تطواف نقدي سيكولوجي وفينومينولوجي في قصة باب السعادة.. للكاتب طارق الدياسطي

بقلم: أحمد بيضون – مصر – دمياط
(جراهام جرين) المفكر البريطاني نظر للسعادة كممحاة للهوية البشرية لأنها البؤس جوهر أصيل أصدق من دوبامين السعادة السطحية.. لربما كان العنوان كاشفا لحد ما ويشي بما خاتل شعورنا عن تلك السعادة اللحظية المؤقتة.. وهذا ما ارتأيناه على لسان سارد عليم استدرجنا لعوالم د حافظ الباحث عن انعتاقة من روتين ممض.. فلم يرجئ الفرصة السانحة للتغيير لتجديد النشاط في رحلة الأمل.. لتبدأ المغامرة والحب اللامشروط واللاإرادي عبر أثير الحافلة لما قابل دكتورة منال (عشق الصبا).. التقافز المشهدي واللهاث الذي وصل حد الهوس بين حبيبين التقا بعد دهر راسف.. توق يجتاح شغاف رومانسية مفقودة لطبيب وطبيبة بذريعة الذهاب لمؤتمر طبي سنوي.. وكأننا كقارئ وناقد تفرس لقصة حب حقيقي وقاب قوسين أو أدنى أن يكتنفهما في وكنات التألب والألفة أو حتى الجنون.. لما لبثا جنبا إلى جنب ذاك الفندق (الهالة المكانية) بوتقة انصهارهما.. لنجد في النهاية الواقع المرير ألا وهو—ان العاشق كان يحلم على سرير المشفى في اغفاءة ودَّ لو طالت لهنيئة وبرهة كي يفتح باب يفصله عن معشوقته الأزلية التي وجدها أخيراََ بعد حين.. هكذا استخدم القاص (تقنية الحلم) لينظِّر التدوير السردي بين المقدمة والخاتمة.. إلا أن عين النقادة فطنت لهذا المآل لما ذكره (شوبنهاور) من أوهام الحب وكذلك العالم الدكتور الراحل مصطفى محمود بأن الحقيقة الحتمية هو الموت وبأن الحب مجرد كانون من أوهام ورمق من سعادة قيد الاندثار.. لذا كانت الخاتمة أرسطية كلاسيكية لحد ما وكان من الممكن أن يستبدل القاص أضغاثه بمأساة واقعية وزاجر دراماتيكي بين الحبيبين.. أو يترك للقارئ المساحة مفتوحة ليخط نهاية يستبطنها من قصة حب عائد بمحض الصدفة… فهل أراد القاص أن يعضد بأن أبواب السعادة بين المحبين أضحت سُدى؟ أم أراد جدلية تقصد فصيل الأطباء بحكم واقعهم المهني ورتابة حياتهم الخالية من أواصر المحبة والتي لا تعرف قاموساََ لمعنى السعادة أو تناست ذاكرة انتشاءة ونشوة؟!
نص القصة (باب السعادة)
كعادته متردد.. حسم أمره بالمساء واعتذر.. استيقظ قبل الفجر بقليل.. توضأ.. صلي.. أعد حقيبته.. كان أمام الحافلة قبل أن تغادر إلى شرم الشيخ بدقائق معدودة ليس للمصيف أو حتى النزهة لكن لحضور المؤتمر الطبي السنوي الذي يدعى إليه كل عام منذ خمسة أعوام ويعتذر في اللحظات الأخيرة..
فـ التغيير مطلوب أحياناً ولو مرة كل خمس سنوات..
المنظم: أتشرف بأسم حضرتك؟
دكتور/ حافظ سري.. اعتذرت بالأمس لكن تراجعت وحابب أشارك..
المنظم: لا توجد مشكلة.. تفضل.. سأقوم على الفور بـ إنهاء الترتيبات الخاصة بك، وبزميلة أخرى ستلحق بنا.. ها قد وصلت..
لم ينظر خلفه.. جلس مباشرةً متظاهراً بقراءة الجريدة حتى تمر فترة الحملقة التى لم تفارقه منذ أن صعد إلى الحافلة..
يدفن الجريدة في حقيبته ويخرج ساندوتش لتقع عينه على آخر شخص توقع رؤيته على سطح البسيطة.. إنها هي.. تجلس بالقرب منه ولا يفصلها عنه سوى الممر.. كانت آخر من صعد إلى الحافلة بل وإلى قلبه منذ أكثر من عشرين عاماً..
سريعاً أخفى الساندوتش.. اعتدل في جلسته.. شفط بطنه.. أغلق زرار الجاكت.. خلع النظارة.. أعاد ترتيب ما تبقى من شعر رأسه.. ضبط الجرافت..
وبصوتٍ حانٍ: صباح الخير..
لم يقولها.. ولكن سمعها عذبة تخرج من شفتيها..
دكتورة/ منال السعيد.. هل تذكرني؟؟
قفز إلى المقعد بجوارها.. امسك يدها وقبلها.. نعم.. أذكرك.. أذكرك.. وكيف لي أن انسى أول حب في حياتي.. وحشتيني جداً.. أين أنت؟ بحثت عنك في كل مكان حتى علمت بسفرك.. تزوجتي؟ أنجبتي؟ أين تعيشين الأن؟ أنا في غاية السعادة..
هذا لم يحدث على الإطلاق..
بشبه.. أعتقد إننا دفعة واحدة.. دكتور/ حافظ سري..
هذا ما قاله بإقتضاب..
مرت ست ساعات حكت له فيها عشرون عاماً كاملة.. عاشهم معها لحظة بلحظة.. توقفت الحافلة لـ الاستراحة مرتين ولم ينزلا منها.. الجميع يراقبهم ويتهامس..
لم يحدث ذلك أيضاً.. لان دكتور حافظ دخل في سبات عميق لم يستفيق منه إلا على وخز المنظم ينبئه بسلامة الوصول..
في فندق المؤتمر..
المنظم: عذراً سيدي الدكتور، وأنت أيضاً سيدتي الدكتورة.. نظراً لتآخر إبلاغكم لنا بالإشتراك فلم نستطع أن نوفر لكم الإقامة هنا هذة الليلة، ولكن سوف تقيمون بفندق آخر صغير على الشاطىء لا يبعد عن هنا كثيراً..
كم كاد أن يقبل المنظم بعد أن زف إليه هذا الخبر السار.. اليوم فقط حصل على نوبل في الطب.. إنه أسعد خبر سمعه في حياته.. مرت جلسات المؤتمر ببطء شديد.. لم تفارق عينه لحظة واحد.. كما هي جميلة بل زادتها السنون جمالاً فوق جمال..
عقب المؤتمر حفل عشاء فاخر على آنغام الموسيقى الكلاسيكية تبعته جلسة شاي خفيفة ثم توجه الجميع إلى غرفهم عداه هو ومناله السعيد.. إستقلا سيارة إلى فندقهما على الشاطئ..
في فندق الشاطئ..
غرفتين متجاورتين بينهما باب مشترك..
لم يتفاجئ دكتور حافظ كثيراً فعندما يبتسم الحظ تحدث المعجزات..
ودعها أمام غرفتها على أن يلتقيا في الصباح.. أخذ حمام ساخن.. نظر إلى الباب المشترك.. تحسس بيده الترباس.. فكر لـ لحظة أن يفتحه.. تراجع سريعاً ثم ذهب إلى السرير وهو في غاية السعادة..
طرقات خفيفة على الباب.. حلم كان أم حقيقة؟؟
يقوم مسرعاً نحو الباب.. يسترق السمع.. لا يسمع شيئاً.. دونما إرادة يفتح الترباس.. ينتظر سماع الطرق من جديد.. لكن لا شيء.. يعود إلى السرير وهو في غاية الإنصات..
وخز ثقيل.. دكتور حافظ.. دكتور حافظ..
اممم.. خير.. خير..
المريض رقم (4) في العناية حالته خطيرة ويجب أن تراه..
كانت هذة الممرضة النبطشي..
آلم يكن لك في الإنتظار قليلاً حتى ينفتح الباب؟!
باب!.. أي باب يا دكتور؟
باب السعادة.



