نصف قلب.. قصة قصيرة

بقلم: رسل العبيدي | العراق
“في الليل تحديدًا… يعود فقد الأم بصورةٍ أقسى.
حين يهدأ كل شيء، ويختفي ضجيج الناس، يبقى القلب وحده يتذكر. يتذكر صوتها وهي تسأل عن تفاصيل يومٍ عادي وكأنه أهم شيء في العالم، يتذكر يدها التي كانت تمسح التعب دون أن نتكلم، ويتذكر ذلك الأمان الذي كان يجعل الحياة أخف مهما كانت قاسية.
بعد رحيلها، تغيّر كل شيء بطريقة لا يفهمها إلا من فقد أمّه.
أصبحت البيوت أوسع من اللازم، والضحكات أقصر، والأيام تمرّ بلا طعم. حتى المناسبات التي كانت مليئة بالحياة، صار فيها شيء ناقص لا يراه الناس… لكن يشعر به القلب جيدًا.
أحيانًا يبتسم الإنسان أمام الجميع، يتحدث بشكل طبيعي، ويبدو بخير… بينما داخله يصرخ من الشوق.
لأن فقد الأم ليس خبر وفاة ينتهي مع الوقت، بل فراغ دائم يسكن الروح.
في كل موقف صعب نبحث عنها، وفي كل دعوة جميلة نتذكرها، وحتى في لحظات الفرح يمرّ طيفها سريعًا فنشعر أن شيئًا مهمًا ينقصنا.
هناك أشخاص حين يرحلون، تتغير أيامنا فقط…
لكن الأم حين ترحل، يتغيّر شعورنا تجاه الحياة كلها.
وأسوأ ما في الفقد… أن الإنسان يعتاد الغياب ظاهريًا، لكنه من الداخل يبقى ينتظر المستحيل؛ ينتظر صوتًا لن يعود، ووجهًا لن يراه مرةً أخرى، وحضنًا كان يرمّم كل شيء دون كلام.
الله يرحم كل أم رحلت وتركت أبناءها يواجهون الحياة بنصف قلب…
وأمي كانت جدتي.”




