مقال

سحر وبيوتها المقصوصة… أحلام البشر وتاريخ الحجر

الباحثة شذى يحيى | القاهرة 

“لم تفقد طفولتي سحرها أبداً، ولم تفقد غموضها، ولم تفقد دراميتها، الطفولة هي لحظة السحر حيث يصبح الحلم واقعاً” .
لويز جوزفين بورجوا
للقماش والنسيج سحر في حياة البشر عموماً وحياة النساء خصوصاً، هو الستر والزينة والدفء والأمان من العيون، هي الراحة التي تجعل خيوطه وكأنه وعاء لمشاعرهن، مثله مثل البيوت التي هي أوطان صغرى يمارسن فيها أقصى حميميتهن ويعتقدن أنهن ملكات.
كل إمرأة وهي طفلة صغيرة كانت تحلم بعروسة وبيت، تجمع قصاصات القماش كالكنوز لتصنع منها دمية أو لتصنع ملابس ملونة لعروستها البلاستيكية، والطفلة سحر الأمير لم تكن استثناء عن هذه القاعدة جمعت القماش من تحت ماكينة جدتها وصنعت الفساتين للدمى وحلمت بألوان أقمشة منزلها وألوان وأقمشة فساتينها المستقبلية .
أرض الواقع تختلف كثيراً عن أحلام الأطفال الملابس تبلى والمنازل تتصدع وتهدم ويحل محل الثوب القديم ثوب جديد ومحل المبنى المتهدم منزل جديد لكن كل قطعة قماش وكل طوبة في بيت تحمل تاريخاً شخصياً وحكاية خاصة بها ومكاناً ثابتاً في الزمن، وهنا تأتي رهافة وإبداعية فنانة إستثنائية كسحر الأمير لتتحدى الواقع وتبدع أعمال فنية ربطت بين انكشاف البيوت المتهدمة وتمزقات القماش البالي وزمن الإنسان الذي يفنى رويداً رويداً في رحلته من الميلاد للموت مع فناء القماش والبيوت، على أسطح لوحاتها الكولاجية ومعلقاتها الزاخرة بطبقات الألوان وعينات القماش القديمة المزخرفة المطرزة وبالملابس القديمة وثياب الاطفال والخرز والأزرار ترسم موسيقى الصراع بالفرشاة والمقص ومعهم الإبرة والخيط .
ففي هذه اللوحات جمعت الفنانة كل ماهو مهمل القماش المتناثر بسرديته كمادة خام، وقدرته كحكاء متفرد ومميز لتبنى له عالم جديد برؤيتها يصبح فيه هذا المهمل هو البطل، تخترقه الإبرة بتطريز ذهني تتماهى به الفنانة مع الخامة في حدود أقل ثباتاً من وسائط الفن الأخرى وأكثر نفاذية، هذا الترتيق والإصلاح كأنه تجديد منح حياة جمالية جديدة لشيء هالك بالي تدمجه مع وسائطها الأخرى ألوانها الزاهية المستمدة من حوائط المنازل المصرية، وردي غرف النوم، أخضر الغرف الخارجية، قيشاني الحمامات القديمة وأصفر المداخل الخارجية المختلط بالبني، كل هذا يخلط ويمزج بإبعاد جديدة معاد تشكيلها لتخلق عالم ينبض بالحياة تندمج فيه الخطوط والعناصر بلا فراغ محسوس، اللوحات تدعوك للمسها بلاخوف ولأن تشعر بملمسها بعينيك المتفحصة، تقول لك أن للقديم محبة وللناقص روعة وللمكسور والممزق قيمة عندما يصطف في طبقات متراصة من الخبرات والذاكرة، لوحات تنتقل فيها العين مشدوهة ذهاباً وإياباً بين رؤية العمل ككل ثم تهدأ رويداً رويداً لتلاحظ الأجزاء المميزة.
منذ بداية تجربة سحر كانت فنانة متمردة تمزج مواد الحياة اليومية بمواد المصور التقليدي لتخرج بهذه الروح الطفلة في أعمال فنية مبتكرة، مرت تجربتها الخصبة بمراحل تطور ولم تستسلم لفخ التكرار والنمطية هي دائما قادرة على الإدهاش بالخامة واللون والموضوع والخطوط المبهرة المتعرجة والجريئة وأشكالها البسيطة وإهمالها غير المتعمد والعفوي للابعاد والأحجام، بيكاسو كان يرى أن الفنان هو شخص لم يفقد طفولته أبداً وسحر الأمير أفضل إثبات لهذه المقولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى