والثقافي في سلطنة عُمان، فهو يجمع بين الشعر والسرد والنقد والهندسية المعمارية. إلى جانب دوره عضواً في مجلس الدولة، ورئيساً لجمعية الكتاب والأدباء في عُمان، ومن رواد القصة القصيرة في السلطنة، وقد أسهم بشكل كبير في تأسيس وتطوير الحركة الأدبية العُمانية منذ السبعينيات.

وله العديد من الإصدارات في مجال القصة القصيرة. وفي الشعر، أصْدَر كثيراً من الدواوين الشعرية؛ منها: ترنيمة الأمل وأنت لي قدر، وصحوة القمر، وأجنحة النهار، ونشيد الماء، ووصايا قيد الأرض، وثمانية الوجد، وما تبقى من صحف الوجد، وصادحا كالمآذن، ومجاميع أخرى. وصدر له في مجال الدراسات الأدبية والتاريخية شعراء عمانيون، والشيخ عبد الله الخليلي كلاسيكية متجدّدة، وموسوعة التحصينات العمانية… سيرة تاريخية ومكانية ومعمارية وهي بسبعة أجزاء. والأهم من ذلك حجم الخلق النبيل الذي يحمله والهدوء الذي ينماز به. اهداني بعضا من نتاجه الثر ومن بينه ديوان ” صادحا كالمآذن”.

وحينما اتممت قراءة ديوان ” صادحا كالمآذن” وجدتني محلقا في فضاءات من الدهشة ذلك لأنه كتب بلغة شعرية عالية، متجذرة في التراث العربي والصوفي، مع محاولة للتحديث والتجديد عبر صور مجازية مدهشة ومبتكرة. العنوان نفسه “صادحاً كالمآذن” يوحي إلى القارئبارتباطه ارتباطا مباشرا بالروحاني والديني، مع إيحاء بالصدح المرتفع مثلما هو الأذان، وهذا كله يضع القارئ في فضاء التأمل والعبادة والبحث عن المعنى. وبرأيي أن هذه العبارة تُلخص الاستراتيجية الشعرية والروحية للديوان. فلنحلّل فضاءاتها إلى مكوناتها الأساسية، لكي نتعرف على هذه الشخصية الأدبية العمانية:

فضاء التأمل (Meditative Space):

فلسفيا هو المجال الذهني الذي يتيح للإنسان الانعزال عن المثيرات الخارجية، والتركيز على الأسئلة الجوهرية حول الوجود والمعنى والوعي والذات. إنه فضاء الوجود في الذات، حيث يواجه الإنسان حقيقة ذاته والأشياء كما هي، دون تدخل آراء جاهزة أو أحكام مسبقة.

وفضاء التأمل صوفيا وروحيا هو الحالة التي ينسكب فيها القلب والروح في صفاء داخلي، بعيدا عن الضوضاء اليومية، ليصبح الإنسان على تماس مع جوهره الروحي، ومع البعد الإلهي أو الكوني. ينظر إليه كمكان داخلي مقدس، حيث تتحقق الإشراقات والتجليات الروحية.

وفضاء التأمل نفسيا وعلميا هو البيئة الذهنية أو النفسية التي تتسم بالهدوء والانتباه الواعي (mindfulness)، والتي تتيح للفرد مراقبة أفكاره ومشاعره دون حكم، ما يساعد على تقليل التوتر، وزيادة التركيز، وتحسين الصحة العقلية.

ولذا أرى أنه المجال الداخلي الذي ينشأ فيه وعي الإنسان بذاته وبوجوده وبالعالم من حوله، ويتيح له الاستبطان والتفكر والتواصل مع أعمق مستويات الوعي والروح.ولاسيما وأننا نجد فيه الصمت الناطق، فاللغة المستخدمة ليست لغة يومية مسرعة، بل هي لغة موزونة هادئة، تكاد تكون مُنغمّة، تدفع القارئ إلى إبطاء وتيرة القراءة، والاستغراق في تداعيات الكلمات، والتفاعل معها إلى درجة سماع صداها. فالقصائد لا تقدم إجابات جاهزة، بل تطرح أسئلة تفتح أبواب التأمل، فأسئلة مثل:

هَلْ كانَ عَلَيْنا أنْ نَحْيا

في أرْضٍ أُخْرى.. أنْ

نَحْكي لُغَةً أُخْرى

أنْ نَشْرَبَ مِنْ

ضَحِكِ المُزُنِ الأُخْرى

ونُعانِقَ نَجْماتِ سَماءٍ أُخْرى

ونَشُمَّ أزاهيرَ الجَنّاتَ الأُخْرى

ونُغَنِّي صَمْتاً أُغْنِيَةً أُخْرى

ونُحاوِرَ ما بَيْنَ سُطُورٍ أُخْرى (ص: 141)

ليست أسئلة جغرافياً، بل هي دعوة للتأمل في مفهوم القَدَر والاختيار والهوية. تأمل مدعوم بالصور المجازية مثل:

تَبْقى

ذاكِرةُ المَاءِ،

ونَبْض القلبِ،

بِكُلِّ مَكانْ (ص: 154)

هي ليست صورا مادية واضحة، بل أشبه بأطياف أو انعكاسات، تطلب من القارئ أن يتأملها لاستخلاص دلالاتها، بدلاً من استهلاكها فورا، وهو يتأمل ذاكرة الماء.

فضاء العبادة (Sacred Space):

حينما تسمع لغة المناجاة تصدح من بين ثنايا الديوان،ستصيبك الدهشة حتما، لأنك ستجد العديد من قصائده مكتوبة بصيغة النداء أو المناجاة “يا رب”، “مولاي”، “يا منان”، وكأنك تقف في صف صلاة بخشوع أبدي، فهي المناجاة التي تسمعها في الأدعية والصلوات. وهذا وفق رؤيتي لا يوجه القصيدة إلى الله فحسب، بل يحوّل فعل القراءة إلى فعل مشابه للابتهال، فتشعر بخشوع الروح وكأنك في جلسة ذِكْرٍ صوفي. بل إن توظيف الشاعر للرموز الدينية المألوفة مثل المآذن، التحميد، الغفران، الرضوان، بكل ما تنطوي عليه من روحانية، يجعلها تسهم في استحضار فضاء المسجد والطقوس الدينية في ذهن القارئ، حتى قبل أن يبدأ في تفكيك المعنى الشعري، وهذايهيئه نفسيا لدخول حالة من التقديس والتبتل، ولاسيما حينما يجد هناك إيقاعا هادئا يشبه الترتيل أو الذكر لا في الشعر الخليلي وحده، وإنما حتى في القصائد غير الموزونة بشكل تقليدي. هذا الإيقاع يخلق حالة من الطمأنينة والانفتاح الروحي.

فضاء البحث عن المعنى (Quest for Meaning):

إن من يجازف في دخول دنيا الديوان سيجد حتما أنه سار في رحلة روحية من الأنا إلى الآخر، فالديوان بمضمونهيصور رحلة مجازية إلى العمق، أقصد عمق المعنى، إذ تبدأ العديد من القصائد بالحديث عن الذات “نفسي”، “قلبي”، “عيني”، ثم تمتد إلى الحبيب الآخر البشري أو الإلهي، ثم إلى الكون “الروح”، “الأرض”، “الكل”. وهذه الحركة في الواقع هي جوهر البحث الفلسفي والصوفي، لأنها تعنيالخروج من الذات المنغلقة، والتحرر الوجداني من أجل الاتحاد بالوجود الأوسع للبحث عن المعنى، وسيجد أن حوار الشاعر مع صوت آخر كما في “رفيف” أو مع نفسه، هو تجسيد درامي لعملية البحث عن المعنى. فالمعرفة لا تأتي من الإعلان، بل من الحوار والتساؤل.

في هذا الهدوء تجد انزياحا عن مألوف، فعندما يقول الشاعر

قلبٌ مِنَ الزَّهْرِ لا قلبٌ مِنَ الحَجَرِ

يهدي الحياةَ جَمالَ الرّوحِ والفِكَرِ

يهدي المُحبّينَ أشْواقاً تَآلُفُها

نَسْجٌ مِنَ النّورِ والألْطافِ والذِّكَرِ

قلبٌ تَسامَتْ على جدرانِهِ صُورٌ

مِنَ المَحبّةِ ملء النّبْضِ والبَصَرِ (ص: 63)

فهو يحاول خلق صورة غير مألوفة. هذا الانزياح يزعزع إدراك القارئ المعتاد للأشياء، ويجبره على البحث عن معنى جديدا، على إعادة تعريف المفاهيم الأساسية مثل القلب والحب والوجود. وبرأيي أن الديوان بهذه الكيفية لا يقدم موضوعات للتفكير فيها فحسب، بل يصنع حالة وجودية عميقة يعيشها القارئ. والديوان لا يحاول إقناعك بفكرة ما، وإنما يدعوك إلى تجربة التأمل، وتجربة العبادة، وتجربة البحث. وهذا هو بالضبط ما يرفع هذا العمل الكبير من كونه مجرد نصوص شعرية جميلة إلى كونه مشروعا أدبيا وروحيا متكاملا.

أما من حيث النقد الأسلوبي لمضمون الديوان فقد وجدت أن الشاعر استخدم في القصائد لغة شعرية فصيحة، مع مزج بين التراث والمعاصرة. وتوظيف رائع لكلمات ذات حمولة دينية وصوفية مثل: الرضا، الغفران، الجمال، الروح.ولمعرفة عمق هذه الدلالات، دعونا نتوقف عندها قليلا.

فالرضا الإلهي أو القَناعة بالله (The Divine Contentment) في التصوف والفكر الإسلامي هو أعلى درجات التسليم، يلي “الصبر” في المنزلة، وفيه يقبل المرء بكل ما يأتي من الله، عدّه البلاء رحمة والنعمة ابتلاءً. أي أنه يرضى بقضاء الله سواء في الخير أو الشر. وأثناء توظيف الشاعر للرضا حوَّله من مفهوم سلبي؛ ليس أكثر من مجرد القبول، إلى قوة فعالة إيجابية:

إذا رَضيتَ عَرَفْتَ اللهَ في شَغَفٍ

وصارَ كَنْزُكَ ما يُرْضيهِ في الشَّغَفِ

وصِرْتَ تُبْصِرُهُ في كُلِّ باصِرَةٍ

وصارَ عَيْنَكَ تُبْديها بِكُلِّ خَفي (ص: 133)

فالرضا هنا أصبح وسيلة للمعرفة (عرفت الله) وأصبح طاقة حب (في شغف). وهنا تجلى الرضا ليس كحالةاستسلام، وإنما حالة من اليقظة العاطفية والروحية التي تفتح أبواب المعرفة.

ومثل الرضا الغُفْرَان (The Divine Forgiveness)؛ الذي يرتبط عادة بمحو الذنوب والعودة إلى حالة الطهارة. وقدوظَّف الديوان الغفران على أنه ليس مجرد مسح للخطيئة، وإنما هو شرط أساس للانطلاق والخلق:

مَوْلايَ عَفْوكَ لِلوجودِ كَرامَةٌ

وسَخاءُ لُطْفِكَ يا رحيمُ المَوْرِدُ

مَنْ غيرُ كُفِّكَ يا كريمُ كَريمَةٌ

أوْ غَيرُ عيْنِكَ يا عَطوفُ المُسْعِدُ

أدْعوكَ يا مَوْلايَ يَمْلَُني الرَّجا

وجَلالُ وجْهِكَ يا مُجيري الأَوْحَدُ (ص: 23)

فهنا كان الغفران هو المنبع الذي منه نبعت الكرامة ونبع السخاء، وهو المورد الذي روى الوجود كله، بمعنى أنه قوة مُحيية وخلاقة، وليس فقط قوة مصلحة.

وكذلك مثلهما الجَمَال (The Divine Beauty) فالجمال أحد تجليات الذات الإلهية في الكون، فـ “الله جميل يحب الجمال”. والعارف يرى الله في جمال المخلوقات. ولهذا رفعالشاعر الصقلاوي الجمال إلى مرتبة جعلته منهج حياة وفلسفة وجود. فالجمال وفق رؤيته ليس مجرد زينة، وإنماهو طريق للإيمان والأخلاق:

لَيْسَ في الدُّنيا جَميلٌ

غيرَ أنْ تُعْطي وتَرْضى

فَتَرى في القَلْبِ زَهْراً

وتَرى في العَيْنِ وَمْضا

يَعْمُرُ الحُبُّ نُفوساً

زَرَعَتْ بالحُبِّ أرْضا (ص: 159)

وأعلى وأسمى تجليات الجمال هو فعل العطاء والرضا،فالجمال هنا أخلاقي في جوهره. وهو أيضا وسيلة للإدراك:

في عَيْنِ الحُبِّ،

تَرى ما في الإنْسانْ

تَتَبَصَّرُ حُسْنَ جَمالِ العَالَمِ،

تُدْرِكُ كُنْهَكْ

تُصْبِحُ عَيْنَاكَ سَماءً ونجومْ

وفُؤادُكَ جَناتٍ وسَلاماً وكرومْ (ص: 153)

فعيني الخب وحدها التي تتبصر حسن جمال العالم”.

أما الرُّوح (The Soul/Spirit) نفخة الله المقدسة في الإنسان، وسر الأسرار، وسر التكريم الإلهي لمخلوقاته، فهي في الديوان ساحة المعركة واللقاء، وهي الحيز الذي يتم فيه الصراع بين الشهوة والطمأنينة، وبين البعد واللقاء مع المحبوب.

نَفْسي التي أحُبُّها رَبيبةُ الحَياهْ

الحُبُّ في سَمائِها مُشَعْشِعًا ضِياهْ

والوَجْدُ في حُقولِها مُزَهِّراً جَناهْ

ونَهْرُها الرَّضِيُّ لِلوُجودِ مُبْتَغاهْ

تَفِرُّ مُطْمَئِنَّةً إلى ذرى حِماهْ (ص: 115)

نجد في هذه الومضة أن النفس هي “ربّيبة الحياة”، هي ابنة الحياة التي تُحيي سماوات الشاعر الداخلية. لكنها أيضا، وفي أماكن أخرى، تكون “نفس أمّارة”:

النَّفْسُ آمِرَةٌ بِما هِيَ تَشْتَهي

لكنَّكَ السَّرّاءُ في الضَّرّاءِ (ص: 9)

وهذه النفس الأمّارة تسعى وراء الشهوة عادة، وهذا التناقض يظهر الروح على أنها رحلة وليست حالة ثابتة،رحلة من الأمَّارة إلى اللوامة إلى المطمئنة، وهي الحالات التي أشار لها القرآن الكريم.

إن توافر هذه الكلمات في الديوان يعطي نسيجا دلاليا يبين كيف تفاعلت مع بعضها، لا بمعزل عن بعضها، لتنسج معا رؤية كونية (Worldview) متكاملة. كان فيها الرضا هو الطريق. والُغفران هو النقلة أو التطهير الذي يسمح بالسير في الطريق. والجمال هو الدليل والمرشد في ذلك الطريق، والغاية التي تُرى على طوله. والروح هي المسافر في هذه الرحلة. وبرأيي أن هذا التفاعل خلق لغة شعرية كانت فيها المفردات الدينية والصوفية مفردات وجودية. ذلك لأن الشاعر لم يستعرها من قاموس الدين ليُكسب نصه هالة قدسية، وإنما جاء بها لأنه يرى أنها الأدق فلسفيا وشعريا للتعبير عن تجربة الإنسان في الحياة، تجربة البحث عن المعنى، والخطأ، والتطهير، والجمال، والسلام الداخلي. إن توظيف اللغة من كونها وسيلة اتصال إلى كونها وسيلة تحول، يجعل القارئ لا يفهم المعنى فقط، بل يعيش حالة الرضا، والغفران، والجمال، والروح من خلال الانزياحات الدلالية التي تقدمها القصيدة. وهذه هي سمة اللغة الصوفية العظمى، أنها لغة تجريبية أكثر منها تعريفية. أليس هذا التوظيف هو ما جعل قصيدة مثل “مولاي” (ص: 23) أشبه بمناجاة حية، بدلاً من كونها وصفًا لها؟

تجدر الملاحظة أن الدكتور الصقلاوي يعتمد في أحيان على بحور الشعر التقليدية، وفي أحيان أخرى يتحرر نحو قصيدة التفعيلة، وهذا يعطي تنوعاً إيقاعياً يناسب موضوعات القصائد المتباينة بين التأمل والحب والوجود. فهو يتعامل مع الإيقاع بوصفه أداة مرنة، لا إطاراً صارماً، وهذا ما يمنح قصائده تنوّعاً موسيقياً واضحاً. فبالاعتماد على البحور التقليدية يلجأ في بعض النصوص إلى الإيقاع الخليلي الموروث كالطويل أو الكامل أو الرمل، فيتكرّر الوزن بشكل منتظم، مما يمنح النص إيقاعا ونسقا زمنيا متكررا وقوة إنشادية. وهذا الاختيار غالباً ما يرتبط بالقصائد ذات الطابع الابتهالي والإنشادي كما هو فيقصائد الدعاء والمناجاة مثل قصيدة رجاء (ص: 13)،وقصيدة مولاي (ص: 23)، لأن انتظام الوزن يتناغم مع روح الترتيل القريب من الإنشاد الديني.

لكننا نراه في أحيان أخرى يتحرر من البحور الخليلية التقليدية نحو قصيدة التفعيلة التي تعتمد على تكرار التفعيلة دون الالتزام بعدد محدد من التفعيلات في كل سطر. وأرى أن هذا النمط سمح له بقدر أكبر من المرونة التعبيرية، ولاسيما في موضوعات الحب، والتأمل، والتجربة الوجودية كما هو في قصيدة النار (ص: 67)، وقصيدة عناد (ص: 69)، وقصيدة حلم (ص: 125).

هذا تنقل في الإيقاع بين الامتداد والانكسار، وبين الجملة الطويلة المتدفقة والقصيرة المتقطعة، يبدو وكأن الشاعر أرادمن خلاله أن يعكس اضطراب النفس البشرية أو انسياب الروح في حالاتها المختلفة. والذي أراه أن هذا التنوّع ليس اعتباطياً، وإنما هو اختيار جمالي جاء عن وعي وإدراك. فعندما يكون الموضوع مناجاةً أو دعاءً، نراه يلجأ إلى الوزن الخليلي ليوازي طبيعة الإيقاع الطقسي الجماعي،لكنه عندما يتحدث عن الحب والوجد أو قلق الوجود، يختار قصيدة التفعيلة التي تمنحه مساحةً للانكسار والتقطّع، بما يتناسب مع التجربة الفردية الداخلية. وهذا الانتقال يخلقعادة نوعاً من الموسيقى الداخلية التي تتجاوز الوزن الخارجي، حيث يتكامل الإيقاع مع التكرار الصوتي مثل: يا رب، مولاي، والتوازي التركيبي (تكرار الجمل والعبارات) ليصوغ نغمة خاصة بالديوان. إذن نستطيع القول: إن الشاعر يزاوج بين الصرامة الكلاسيكية والحرية الحداثية، وهذا ما جعل ديوانه قريباً من الأذن التي ألفت سماع القصيدة العمودية، وفي الوقت نفسه منفتحاً على حداثة قصيدة التفعيلة التي تتيح التعبير عن الانفعال والعمق الروحي.

فضلا عن ذلك استخدم الشاعر التكرار كتقنية أسلوبية لتأكيد الأفكار والعواطف، كما في قصيدة “رِقَ لي” حيث يتكرر استخدام “رِقَ لي” كمناجاة ذاتية. فهو وظّف التكرار ليس كزينة لغوية، بل كتقنية أسلوبية لها وظيفة دلالية وإيقاعية ونفسية. وهو حينما يكرر عبارة أو كلمة بعينها لا يكتفي بالتعبير عنها مرة واحدة، بل يضاعف أثرها في وعي القارئ والمستمع. وأقرب مثال إلى ذلك قصيدة رِقَّ لي، حيث تتكرر عبارة “رِقَّ لي” في مطالع الأبيات:

رِقَّ لِي فالليالي أتْعَبَتْني بالضَّنى

واسْتوى في عيوني خَبَراً مُستوطِنا

رِقَّ لِي فأماني النّفْسِ مازالتْ هُنا

وهُنا ذِكْرَياتٌ أوْرَقَتْ في دَمِنا

هلْ لِجَفْنِكَ أنْ يُلقي لنا بَعْضَ السَّنا؟

رِقَّ لِي ذابَ قلبي فيكَ قد ذُبْتُ أنا (ص: 75ـ76)

فهذا التكرار حوّل المناجاة إلى صرخة متواصلة، وجعل الالتماس يتصاعد من مجرد طلب فحسب إلى إلحاح وجودي لا يقبل الإهمال. كما أن هذا التكرار خلق في أغلب الأحيان إيقاعاً إضافياً إلى جانب الوزن الشعري. فحين نسمع “رِقَّ لي، رِقَّ لي”، نشعر وكأن العبارة تتحول إلى ضربة موسيقية متكررة تُنظِّم حركة القصيدة. وبهذا المعنى، يصبح التكرار بمثابة لازمة شعرية، على غرار ما نراه في التواشيح أو الأناشيد الصوفية، حيث اللافتة الصوتية تُعيد المستمع إلى الجو الروحي العام. والتكرار هنا لا يعكس فقط إرادة الشاعر، بل أيضاً حالة القلق والاحتياج في ذاته. فالروح المرهَقة حين تنادي “رِقَّ لي”، هي في الحقيقة تستغيث، وتعيد النداء، لأن النداء الأول لم يُشبع عطشها. وهذا يشبه البُعد الصوفي، حيث الإكثار من الذكر أو الدعاء يعكس الإصرار على التواصل مع المطلق رغم المسافة أو الصمت المطبق.

ومن اللافت أن التكرار لا يأتي بمعنى واحداً دائماً؛ وإنما يكتسب في كل مرة ظلالاً جديدة، في البدء قد يكون رجاءً بالرأفة. ثم يتحوّل إلى صرخة ألم من الضيق. وبعدها يصبح إقراراً بالضعف أمام المحبوب أو الإله. وبهذا تتحوّل الكلمة المتكررة إلى مفتاح دلالي متحرّك، يفتح أكثر من باب في المعنى. علما أن التكرار جاء في نصوص عديدة أخرى من الديوان، منها:

امْلأْ فُؤادي بالنُّجومِ هِدايةً

واجْعَلْ عُيوني مِنْ عُيونِكَ تُبْصِرُ

واجْعَلْ ضَميري كالزُّجاجَةِ ناصِعاً

دُرِّية لِجمالِ وجْهِكَ تَنْظُرُ (ص: 15)

حيث يشبه التكرار الترديد في الأدعية. ومثله في قصيدة “مولاي (ص: 23)، حيث اللفظة تتحول بالتكرار إلى نداء وجداني عميق يعكس حالة الطمأنينة الكونية.

إذن، هو ليس تكراراً لفظياً فقط، بل بناء شعري للمعنى والإيقاع والوجدان سوية، يذكّرنا بطرق المتصوفة في الأذكار والإنشاد، حيث تعاد الكلمة لتنفتح على أفق واسع من المعاني الروحية.

من حيث البنية ينقسم ديوان صادحا كالمآذن إلى قصائد قصيرة ومكثفة، تشكل لوحات متفرقة لكنها مترابطة روحياًلانضوائها على صور مبتكرة وغنية، مثل: “قلب من الزهر لا قلب من الحجر”، حين جاءت رمزية القلب النابض بالحياة مقابل الجمود. غير ذلك هناك تناص واضح مع النصوص الدينية والصوفية كقول: “وأنت كتاب الزمان”، وهذا يخلق حواراً مع التراث.

ويعني هذا أن البنية الشعرية للديوان تميل إلى التفعيلة الحرة مع انسياب موسيقي يجعل النص قريباً من الموشح الروحي. فالديوان يتشكل من قصائد قصيرة ومكثفة، غالبا ما لا تتجاوز الصفحة أو صفحتين، وهذا يمنحه طابعا يشبه المقطوعات الشعرية أو الأوراد الصوفية. وهذه البنية تمنح النصوص تكثيفا شعوريا؛ فكل قصيدة أقرب إلىومضة وإلى لحظة وجدانية مكتملة، لا تحتاج إلى إطناب أو سرد طويل. لكن رغم قِصر القصائد وتفرّقها، إلا أنها تشكل معا لوحات روحية مترابطة، تدور كلها في فضاء المناجاة، والحب الإلهي، والوجود، والزمن. أي أن الشاعر إن كان قد كتب قصائد منفصلة ظاهريا، فإنها في النهاية تشابكتلتصنع نَسَقا روحيا واحدا. وبرأيي أن هذه البنية تضعالقارئ أمام رحلة تدريجية، من السلام والبدايات “سلام” (ص: 7) إلى الدعاء والرجاء “مولاي” (ص: 23) ثم التأمل الوجودي والموت “رحيل” (ص: 77) وصولًا إلى الأمل والنور “يقيني” (ص: 149). أما استخدام التكرار: يا رب، مولاي، رجاء، سلام فقد جاء به الشاعرُ ليؤدي دوراً إيقاعياً ودلاليا معا، فيقرب النص من طقس إنشادي.

ولغة الديوان جمعت بين الفصحى السهلة والإشراق البلاغي؛ فهي لغة لا تتكلف، لكنها تُبقي على ومضة الصورة الشعرية مثل: “قلبٌ من الزهر لا قلبٌ من الحجر”. وهناك ميل إلى الوحدة الموضوعية، فمعظم القصائد تنبع من منبع واحد هو الارتباط بالمطلق.

أما الصور التي وظفها الشاعر فهي تقوم على البساطة الموحية أكثر من التعقيد الرمزي. وهي في الواقع صور مأخوذة من الحياة اليومية أو من الطبيعة، لكنه نجح في إعادة صياغتها في إطار روحي، مثل: “قلب من الزهر لا قلب من الحجر”، إذ نجد هنا نجد مفارقة بصرية ورمزية،الزهر رمز للحياة، والرقة، والنمو؛ مقابل الحجر رمز الجمود والقسوة. بهذه الصورة ربط الشاعر بين القلب الحيّ المحِب،والقلب الميت القاسي، في استعارة وجودية واضحة. حتى عنوان الديوان نحا هذا المنحى، فالمئذنة رمز للعلو والنداء الروحي. وتشبيه الصوت الإنساني بالمئذنة يرفع التجربة الفردية إلى مستوى الجماعة والطقس الديني. وبالمجمل نلاحظ هنا أن الصور مزدوجة البعد: فهي حسية زهر، حجر، مآذن، لكنها تُحيل إلى معانٍ روحية ووجودية أعمق.

وتجدر الإشارة إلى التناص كان عنصرا بارزا في الديوان، إذ ادخل الشاعر نصوصا دينية وصوفية ضمن نسيج شعره، منها على سبيل المثال:

وأنت كِتابُ الزَّمانِ

وشِعْرُ الجنانِ

وقِصّةُ أحْلى حّياهْ (ص: 102)

فعبارة “وأنت كتاب الزمان” تتناص مع صورة الكتاب المقدس، واللوح المحفوظ في التراث الديني، حيث يصبح المحبوب أو المخاطب رمزا للمعنى الكوني المكتوب.

كما أن تكرار عبارات مثل: يا رب، مولاي، سلام يجعل النصوص أقرب إلى أدعية مزخرفة شعريا، وهو تناص مباشر مع لغة المناجاة القرآنية والحديثية والصوفية أيضا.

غير ذلك هناك بعض المقاطع تستدعي أصداء قرآنية واضحة، خذ على سبيل المثال:

يَداكَ مَبْسوطَتانِ لا كَمْثلِهما

يَدانِ في المَنِّ والخَيْراتِ تُرْتَفَدُ

فيا سَميعُ.. فُؤادي أنتَ تُبْصِرُهُ

ويا شَفيعُ.. ضَميري فيكَ يَسْتَنِدُ (ص: 27)،

فجملة “يداك مبسوطتان لا كمثلهما” تُذكّرنا بآية بقوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان}. لكن التناص هنا لا يُستخدم كاقتباس جامد، بل يتحول إلى حوار حي مع التراث، ذلك لأن النصوص المقدسة والصوفية تمنح الديوان عمقا روحيا، ولاسيما وأن الشاعر أعاد تشكيلها في ضوء تجربته الذاتية.

إن ديوانا ينضوي على كل تلك المحطات التكاملية، فضلا عن حالة القلق والبحث التي تثيرها قصائده، لا يخلُ من حاجة إلى نقد وجودي، فالعديد من القصائد عبرت عن قلق وجودي، كالسؤال عن المعنى والمصير والعلاقة بالذات والآخر:

هَلْ كانَ عَلَيْنا أنْ نَحْيا

في أرْضٍ أُخْرى.. أنْ

نَحْكي لُغَةً أُخْرى

هَلْ كانَ عَلَيْنا ألاَّ نَقْرُبَ أشجاراً

ألاّ نَأْنَسَ كَهْفاً

ألَّ نَغْرِفَ نَهْراً

ألاّ نَحْمِلَ خُبْزاً

ألاّ نُأوي طَيْراً

هْلْ كانَ عَلْينا أنْ

نَسْتَوْطِنَ أحْلاماً أخَرى

فهذه المقاطع المختارة من قصيدة “هل”، تعبر في الواقع عن حيرة الوجود والهوية، والمواجهة مع الذات، فالشاعر يحاور نفسه ويواجه أسئلة الوجود من خلال قصائد مثل  “هاجس” (ص: 129) و”رفيف” (ص: 161)، وغيرها. وفي قصائد كثيرة يحضر سؤال الحضور الإنساني في العالم. الإنسان كائن محدود، يتأرجح بين الرغبة في الخلود والإدراك العميق لفنائه. قال الشاعر في قصيدة رحيل (ص77):

سَنَرْحلُ

مِثْل كُلِّ الكَوْن يَرْتَحِلُ

ويَبْقى

واجِدُ الأزْمانِ والأملُ (ما يُؤّمَلُ)

لنا

أنْ لا نَجوعَ بِها

ولا نَعْرى

إذ نرى هنا وعيا وجوديا بالفناء (كل شيء يرحل) يقابله حضور مطلق لا يزول (الله/ المطلق/ الأمل). هذه الجدلية بين الزائل والباقي هي لبّ الوجودية الدينية.

لقد رسمت القصائد صورا إنسانية عميقة، كما في قصيدة النار:

النّار تَحْرقُ واطِيها

ويُطْفِئٌها

ماءُ الهِدايةِ

إمّا الدَّرْبُ مقْطوعُ

أمّا الوُصُولُ

فإنَّ الرّوحَ تَعرفُهُ

والتِّيهُ دَرْبٌ

لِمَنْ بالتِّيهِ مَطْبوعُ (ص: 67)

إذا تبدو الحرية من خلال هذا البوح مسؤولية، فالإنسان يختار بين التيه والنور. وهذه رؤية وجودية قريبة من مقولات كيركغارد وسارتر؛ حيث يُلقى الإنسان في عالم يضطره إلى اتخاذ القرار، للدلالة على أن الإيمان لا يُفرض من الخارج، بل يُقدَّم كخيارٍ أصيل لإنقاذ الذات من الضياع.

كذلك نرى القلق الوجودي (Existential Angst) والبحث عن المعنى (Search for Meaning) حاضرا بوضوح، لا كضعف، وإنما كحافز على البحث، ففي قصيدة هاجس:

مَرَّ بي لَكِنَّهُ هلْ درى بي!

حِرْتُ. لَمْ أعْرِفْ. فَطارَ صَوابي

انْتَظَرْتُ. طالَ شَوْطُ انْتِظاري

ومضى وقْتي بِدونِ جَوابِ

أقْلَقَتْني ريحُ فِكْري، فَظَلَّتْ

هاجِساتي صَعْبَةُ الانْجِذابِ

فَطَفَتْ على يَقيني ظُنُوني

وغَشَتْ عَيْنَيَّ سُحْبُ الضَّبابِ (ص: 129)

نجد تصويرا حقيقيا لقلق داخلي يهدد اليقين، لكنه في ذات الوقت تعبير عن جوهر التجربة الوجودية: لا معنى جاهزا، وإنما بحثا مستمرا يرافقه الشك.

وفي العديد من قصائد الديوان، جاء الحب كجواب وجودي، فهو تجاوز كونه عاطفة فردية، ليصبح موقفا أنطولوجيا من العالم، ففي قصيدة قلب من الزهر (ص63)، يتضح أن الحب ليس مجرد شعور، بل هو شرط وجودي للإنسان الأصيل. فالقلب المفعم بالحب يضمن استمرارية الحياة، بينما القسوة تعني موتا روحيا.

فضلا عن ذلك، نظر الديوان إلى الزمن والوعي بالمصيربوصفه سيلا لا يتوقف، يُقرّب الإنسان من نهايته، كما في قصيدة أنت بين الناس نجم:

إنَّ هذا (الآنَ) ماضٍ

وغَداً لِلْحُلْمِ أمْضى

فَتَعَلمْ كيف تَهْنا

وتَعَلَّمْ كَيْفَ تَرْضَى (ص: 145)

نفهم أن الزمن يُفقد الإنسان استقراره، لكنه في الوقت نفسه يمنحه إمكانية صناعة معنى آخر في اللحظة الحاضرة، وهذا التوتر بين الزمن العابر والحلم الدائم يعكس تجربة وجودية صافية.

ورغم حضور القلق والفناء والشك، إلا أن الديوان يقترح خلاصا وجوديا عبر الإيمان والمحبة، كما في قول الشاعر في قصيدة يقيني:

يَقيني فيكَ يَعْفو كُلَّ ذَنْبي

وظَنِّي فيكَ حُسْنٌ زادَ حُسْني

رَجائي فِيكَ يا رب ابْتِهالٌ

وقلبي مِنْكَ مَغمورٌ بِمنِّ (ص: 149)

فهنا يظهر البعد الوجودي الديني بجلاء، فالخلاص لا يتحقق بالمعرفة العقلية وحدها، بل بتسليم القلب للمطلق.

من هنا أرى ان ديوان صادحا كالمآذن هو نص وجودي بامتياز؛ لأنه واجه سؤال الفناء والرحيل. ثم أكد حرية الاختيار بين النور والتيه. وعبر عن قلق الذات الباحثة عن المعنى. واقترح الحب والإيمان كجوابين على العبث والعدم.

وهو بذلك وضع الإنسان أمام مرآته الوجودية حيث هشاشة المصير، وقلق الحرية، ورغبة الخلاص. لكنه في النهاية انحاز إلى الأمل بوصفه جوهر التجربة الإنسانية. وكل هذه الإرهاصات تتيح لنا التعامل مع الديوان مجازيا، ولاسيما وان الرمزية الدينية، مثل: المآذن، الصلاة، الغفران، الرضا، كلها تم توظيفها لتجسيد العلاقة مع الله تعالى ومع الوجود.فالطبيعة كمجاز: الزهور، الطيور، النجوم، الماء، هي رموز للحياة، وللجمال، وللروح، فإشارة:

تَأْوي إلى أغْصانِ كَفِّهِ الطُّيورُ

وفي فُؤادِهِ تُنَوّرُ الزُّهورُ

الحبُّ فيهِ جامِعٌ والنُّورُ

لَهُ الهنَاءُ والسَّلامُ والحُبورُ (ص: 43)

في قصيدة مأوى توحي بالأمان والحب. وتجعل الجسد كمجاز نراه في العيون، القلب، الروح، التي جاءت كرموز للإدراك والمشاعر والوجود.

وفقا لذلك أرى أن عنوان الديوان “صادحاً كالمآذن” هو مفتاح لفهم التجربة الشعرية؛ فالمئذنة هنا ليست مجرد بناء معماري رمزي، بل مجازٌ للعلو الروحي والنداء الإنساني.وحين يشبه الشاعر نفسه أو صوته بالمئذنة، فهو يضع ذاته في موقع المتجاوز للتراب، المنادي بالسمو من علو ورفعة. هنا تحول الصوت الشعري إلى نداء كوني، لا مجرد كلمات على الورق. وفي قصيدة قلب من الزهر لا قلب من الحجر (ص: 63)، تحول القلب إلى فضاء مجازي متعدّد، فالقلب الزهرة: رمز للروح الحية، والرقة، والإزهار. والقلب الحجر: رمز للجمود، والقسوة، والموت الداخلي. وبهذا يصبح القلب ساحة صراع بين الحياة والموت الروحي، والإنسان يتحدد مجازه بين الزهر والحجر. وقد أكد هذا أن المجازات في الديوان لا تنتهي فقصيدة النار (ص67) كانت غنية بالمجاز: “النار تحرق واطيها… ويطفئها ماء الهداية”، حيث جاء النار مجازا للشهوة، والغواية، وحتى قسوة التجربة الإنسانية. وجاء الماء مجازا للخلاص، والإيمان، والطمأنينة. وجاء التيه مجازا للضياع الوجودي، وهو طريق من يسلم نفسه للعبث. وهنا استخدم الشاعر ثلاثية مجازية النار/ الماء/ التيه ليمثّل بها معركة داخلية يعيشها كل إنسان.

وفي قوله “وأنت كتاب الزمان” (ص: 102)، يتحول المحبوب أو المخاطب إلى مجاز شامل للمعرفة والقدر معا. فالكتاب هنا ليس أوراقا مكتوبة، بل هو رمز لمصير مفتوح، حيث تُكتب فيه تواريخ الأرواح. والزمن نفسه يغدو كتابا تتقاطع فيه السطور البشرية مع السطر الإلهي.

ولهذا السبب يجد المتلقي ديوان “صادحا كالمآذن” مليئابرموز الطبيعة، مثل البحر والنجوم والطيور والنور. وهذه العناصر ليست مجرد ديكور يضاف إلى الديوان، لأنهاتتحول فيه إلى مجازات وجودية، فالبحر يمثل اتساع الوجود وغموضه. والطيور تمثل الروح في تحليقها نحو الحرية. والنور يمثل الحقيقة المطلقة. ومن خلال هذه الصور، يصبح الكون نفسه كتابا مجازيا يقرأه الشاعر بحثا عن المعنى.

أما تكرار العبارات مثل يا رب، مولاي، سلام، رِقَّ لي، وغيرها، فهي محاولة ناجحة لتحويل الكلمة إلى مجاز صوتي يتجاوز معناها المباشر. فالكلمة المكرّرة وفق هذا السياق تتحول إلى رمز إيقاعي للحنين الروحي، وكأنها نافذة مفتوحة بين الأرض والسماء. وبالتالي أرى إنه ديوان لا يكتفي بالتصريح، بل يجعل القارئ يعيش في فضاء رمزي، حيث كل صورة هي بوابة إلى معنى أعمق من ظاهرها. ويعني هذا أن البعد الفلسفي واضح جدا في الديوان.

وفي ترسيخ مقصود ومتعمدٍ للعلاقة بين الإنسان والكون،طرح الديوان رؤية فلسفية ترى الإنسان جزء من كلٍ كونيٍ، ففي قصيدة “الكل”:

لا يُصْبِحُ الكُلُّ كُلًّ حينَ تُدْرِكُهُ

لكِنَّهُ بِظِلالِ الكُلِّ يَلْتَحِفُ

فالكُلُّ أوَّلُهُ يُلْفي بِآخِرِهِ

والكُلُّ أكْمَلُهُ ما فيهِ يَأْتَلِفُ

فإنْ نَظَرْتَ إلى كُلٍّ سَتَعْرفُهُ

بِحُسْنِهِ وكَمالٍ لَيْسَ يَخْتَلِفُ (ص:109)

نجد هناك تأملا في علاقة الإنسان بالزمن من خلال حوار مع الذات، تماما مثلما هو في: “الزمان به مكاني والمكان به زماني” في قصيدة “رفيف”.

معنى هذا أن الديوان يرفع من قيمة الجمال والحب كمسارين للمعرفة والوجود. طالما أن النص يثير أسئلة الوجود والمصير، فقصيدة رحيل (ص: 77) تربط بين حتمية الفناء وإمكانية النجاة عبر الإيمان. وثمة جدلية هناكبين المطلق والنسبي، فالمطلق هو الله/ النور/ المحبة، والنسبي هو تجربة الإنسان التي تحاول بلوغ هذا الأفق.في مقاطع مثل النار (ص: 67) وعناد (ص: 69) يظهر التفكير الفلسفي في الخير والشر، والاختيار الحر للإنسان في مواجهة التِّيه. وبناء عليه أجد أن القصائد تقترح فلسفة قائمة على اليقين، والمحبة، والجمال كركائز للوجود. في الأقل هذا ما صرحت به قصيدة رحيل (ص77)، فهذا الوعي بالرحيل يعكس الفلسفة الوجودية التي ترى أن الفناء قدر حتمي، بينما البحث عن البقاء يرتبط بالمطلق/ الجوهر.وهذا النص يضع الإنسان بين محدودية الزمن واستمرار المطلق، أي بين العدم والوجود.

ومثلها في قصيدة النار (ص: 67) نجد جدلية فلسفية حول الخيار الأخلاقي، النار (الشر/الشهوة) مقابل الماء (الخير/الهداية). ونجد هنا أن هنا الحرية ليست ترفاً، بل مسؤولية وجودية تفرض على الإنسان أن يختار معنى حياته. وفي قصيدة هاجس:

أقلقتني ريح فكري،

فظلّت هاجساتي صعبة الانجذاب

فطفت على يقيني ظنوني

وغَشَتْ عَيْنَيَّ سُحْبُ الضَّبابِ (ص: 129)

نجد تصويرا دقيقا للقلق الفلسفي، حيث العقل يثير الشك في اليقين. القلق لا يلغيه، بل يجعله أكثر أصالة. والفلسفة الوجودية هنا تلتقي مع التجربة الشعرية، القلق هو الطريق إلى الوعي لا عائق أمامه. أما الحب فيبدو كجوهر أنطولوجي، وهو ليس انفعالاً، بل مبدأ وجوديا.

وهكذا نلمس بين ثنايا الديوان نزعة صوفية واضحة؛ مع إشارة إلى العطاء الروحي، ففي البحث عن الاتحاد مع الذات الإلهية أو مع الكون:

“وأنا الذي قلبي جنان مكتبة

فاضت على العشاق والأوطان”

والكثير من القصائد الأخرى نجد أنها تأخذ شكل المناجاة كقصيدة “مولاي” على سبيل المثال، وهو أسلوب صوفي تقليدي. أما عن الفناء والبقاء فنجد هناك إيحاءات بالفناء في المحبوب الأكبر الله أو الجمال المطلق، كما في “رق لي”. ونجد بوضوح أثر المناجاة الصوفية التي تعيدنا إلى تراث ابن الفارض والحلاج وابن عربي، لكن بروح معاصرة مبسطة. فالتوجه إلى الله تعالى يتكرر كحبيب ومولى وسند، بما يجعل النصوص أقرب إلى الأوراد الشعرية. وكذلك العلاقة بين العبد والرب تُصاغ بصور الحب الإنساني نفسها، عناق، شغف، شوق، وهو ما يعكس توحيد التجربة الروحية بين الدنيوي والقدسي، أما حضور الرمز الكوني: النور، النجوم، الطيور، البحر، فيجعل التجربة الصوفية ذات أبعاد كونية، حيث يتداخل الجمال الطبيعي مع الجلال الإلهي. وبرأيي أن هذه الصور تجعل الله سبحانه حاضرا في كل رمز طبيعي، في النور، والبحر، والطيور، والزهر.

إن الحب في البعد الصوفي يختلف عن الحب الوجودي، فالحب في الفلسفة هو أساس الوجود الإنساني، أما في الصوفية فهو وسيلة الاتحاد بالمطلق. ومن خلال الصوفية حاول الشاعر استدرار الرحمة الإلهية والانصهار في حضرته. وتناولت قصائد الديوان للفناء والبقاء في انتقال صوفي، فالموت ليس عدماً، بل هو انتقال أو رحيل عن الدنيا، والخلود بالله. فالصوفي بطبيعته يرى أن الفناء الجسدي يقابله بقاء الروح في الله، وهو ما يظهر في التفاؤل الذي يختم به النصوص.

من هنا نجد في الديوان تقاطعات مع الفلسفة والتصوف، فالوجودية الفلسفية ترى القلق والفناء حقائق وجودية لا مفر منها، وتبحث عن المعنى عبر الحرية والاختيار. أما التجربة الصوفية فتحتضن هذه الحقائق، لكنها تعيد توجيهها نحو الله ليصبح القلق شوقًا، ويصبح الفناء بقاء. وقد جمع الديوان بين هاتين الرؤيتين، فهو نص وجودي في قلقه وأسئلته، وصوفي في جوابه وخلاصه.

وآخر ما يمكن ان أسطره عن هذه التجربة الثرة أن ديوان صادحا كالمآذن انماز بعمق الرؤية، وثراء اللغة، وتنوعالمقامات بين العبادة والحب والوجود، والنجاح في المزج بين الأصالة والمعاصرة.

ولم أجد ما يعترض رؤيتي الإيجابية هذه سوى بعضالقصائد التي قد تبدو مغلقة على القارئ غير المتخصص في الرموز الصوفية، فلا يقوى على فقه وفهم معناها، وخوف من أن يخلق تكرار بعض المفردات شيئاً من الرتابة لدى بعض المتلقين. أما غير ذلك فقد جمع الديوان بين الشاعرية العميقة والرؤية الفلسفية والصوفية. وهذا يعني أنه ليس مجرد مجموعة قصائد، بل هو رحلة داخل الذات الإنسانية بحثاً عن الجمال والحب والله. وقد نجح الشاعر في صنع عالم شعري متماسك، أكد من خلاله أن الشعر كان ولا يزال وسيبقى وسيلة للمعرفة والارتقاء، وان البشرية لن تتخلى عن الشعر مطلقا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى