مقال

مخطط مسقط الكبرى بين إعادة رسم العاصمة وصناعة مستقبل عمراني جديد

المستشار : عوض الله الشيخ العوض
يعد مخطط مسقط الكبرى واحدًا من أهم المشاريع التخطيطية الاستراتيجية في سلطنة عُمان، فهو ليس مجرد توسع عمراني أو مشروع تطوير عادي، بل رؤية شاملة لإعادة تشكيل العاصمة العُمانية بطريقة حديثة ومتوازنة تستوعب النمو السكاني والاقتصادي المتوقع حتى عام 2040. ويأتي هذا المخطط ضمن توجهات رؤية عُمان 2040 التي تهدف إلى بناء مدن مستدامة وأكثر كفاءة وجودة للحياة، مع الحفاظ على الهوية العُمانية والبيئة الطبيعية.
ويمتد مخطط مسقط الكبرى جغرافيًا من ولاية مطرح ومسقط في الشرق وصولًا إلى ولاية بركاء في الغرب، بطول يقارب 100 كيلومتر على امتداد الساحل، وبمساحة تتجاوز 137 ألف هكتار تقريبًا، ليشكل نطاقًا حضريًا متصلًا يربط بين محافظة مسقط وأجزاء من محافظة جنوب الباطنة. ويهدف هذا الامتداد إلى معالجة التوسع العمراني العشوائي الذي شهدته العاصمة خلال العقود الماضية، وتحويله إلى نمو منظم قائم على التخطيط طويل المدى.
وقد جاء التفكير في إنشاء مخطط مسقط الكبرى نتيجة عدة تحديات رئيسية ظهرت مع ازدياد عدد السكان وتوسع الحركة الاقتصادية في العاصمة. فمحافظة مسقط تستحوذ على نسبة كبيرة من سكان السلطنة، إضافة إلى تمركز الوظائف والخدمات والاستثمارات فيها، وهو ما أدى إلى ضغط متزايد على الطرق والبنية الأساسية والخدمات العامة. كما أن النمو العمراني السريع خلق تباعدًا بين مناطق السكن والعمل، ورفع من الاعتماد على المركبات الخاصة، وأدى إلى ظهور كتل إسمنتية واسعة على حساب المساحات الخضراء والطبيعة الساحلية والجبلية التي تميز مسقط.
ومن أبرز ما يثير اهتمام الناس في هذا المخطط هو الحديث عن المناطق التي دخلت ضمن نطاق مسقط الكبرى والمناطق التي خرجت منه أو أعيد تصنيفها. فالمفهوم الجديد لمسقط الكبرى لم يعد يقتصر على الحدود الإدارية التقليدية لمحافظة مسقط، بل أصبح مفهومًا حضريًا واقتصاديًا أوسع يربط العاصمة بالمناطق المحيطة بها. ولهذا دخلت ولاية بركاء ضمن الامتداد الحضري الجديد باعتبارها منطقة مستقبلية للنمو السكاني والاستثماري، كما جرى التركيز على مناطق مثل المطار والخوض والرسيل وخزائن باعتبارها مراكز اقتصادية وتنموية متخصصة مرتبطة بالعاصمة الكبرى الجديدة.
أما المناطق التي خرجت من التصور التقليدي لمسقط الكبرى، فالمقصود بها ليس الإخراج الإداري الكامل، وإنما إعادة توزيع الوظائف العمرانية والتنموية بحيث لا تبقى جميع الأنشطة والخدمات مركزة في قلب العاصمة القديم. فالمخطط يسعى إلى تقليل الضغط على المناطق المركزية المكتظة مثل مطرح وروي وبعض الأحياء القديمة، من خلال نقل جزء من الأنشطة الاقتصادية والسكانية إلى مناطق جديدة أكثر قدرة على التوسع والاستيعاب. وهذا يعني أن بعض المناطق لم تعد تُعامل باعتبارها مركز الثقل الوحيد للعاصمة، بل أصبحت جزءًا من شبكة حضرية أكبر وأكثر توازنًا.
ويحمل هذا التحول معاني كبيرة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والعمراني. فعندما تدخل مناطق جديدة ضمن مسقط الكبرى، فإن ذلك يعني زيادة الاستثمارات الحكومية والخاصة فيها، وتحسين الطرق والخدمات والبنية الأساسية، ورفع القيمة الاقتصادية للأراضي، وتوفير فرص عمل وسكن جديدة.

    كما يعني أيضًا أن التخطيط المستقبلي لهذه المناطق سيكون أكثر تنظيمًا، مع التركيز على النقل العام والمساحات الخضراء والاستدامة البيئية. وفي المقابل، فإن تقليل الضغط عن المناطق المركزية القديمة يمنحها فرصة لإعادة التأهيل والحفاظ على هويتها التاريخية والثقافية بدلًا من استنزافها عمرانيًا.
ويرتكز مخطط مسقط الكبرى على عدة أهداف رئيسية، أولها بناء مدينة مترابطة تعتمد على شبكة نقل حديثة ومتعددة الوسائل تشمل الحافلات وربما المترو مستقبلًا، بهدف تقليل الازدحام المروري والاعتماد على السيارات الخاصة.

   كما يهدف المخطط إلى إنشاء مدينة خضراء تحتوي على حدائق ومساحات مفتوحة وممرات للمشاة، مع حماية الأودية والسواحل والمناطق البيئية المهمة. كذلك يركز على جعل العاصمة أكثر جذبًا للاستثمار من خلال توزيع الأنشطة الاقتصادية وإنشاء مراكز جديدة للابتكار والصناعة والسياحة والخدمات.
ومن بين الأهداف المهمة أيضًا تعزيز جودة الحياة، حيث يسعى المخطط إلى إنشاء أحياء متكاملة تضم المدارس والمرافق الصحية والخدمات التجارية والترفيهية ضمن نطاق قريب من السكان، بدلًا من الاعتماد على التنقل الطويل بين مناطق متباعدة. كما يهتم المخطط برفع مستوى الأمان والحماية من الكوارث الطبيعية عبر إنشاء سدود وقنوات تصريف مياه وتطوير بنية أساسية قادرة على مواجهة التغيرات المناخية والسيول.
ويُنظر إلى المخطط كذلك باعتباره مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا سيغير شكل العاصمة مستقبلًا، إذ تشير التوقعات إلى ارتفاع حجم الاستثمارات المرتبطة بمسقط الكبرى بشكل كبير خلال السنوات القادمة، مع توسع المشاريع السياحية والتجارية والسكنية. كما أن المخطط يسعى إلى خلق مدن وأحياء جديدة مرتبطة ببعضها ضمن شبكة حضرية حديثة تجعل من مسقط مدينة أكثر تنافسية على المستوى الإقليمي.
وفي النهاية فإن مخطط مسقط الكبرى لا يمثل مجرد تغيير في الخرائط أو الحدود، بل يعكس تحولًا شاملًا في طريقة التفكير العمراني في سلطنة عُمان. فهو انتقال من مفهوم العاصمة التقليدية المحدودة إلى مفهوم المدينة الكبرى المتصلة والمستدامة، التي تتوزع فيها التنمية بشكل أكثر عدالة وكفاءة. وهذا التحول سيؤثر على شكل الحياة اليومية للسكان، وعلى الاقتصاد والاستثمار والنقل والسكن وحتى على الهوية البصرية للعاصمة خلال العقود القادمة، ليصبح مستقبل مسقط قائمًا على التخطيط الذكي والاستدامة بدلًا من النمو العشوائي والتكدس العمراني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى