“بوتقة الانصهار” الإسرائيلية ؛ مشروع دمج أم أداة للهيمنة والتمييز العنصري؟

د.نسرين محمود رضوان
عضو اتحاد كتاب مصر – شعبة الترجمة للطفل
منذ اللحظة الأولى لإعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، واجه قادتها تحديًا وجوديًا: كيف يمكن تحويل مئات الآلاف من المهاجرين اليهود القادمين من أقاصي الأرض، بحقائبهم الثقافية المتنوعة، ولغاتهم المختلفة، وعاداتهم المتباينة (أشكناز، سفارديم، مزراحيم، يهود عرب، وغيرهم)، إلى “شعب واحد” متجانس يحمل هوية قومية واحدة ؟ كان الجواب الذي تبنته النخبة الحاكمة هو : مشروع “بوتقة الانصهار” (כור היתוך)، الذي لم يكن مجرد سياسة اجتماعية، بل كان استراتيجية شاملة لصهر الجميع في قالب صهيوني موحد.
من الجماعات اليهودية إلى الجماعات الإسرائيلية
لم تولد فكرة “بوتقة الانصهار” من فراغ، بل كانت تتويجًا لمسار بدأ قبل قيام الدولة بسنوات. سيطر حزب “مباي” بزعامة “ديفيد بن غوريون” على مؤسسات “اليشوف” (الهيئة اليهودية المستقلة في فلسطين) مثل : “الوكالة اليهودية”، و”المنظمة الصهيونية العالمية”، وبدأ في تحويل مركز الثقل الصهيوني من أوروبا إلى فلسطين.
كما يشير الباحث الإسرائيلي “إبراهام بورج”، رئيس الوكالة اليهودية الأسبق، إلى أن “الصهيونية كانت بمثابة أداة نقلت الشعب اليهودي من طور الجماعات اليهودية إلى طور الجماعات الإسرائيلية”. وهو ما عبر عنه “بن غوريون” نفسه بأكثر وضوح حين شبه الحركة الصهيونية بـ”ثقالة” يجب تفكيكها بعد بناء “البيت القومي”.
هذا التحول عنى عمليًا بتجريد يهود الشتات من أي تمثيل أو مكانة قانونية في الدولة الصهيونية الجديدة، باستثناء حق واحد هو “حق العودة” (قانون العودة 1950). فأي يهودي يرغب في أن يكون جزءًا من المشروع الجديد، عليه أولاً أن يهاجر إلى إسرائيل، ثم يخضع لعملية “الصهر” ليصبح مواطناً إسرائيلياً يحمل قيم الدولة الجديدة. أما من يبقى في الخارج، فلا مكان له في معادلة صنع القرار.
الهوية ساحة معركة : من الديني إلى القومي
لم يقتصر مشروع “بوتقة الانصهار” على الجانب الديموغرافي، بل امتد ليعيد تشكيل الهوية اليهودية نفسها. حولت الصهيونية العقيدة الدينية إلى نظرية سياسية، مستخدمة إياها كأساس للمطالبة بحق تاريخي في فلسطين. تم الانتقال من الهوية الدينية التقليدية إلى هوية قومية علمانية، لكنها تستمد شرعيتها ورموزها من التراث الديني والتوراتي. وقد عملت المؤسسة على تعزيز هذه الهوية الجديدة من خلال برامج تعليمية ومجتمعية مكثفة، قسمت الهوية إلى أنواع متعددة (دينية، وثقافية، وقومية) بهدف السيطرة عليها وتوجيهها نحو خدمة الأهداف القومية. وتقوم هذه الأيديولوجية على عدة محاور رئيسة، أبرزها:
القومية الصهيونية ؛ تحويل اليهود من جماعات دينية مشتتة إلى “شعب” له الحق في تقرير المصير في وطن مستقل، متحد باللغة العبرية، والثقافة الصهيونية، والعرق المزعوم.
الذاكرة التاريخية الجماعية؛ إعادة صياغة التاريخ اليهودي، بالتركيز على فكرة “المنفي” (الشتات) و”الخلاص” بالعودة إلى “صهيون”، وبناء “اليهودي الجديد” الذي يختلف عن يهودي الشتات “الضعيف”. وهذا اليهودي الجديد محارب ، ومستوطن، يعيد كتابة التاريخ بدمه.
المواطنة الصهيونية؛ جعل الولاء للدولة وقيمها الصهيونية شرطًا أساسيًا للمواطنة الكاملة. وهو ما تجسد لاحقًا في قوانين تطالب المواطنين الجدد، وحتى المواطنين العرب في المناطق المحتلة، بأداء قسم الولاء لإسرائيل “كدولة يهودية وديمقراطية”.
دولة صهيونية .. ديمقراطية أم عنصرية؟
هنا يبرز التناقض الجوهري في المشروع الصهيوني. ففي الوقت الذي تعلن فيه إسرائيل عن نفسها كدولة ديمقراطية، تمارس سياسة تمييز عنصري واضحة تقوم على أسس الهوية. إن مشروع “بوتقة الانصهار” كان موجهًا ليهود العالم فقط لدمجهم في المجتمع الإسرائيلي. أما المواطنون الفلسطينيون الذين بقوا على أرضهم بعد النكبة، فقد تم إقصاؤهم خارج هذه “البوتقة”، وأصبحوا يشكلون تحديًا ديموغرافيًا وهوية مغايرة للدولة.
وقد تجسد هذا التمييز في قوانين عديدة، مثل “قانون أساس: إسرائيل دولة الأمة القومية للشعب اليهودي” الذي أقره الكنيست عام 2018، والذي يكرس حق تقرير المصير لليهود وحدهم، وينزل اللغة العربية من مكانتها الرسمية. كما يتجلى في مشاريع قوانين أخرى مثل : قانون المواطنة الذي يربطها بالولاء، وقوانين إلغاء المواطنة العربية بحجج أمنية واهية.
إذا ؛ هذا النموذج يخفي نظامًا عنصريًا تحت قناع الديمقراطية. فهم يرون أن الهدف الرئيس لم يكن بناء مجتمع تعددي يحترم الاختلاف، بل بناء مجتمع متجانس أيديولوجيًا قادر على الاستمرار في مشروعه الاستيطاني وتوسعاته، على حساب حقوق السكان الأصليين.
إن “بوتقة الانصهار” التي انصهر فيها المهاجرون اليهود، كانت في جوهرها أداة لطمس هوياتهم الأصلية واستبدالها بهوية واحدة تقوم على السردية الصهيونية، مما عزز النظرة الاستعلائية تجاه “الآخر العربي”، وأضفى شرعية مزعومة على سياسات الهيمنة والتوسع التي تمارسها الدولة حتى اليوم. إنها سياسة تهدف إلي تحقيق الزعامة في المنطقة والعالم أجمع ؛ لتحقيق كونهم شعب الله المختار ، الذي من حقه أن يفعل كل ما يؤدي إلي إنجاز موعود الله إياهم حسب زعمهم.
وأخيرا ؛ يمكن النظر إلى مشروع “بوتقة الانصهار” على أنه الوجه الثقافي والاجتماعي للمشروع الصهيوني الاستيطاني ؛ الذي قام بتهميش وهدر حقوق الشعب الفلسطيني، مما يضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل هذا الكيان وهويته .
المراجع والمصادر
1-المسيري ، عبد الوهاب . (1999) . موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية . القاهرة : دار الشروق.
-2אדלמן , צבי. (2010) .קורבנות בתולדות עם ישראל . ישראל : האחדות.
2-أدلمان , تسفي . (2010) . ضحايا تاريخ الشعب اليهودي . إسرائيل : دار الوحدة للنشر.
-3אדלשטיין , יעקוב .(2015) . דת ומסורות מול הלאומיות המודרנית . תל אביב : הוצאת עם עובד .
3-إيدلشطين ، يعقوب (2015). الدين والتقاليد في مواجهة القومية الحديثة. تل أبيب: دار عوفيد للنشر.
4-בלוק מורשת..(2009). תכנית לימודים מודרניות ומתוקנים.ירושלים: משרד חינוך.
4-لجنة التراث . (2009). المناهج الحديثة والمعدلة .القدس : وزارة التعليم .
5-בשמת , אבן-זהר .(2010) .שיתוף הילדים ביוזמה העברית בשנים . תל-אביב: אוניברסיטת תל -אביב .
5-باسمت , بن زوهار .(2010) . مشاركة الأطفال في المبادرة العبرية . تل أبيب : جامعة تل أبيب .
-6דר , יעל . (2007). “בא ילד לחתום על דבר לילדים”מגויסות ואי-מגויסות ב דבר לילדים בתקופת היישוב . בשער , ירושלים . 35 . 195- 221 .
6-دار , يعل .(2007) . “توقيع الطفل علي شئ ما” أطفال مجندين في اليشوف , مجلة البوابة , القدس . 35 . 195- 221.


