قراءة في رواية”أطياف”

بقلم| هدى عثمان أبوغوش
رواية “أطياف”للكاتبة المقدسية وفاء شاهر داري، صدرت في 2025،والتي تقع في212صفحة من القطع المتوسط،عن الرّعاة للدراسات والنشر.طباعة الكتاب،مطبعة أبوخليل.
رواية اجتماعية عن الصحفية الأرملة”أطياف”التي تعاني مرارة الوحدة،والخذلان من قبل أبنائها. تصرح الكاتبة في الصفحات الأولى من الرّواية عن المضمون،على يد الرّاوي”وتقيأت ذكرى تضحياتها،لتشمئز من روائح جحود الأبناء”.
العنوان”أطياف”يحمل اسم بطلة الرّواية، الأبناء هم الظلال،هم طيفها التي كانت تتوقع أن يكونوا في حضرتها ومعها بعدما كبروا.”فتلمع على جدران الغرفة أطياف الراحلين:رجل يبتسم من إطار مغبر،وأولاده يركضون في حديقة لم تعد موجودة”
تجري أحداث الرّواية في القدس من خلال تقنية الإسترجاع الفني عند “أطياف”التي تستعيد ذكرياتها مع زوجها صافي الذي استشهد،مرورا بأبنائها.في رواية “أطياف”الأماكن في الرواية،ليس كمكان عابر؛وإنما لتبرز أهميته في الذاكرة الفلسطينية، وعدم غياب النكبة مع الزمن.فنجد قرية”لفتا”المهجرة حاضرة من خلال صورة والد صافي في “لفتا”وأيضا استرسلت الكاتبة في استعادة عدة قرى مهجرة من خلال الشخصيات،وذكريات النزوح.حضور الذاكرة يشكل الوعي الفلسطيني والمقاوم”الاحتلال يخاف من ذاكرة نصنعها بأيدينا…..”،”حين تُنسى الحكاية،يُنتزع الوطن من الذاكرة”كما ورد على لسان صافي في مسيرة الطلاب في الجامعة.فالرّواية تنتصر للأماكن المهجرة،إلى الغائب الحاضر في المكان،فالغياب هو وطن لم يُنس،والذاكرة رئة حرّة لم تمت أيضا، تنتصر للهوية الفلسطينية.فالرّواية تبحث في الذاكرة الذاتية (أطياف)والذاكرة الجمعية.
تعزز الكاتبة من أهمية الرّسالة التي يحملها الصحفيون في ترسيخ الذاكرة الفلسطينية.”لن نكون صحفيات فقط…بل حافظات للذاكرة”.على لسان ميّ الكرمي.
تعزز الرّواية إلى أهمية توثيق الرواية الشفوية،نجد صافي هو رمز الفلسطيني حارس الذاكرة كي لا تُنسى،فهو الذي يوثقها.
الصراع في الرّواية هو صراع بين النفس،في الأعماق(مونولوج داخلي)صراع أطياف مع أعماق نفسها حول الأبناء،وكأنها تتساءل هل يحق للأبناء هجرة الأهل دون الاهتمام والتواصل معهم،هي صرخة أرملة متعبة تطالب بحقوقها البسيطةمن قبل أبنائها الجاحدين،في تواصلهم وعدم إنكارها كشجرة لم تعد تثمر،هي تبحث عن ذاتها الممزقة بين معاني وفائها الأمومي،وبين خذلان الأبناء.تقول”هل كان الوفاء جرمي؟وهل يكون الهجران عقوبة من تُخلص أكثر من اللازم؟”.
تقول “أطياف”:”من أي بوابة خرجت،ومن أنا بعد هذا الفقد؟”.
ويكمن أيضا صراعها الخارجي مع المجتمع في بعض الأفكار والقيّم التي تنتقدها وتراها سلبية من وجهة نظرها.وصراعها حول الوطن والأماكن.لذا نجد الكثير من التساؤلات التي ترددها أطياف.
الصراع عند ورد،هو صراع نفسي ،يعاني من عقدة فشله في الحياة،بالمقابل نجاح أمه،فيحاول أن يضطهدها.
الصراع عند صافي هو صراع حول حفظ الذاكرة،وإحيائها.
غلب على السّرد الوصف الذي كان يوجز ما الحدث،فجاء الحوار بشكل أقل.فمثلا تفتقر الرّواية إلى الحوار بين صافي وأطياف خلال تعارفهما،وأيضا الشخصيات الثانوية مثل:نجم وزهرة تمّ التطرق إليهما بشكل مختصر من خلال حوار أو سرد وليس بعمق.
لقد اختارت الكاتبة مصير أبناء أطياف أن يظلوا في الغربة (نجم،زهرة) هذا الإختيار هو لتصوير حالة هجرة الشباب بعيدا عن وطنهم،في رسالة خفية تقول لا تتركوا الوطن،وطن الأرض،والعائلة.تطرح الرّواية حالة عقوق الأبناء،وتمردهم،دون الأخذ بعين الاعتبار تضحيات الأهل لأجلهم،باب الحنين والوحدة،لكبار السّن الذين يحتاجون أبناءهم حولهم لمساندتهم أو الجلوس معهم .رغم أن الرواية مليئة بالوجع،الفقد،الحنين والخيبة،إلا أن الأمل كان في نهاية الرّواية من خلال الحفيد صافي الذي أراد العودة إلى وطن الأهل والأجداد.
تصور الكاتبة بصورة سردية واقع الفلسطيني خاصة بمدينة القدس،الإعتقالات،والتدخل في المقدسات.وتنتصر للأماكن(الشيخ جرّاح،بير زيت،والقرى المهجر كفر سبت،ولفتا ).هناك تكرار لمفردة الذاكرة لتوثيق الأماكن.الزمن في الرّواية هو ما بين الحاضر والماضي،يمرّ عبر الذاكرة(نكبة،والواقع المقدسي وغيرها).
اللغة في الرّواية مدهشة،وجميلة،تجذب القارئ منذ البداية حيث كلمات الإهداء التي تنبض بالشاعرية،ومن خلال قراءة الرواية نلامس جماليات حروفها،من المحسنات البديعة.وكذلك العناوين الفرعية.جاءت الرواية بضمير الغائب (الراوي العليم)،وأيضا بضمير المتكلّم بلسان أطياف.
استخدمت تقنية “الفيس بوك”،والرسائل،والكتابة من خلال دفتر أطياف،والقصيدة النثرية.
الرسائل الغامضة التي كانت تصل لبريد أطياف غير معنونة وبلا توقيع ممكن أن تكون طيفها في اللاوعي،الذي يشتاق لعودة الغائبين.




