أدب

قراءة في ” كائن رمادي” للأديب نشأت المصري

سيميولوجيا الانعتاق: من قطن العزلة إلى مشرط اليقين

بقلم: د. منال رشاد| ناقدة مصرية
في رواية “كائن رمادي”، لا يقدم لنا نشأت المصري نصا أدبيا بالمعنى التقليدي، بل يضعنا أمام مختبر وجودي ممعن في القسوة، حيث تتلاشى الحدود بين الذات ومحيطها لتخلق كائنا يعيش في المنطقة الوسطى بين بياض الحياة وسواد الفناء، بيد أن هذه الرمادية التي تبدو كسكينة الناجي، هي في جوهرها مرض وجودي يتخذ من تعطيل الحواس درعا، ومن الرؤية الغائمة ملاذا، وهو ما سنراه يتحطم في الخاتمة تحت مشرط الرغبة في الإبصار.
إننا هنا بصدد سردية انكسار، بطلها وليد ليس منزويا بسبب الضعف، بل منسحبا بفعل ثقل العبء النفسي ؛ فهو الذي يواجه ضجيج العالم بقطن الأذن، ووضوح المأساة بخلع النظارة، بينما يغالب ثقل الذاكرة بكثرة الترحال؛ فالسفر لديه ليس استكشافا للعالم، بل هو محاولة دائمة لـتجهيل الأمكنة؛ كي يضيع في زحامها الغريب ويهرب من مواجهة نفسه المتعبة، والفرار من سطوة الذكريات التي تطارده من مدينة إلى أخرى؛ فالفرح في هذا النص / الجولة الأولى ليس إلا مراسم وداع مؤجلة، والأمكنة / الفندق – تركيا – المنصورة –وصولا إلى رواندا التي ظلت وطنا متخيلا للهروب، ومحطة أخيرة في قطار التلاشي الذي توقف فجأة حين ألقى بحقيبته الرمادية، ليختار المواجهة بدلا من حمى الترحال ؛ هذه الأمكنة ليست جغرافية بل جروح مكانية تنزف صمتا واغترابا.
إن القراءة السطحية لنص نشأت المصري قد توهمنا بأن وليد كائن استسلامي، لكن إذا أمعنا النظر في الرواية جيدا نكتشف أنه بطل تراجيدي امتلك من القوة ما يجعل رماديته اختيارا لا اضطرارا.
فكيف نصف بالرمادية إنسانا استطاع أن يهزم السرطان بإرادة ذاتية، ويطوع جسده لتسلق قمم الجبال الوعرة، ويخوض غمار السفر والمغامرة؟!
فالنص يهمس لنا ببطولات وليد المادية ليضعنا أمام تساؤل وجودي: لماذا ينسحب هذا البطل الآن خلف قطنه ونظارته وحقيبته ومعطفه؟
لنكتشف بعد ذلك أن رماديته جاءت لأنه مكتف يرى النهاية في كل بداية، يرى النسيان في قمة الصراخ تماما ؛ كما تأمل ببرود صراع جارته العجوز وشابها الفقير، موقنا أن الموت هو المالك الحقيقي الذي قد يباغت الشاب قبل العجوز ويحول صخبهما إلى صمت مؤجل.
إن أفعاله الخارقة من (شفاء، وتسلق، وسفر) كانت مرحلة الاشتباك مع الوجود، أما صمته الحالي فهو مرحلة الاشتباك مع الذات.
لقد تذكر تلك اللحظات فوق قمم الجبال، حين كان الهواء يلفح وجهه وهو يشعر بانتصاره على المرض اللعين؛ وكأنه استعاد حياته من مخالب الموت، لقد زهد البطل في الضجيج بعد أن عرف أسرار الحياة والموت. رماديته هي زهد الكائن الذي لم يعد يغويه ضجيج المعارك بعد أن تذوق طعم المواجهة مع الموت.
نحن الرماديون لأننا لا نزال نركض خلف صخب زائف، أما وليد فقد وصل إلى البياض المطلق عبر هزيمة الموت، ثم قرر أن يلتحف بالرمادية ؛ليحمي سلامه الداخلي من تلوث العالم الخارجي.
كما أن العنوان ليس مجرد توصيف لوني، بل هو إعلان عن هوية ضبابية. الرمادية هنا هي منطقة التوتر القصوى؛ فلا هي بياض الفرح الصافي/ الذي استحال زغاريد مزعجة يسد عنها الأذن بالقطن، ولا هي سواد الموت المطلق/ الذي يهرب منه وليد برذيلة النسيان؛ فالكائن فقد ملامحه المحددة ليصبح ظلا يتلاشى في ممرات الفنادق والأمكنة المختلفة، حيث يشعر وليد بأنه بات عنوانا مؤقتا في حياة ابنته التي غادرت نحو مستقبلها، وحضورا باهتا في ذاكرة من حوله، يرفض أن يكتمل كوجود أو يغيب كليا كعدم؛ وكأن الدخول إلى هذا النص هو ولوج إرادي في عالم الضباب، تتهاوى فيه كل محاولات البطل لاستعادة الألوان عبر نظارته التي تهاوت أمام طغيان الرمادية التي تغلغلت في مسام الروح.
وكأنه جاء كصرخة صامتة تسبق وضع القطن في الأذن؛ هو اعتراف مسبق بأن الجولة الأولى هي إعلان عن التلاشي الأخير.
ثم كان العنوان نكرة “كائن رمادي” وليس “الكائن الرمادي”. هذا التنكير يرفع من رمزية وليد الفردية؛ ليحولها إلى حالة وجودية عامة، وكأن الكاتب يقول لنا: كلنا ذلك الكائن الرمادي الذي يحاول إيقاف قطار التلاشي بحقيبة رمادية ومعطف يستر عري الروح. كذا نجد العتبة الاولى تخدعنا باللون/ الرمادي، بينما النص يورطنا في جغرافيا الوجع التي تنزف من صمت الأمكنة، إن الأمكنة عند نشأت المصري تنزف صمتا؛ لأنها تعجز عن الإجابة على سؤال وليد الوجودي: “فما وظيفتي يا حقيبتي؟”. فالمكان الذي لا يمنحك هوية هو مكان أخرس مهما بلغت ضوضاؤه ؛ فالبطل حاضر لكنه مشروخ من الداخل؛ وهذا الشرخ هو الذي جعل من الزمن دائرة من الفقد، ومن المكان ممرات للغربة. لذا لا يمكن فهم انكسار وليد دون استنطاق الزمكانية التي تحيط به ؛ حيث يغدو الفندق هو اللا مكان، والرمادي هو اللا لون، ، ليجد وليد نفسه في نهاية المطاف متجسدا في صورة اللا بطل؛ ذلك الكائن الذي لم يعد يطمح للنصر، بل يطمح فقط للاختفاء حيث يلوذ بممرات الفنادق ليست كمحطات للوصول بقدر ما هي تيه مقصود يحتمي فيه من وطأة المستقبل، فوليد لا يسافر ليصل، بل يسافر ليضيع.
البطل يعيش حالة القلق من التحول؛ تحول الابنة من تلك الطفلة التي تهرع لفتح الباب لتستقبله، إلى عروس تمتلك عنوانا جديدا وحياة ليس هو مركزها، وهو ما يثير لديه فوبيا الفقد وتآكل الروابط الحميمة؛ لذا نراه دائما في حالة هروب من المواجهات العاطفية المباشرة، ليلجأ إلى أدواته الدفاعية التي يواجه بها العالم؛ سواء في برودة الفنادق التي سكنها، أو خلف نظارته التي يخلعها ليعطل الرؤية، أو حتى في انكسار لحن المزمار الذي شج فضاء العرس؛ في محاولة منه لجعل الوجع قابلا للاحتمال؛ وكأنه يتحدث عن أشباح تحاول أن تستعيد ألوانها، لكنها تغرق دائما في سديم الرمادية.
الفندق في الرواية ليس مجرد حيز مكاني، بل هو الرمز الأكبر لتلاشي الاستقرار؛ فحياة وليد بأكملها أصبحت فندقا / مكانا مؤقتا- علاقات باردة-جدران لا تحفظ الذكريات مما يجعلنا نقول إن : برودة الفندق هي المعادل الموضوعي لبرودة روح وليد، كذا كان اختيار الفندق لـمراسم الجولة الأولى يعني أن الرباط الأسري يبدأ من لا مكان، مما يمهد لفكرة أن الابنة أصبحت ضيفة منذ اللحظة، لقد أصبحت ممرات الفندق هي المتاهة الرمادية التي يعبرها وليد؛ لأن الفندق مكان عام مدفوع الثمن، لا حميمية فيه، مما يجعله يشعر بأنه عابر تماما كما أصبح يشعر تجاه حياته برمتها. فقد استأجر الفندق ليكون ساترا يحميه من حرارة العواطف.
لكن هذه الرمادية التي تبدو كخيار فلسفي، هي في جوهرها غشاوة بصرية ونفسية تبحث عن لحظة الانعتاق، وهو ما سنراه في رحلة الحواس المعطلة وصولا إلى مشرط الشفاء، حيث يقول الكاتب: “حشا أذنيه بالقطن لمجابهة الطغيان الصوتي، الزغاريد ترصع الفضاء القريب، المزمار الطويل بصوته الراكض اكتسح كل الأصوات”. وضع القطن في الأذن هو أول فعل مقاومة يقوم به ذلك الكائن الرمادي ضد العالم؛ فهو لم ينزعج من الضجيج لكنه في حالة رفض للاعتراف بهذا الطقس؛ فالزغاريد والمزمار هي إعلانات رسمية عن حالة الفقد/ رحيل الابنة، وحشو الأذن بالقطن هو محاولة منه لتعطيل هذا الإعلان؛ ففي حالة سماع الزغاريد بوضوح هي اعتراف بأن الجولة الأولى قد بدأت فعلا، وهي جولة تنتهي بتلاشيه كأب، القطن هو مسافة الأمان الذي وضعه بين قلبه المكسور وبين فرح العالم الزائف؛ وكأن وليد الذي استأجر الفندق ليعزل جسده عن المكان، قد استأجر القطن أيضا ليعزل روحه عن الزمان.
وإذا ربطنا بين بداية الرواية وخاتمتها حين يتحول القطن في مطلع الرواية إلى جدار عازل يضعه وليد بينه وبين فرح العالم في عرس ابنته ؛ فإنه كان يمارس صمما إراديا يحمي رماديته من الاختراق خوفا من سماع الحقيقة، حقيقة أن ابنته غادرت حماه إلى عنوان جديد، وأن دوره كأب يتقلص. القطن كان المخدر الموضعي للروح، الذي يحول الزغاريد إلى همس باهت لكي لا يضطر لعيش فجيعة الفقد بكامل حواسه.
لقد بدأ الرواية بـسد أذنيه/ القطن لينتهي بـفتح عينيه/ العملية، إن الانتقال من القطن إلى المشرط الجراحي هو رحلة الشفاء من الهروب؛ فبينما كان القطن وسيلة لـتعطيل الحواس كي لا يتألم، جاءت العملية في الختام كوسيلة لـترميم الحواس كي يبصر صفاء/ ابنته .
لقد أدرك البطل أن العزل / بالقطن – النظارة – الترحال لم يحل أزمته، بل زادها ضبابية؛ فقرر أن يواجه الرؤية الغائمة لا بالهروب منها في طرقات الأوحال، بل باقتلاعها من جذورها .الحالة الشعورية هنا انتقلت من الإنكار الذي يمثله القطن، إلى المواجهة التي تمثلها العملية؛ وكأن صرخة صفاء في الختام كانت أقوى من أن يحجبها قطن، أو كأنها هي التي انتزعت القطن من أذنيه ليعود كائنا يبصر ويسمع ويتفاعل.
ولم يكن القطن وحده هو الذي يفصل وليد عن العالم، بل كان هناك صراع آخر يدور في الفضاء الخارجي؛ صراع مع ذلك الزامر النرجسي الذي يتحول في هذا المشهد من مجرد عازف إلى طاغية وجودي يستولي على الفضاء بـوضع اليد؛ فالمزمار هنا ليس أداة للفرح، بل هو سلاح صوتي يغزو سكون وليد الرمادي ويهتك ستر عزلته. وليد يشعر أن هذا المزمار يمزق شرنقة الصمت التي غلف بها نفسه، كما أن تجاهل الزامر لرجاء وليد بتخفيض العزف هو سقوط سلطة الأب؛ ففي اللحظة التي يفترض فيها أن وليد هو صاحب الشأن/ أبو العروس ، نجد أن الزامر /الغريب هو من يمتلك السيادة والسطوة، بينما يبدو وليد مهمشا منزوع السيادة ، وكأن الرواية تعلن منذ البداية أن وليد مطرود من حيزه الخاص. وحين عجز وليد عن إسكات المزمار ماديا بطلبه من الزامر، لجأ إلى إسكاته فلسفيا داخل عقله، ليتحول المشهد من مجرد إزعاج صوتي إلى محاكمة وجودية يديرها وليد في صمت عبر مونولوج داخلي؛ لتذكيره بموته الحتمي ، فبينما يغرق الزامر في وهم خلود الأنغام الباقية في رحم الفضاء، يواجهه وليد بسؤال الموت الحاسم: “هل أنت شخصيا موعود بالخلود؟”. وليد يشعر بالتفوق المعرفي على الزامر الذي يتشبث بالعالم ويزمر له، لكن هذا التفوق يزيده عزلة ورمادية؛ لأنه يرى النهاية /الموت في كل شيء، حتى في لحظات الفرح. الكائن الرمادي هنا لا يحتقر الصوت، بل يحتقر غرور الكائن الذي يظن أن صخبه سيحميه من العدم.
الزامر يمثل نقيض الرمادية؛ هو كائن يبحث عن الخلود والضجيج “أنغامي خالدة وباقية في رحم الفضاء”، بينما يبدو وليد كائنا يبحث عن التلاشي والنسيان والقطن؛ فإذا كان الزامر يقدس بقاء الأثر، فإن وليد يقدس القطن والرؤية الغائمة؛ لأنه يريد مسح الأثر وتخفيف وطأة الوجود.
وعندما نربط هذا بالخاتمة نجد أن الزامر يزمر للعالم ليبقى ذكره، بينما وليد في النهاية يقرر التخلص من الحقيبة برميها وإجراء العملية ليس ليزمر أو يصرخ، بل ليبصر بوضوح قبل أن يدركه ذلك الموت الذي ذكر به الزامر، ليتحقق بذلك الانتقال من فلسفة العدم/ الموت إلى إرادة الحياة/ الشفاء.
غير أن الهروب من سطوة الزامر لم يمنح وليد الأمان المطلق؛ فقد كان عليه أن يواجه انعكاسه الضائع في مرآة الآخر/ الصديق، ذلك الذي لم يكن مجرد ضيف في دعوة الفرح بالفندق، بل كان النسخة المستقبلية منه، النسخة التي تأتي في لحظة البداية/ الفرح، لتجسد النهاية/ الطرد التام، وكأن زفاف الابنة ليس إلا تمهيدا للغياب الكبير الذي اكتملت فصوله لدى الصديق المنكسر،” لن تصدق ذهبت إلى ابنتي في شقتها طرقت الباب ، وما أن رأتني حتى أغلقت الباب في وجهي”، عقل وليد يخشى أن ينتهي ككائن رمادي يطرق الأبواب فتغلق في وجهه، لذلك فإن الصديق هنا هو المرآة التي تريه قبح النهاية في لحظة الفرح ، لذلك كان انفعال وليد بهذا الموقف الصادم :”صدمت الكلمة وليدا حتى خبط نظارته انفعالا، فسقطت واعادها إلى وجهه المضطرب” في هذا المشهد المحوري، يتحول وليد من الصمت الرمادي إلى الاضطراب الجسدي؛ فخبط النظارة حتى سقوطها ليس مجرد رد فعل على مأساة الصديق، بل هو زلزال نفسي أصاب وليد حين رأى في غلق الباب في وجه الصديق مستقبله مع ابنته العروس؛ سقوط النظارة هنا يرمز لسقوط قناع الحياد والبرود الذي كان يتجمل به، واضطرار وليد لإعادتها لوجهه هو محاولة يائسة لترميم رؤيته التي تشوشت بفعل الفجيعة، ثم نجد وليد يحاول التماسك مرة ثانية بإعادة النظارة إلى وجهه محدثا صديقة :” انس يا رجل هو موقف مؤقت إن شاء الله القادم أجمل .. خذ هذه التفاحة تصنعا الضحك” هنا تظهر التفاحة كأداة قمع ناعمة يمارسها وليد ضد الحقيقة الجارحة؛ فحين قدم التفاحة لصديقه المنكسر ليكمم بها صوته، لم يكن يطعمه، بل كان يخرسه. الصديق الذي يروي مأساة رفض ابنته لدخوله المنزل هو المرآة التي يخشى وليد أن يرى فيها مستقبله؛ لذا كانت التفاحة هي المعادل الموضوعي للقطن. فإذا كان القطن يحمي أذن وليد من سماع زغاريد الفقد، فإن التفاحة تحمي عقله من سماع نبوءة الطرد التي ينطق بها الصديق. وليد يعيش حالة تعطيل الحواس الإرادي؛ فهو يستخدم القطن للأذن، والتفاحة لفم الآخر، والعبث بالنظارة للعين، لكي يخلق منطقة عازلة بين روحه الهشة وواقع الأبواب الموصدة.
لكنه بهذا الهروب يدرك يقينا أن الرؤية الغائمة ليست عيبا في العدسات، بل هي عتمة الروح التي لم تعد تحتمل ضبابية المواقف، ثم يأتي الانعطاف الحاسم في النهاية حين يقرر وليد إعدام الرمز؛ فتطويح الحقيبة الرمادية في المجرى المائي هو فعل تطهير من إرث التيه. وليد هنا يغرز نصلا في قلب رماديته، ويستبدل العبث بالنظارة والذي تقرر في الرواية في مواقف كثيرة بـقرار العملية؛ وهي الانتقالة من مرحلة الترميم المؤقت إلى المواجهة الجذرية، عندما قرر البطل الذهاب إلى د. أحمد لإجراء العملية- معترفا بضعفه -؛ فالكائن الذي كان يدعي القوة بتسلق الجبال، والانتصار على السرطان، يعترف الآن بأنه عاجز عن الرؤية، وأن صرخة صفاء كانت الضوء الذي كشف له بشاعة الغبش الرمادي، فقرر أن يبصر العالم من جديد بلا وسائط أو ستائر.
وإذا كان وليد قد نجح في تعطيل حواسه إراديا عبر القطن والنظارة، فإن المحمول ظل يمثل الخرق الوحيد في هذا الجدار العازل؛ فهو ليس مجرد وسيلة اتصال، بل هو المُطارد التقني والجاسوس الذي يترصد رماديته، معيدا إياه قسرا إلى دوائر العلاقات التي حاول بترها. يصفه وليد قائلا :” هو جاسوس يطاردني، وأنا أمقت المطاردات” ، خوف الكائن الرمادي هنا من المحمول يعبر عن فزع وجودي من الحضور القسري؛ المحمول بالنسبة لوليد هو القيد الذي يحاول تقويض مشروعه في الاختفاء؛ فأن تملك محمولا يعني أنك متاح ومرئي، وهي مفردات تمحو حالة اللاشيء التي يسعى إليها. هو يمقته لأنه يحول الطريق من فضاء للحرية إلى مساحة مراقبة، ويحول الرحيل من غياب كامل إلى غياب مؤقت يمكن قطعه برنة هاتف. فخلف رفضه القاطع لهذا الجاسوس، رغبة في التحلل من الآخرين؛ لأن المحمول يمنح الآخرين / الزوجات- الأبناء سلطة الملاحقة العاطفية، وعندما أصرت رحمة على شرائه له، رحمة تريد تطويق غيابه بالاطمئنان، بينما يرى وليد في هذا الاطمئنان حبلا يربطه بالواقع الذي قرر اعتزاله.
وإذا كان المحمول هو القيد التقني الذي يفرضه الآخرون على وليد، فإن الحقيبة الرمادية هي الأنا البديلة التي اختارها طوعا؛ فهي ليست مجرد وعاء للملابس، بل هي ظهير وجودي يشاركه عبء الكينونة، ومستودع لشتات هويته التي يرفض غرس بذورها في أي أرض ثابتة حين يقول: “علقت حقيبتي الرمادية في كتفي، هي رفيقتي الطائعة، تحدثني وتتنبأ بنواياي، وهي دائما في وضع الاستعداد لأن أحملها، بل هي تشجعني لتمارس وظيفتها في الحياة ، للحقيبة وظيفة محددة ، فما وظيفتي يا حقيبتي؟”، نحن أمام تماه تام بين وليد وحقيبته؛ إنها ليست رفيقة سفر فقط، بل بوصلة تتنبأ بنواياه قبل أن تتبلور في وعيه، إنها العقل الباطن الذي انفصل عن جسده ليستقر على كتفه في وضع استعداد دائم. الكائن الرمادي هنا في حالة ارتحال عن الذات يعاني من سيولة الهوية وتلاشي الوظيفة الاجتماعية كأب أو زوج، بينما الحقيبة تمتلك هوية واضحة ووظيفة محددة / السفر؛ لذلك النفس البشرية لوليد تلوذ بالحقيبة لتستمد منها مشروعية وجودها؛ هو لا يحملها، بل هي التي تشجعه وتمنحه المبرر الأخلاقي للرحيل بكونها خلقت لتمارس وظيفتها.
ثم تأتي لحظة الاستلاب الوجودي القصوى عندما يتساءل” فما وظيفتي يا حقيبتي؟ ”
حيث تصبح الحقيبة أكثر ثباتا ويقينا من صاحبها؛ الرمادية هنا لم تعد لونا للحقيبة فحسب، بل أصبحت عدوى انتقلت من لون الحقيبة إلى روح البطل. لقد أكدت هذه العدوى أن وليد لا يملك من أمره شيئا سوى الاستسلام لرفيقة تعرف طريقها جيدا، في حين يظل هو يتساءل عن جدوى وجوده، هنا تحولت الحقيبة من أنا البديلة لذلك الكائن إلى مطارد صامت يلاحق خطاه. ففي الوقت الذي رفض فيه وليد المحمول لأنه يطارده، نجد أن الحقيبة في النهاية هي التي أصبحت تمارس دور المطارد حين بدأت تصفق لغربته المجهولة وتقبض على يده لتدفعه نحو التيه، لقد أرادها سياجا يحمي شتاته، لكنها أصبحت القيد الذي يجره خلفه، وكأن الأداة التي منحته وهم الوطن البديل هي ذاتها التي تمنعه من التحرر، ليجد نفسه محاصرا بين جاسوس رقمي في جيبه / المحمول، وظهير ثقيل يطارد ظهره /الحقيبة ؛لتأتي النهاية عندما يكتشف وليد أن السجن ليس في الآلة / المحمول، بل في الفكرة /الحقيبة؛ لذا كان قراره بالتخلص من الحقيبة هو الفعل الوحيد الذي يحرره من مطاردة الرمادية. لذلك قرر رميها في الماء ؛ فالماء الذي ابتلع الحقيبة هو نفسه الذي سيغسل عيني وليد في العملية، وليد كان يرى العالم من خلال ثقب إبرة/ الحقيبة والسفر، والآن يقرر تحطيم هذا الثقب ليرى الاتساع في عيني صفاء، النهاية تعلن أن وظيفة الحقيبة انتهت لأن وظيفة الإنسان بدأت؛ فالمقتنيات التي كانت رفيقة الفكر أصبحت عبئا للذكرى، والتخلص منها هو الثمن الذي دفعه وليد ليعبر من ضباب الرمادية إلى وضوح الرؤية.
إذا كانت الحقيبة هي ما يحمله ذلك الكائن الرمادي، فالمعطف هو ما يحتويه. إنه الشرنقة التي يحاول وليد أن يتحصن بداخلها ضد برد الحقيقة أو لمس الآخرين، فالمعطف الأسود في سرديته بمثابة الجلد الوجودي الذي يختاره لجسده حين يقرر الانسلاخ من جلوده الاجتماعية السابقة. قوله: “ينتظرني معطفي الأسود، رفيق الرحيل، حررتك من الأسر في الدولاب المزركش فورا، أحس بالدفء معك بفرائك اللامع الذي يحيط عنقي .” هنا، يستحيل المعطف عن كونه قطعة قماش إلى مرتبة الخلاص ،إنه الرفيق الأخرس، لا يمنحه أدوارا، بل يمنحه الدفء في عراء الطريق، كما أن الأسود هنا ليس لونا للحزن، بل هو لون الحسم والنهايات التي تسبق الدخول في غيابات الرمادية. فتحريره من الدولاب المزركش إعلان للحرب على الزيف العائلي والاستقرار الملون؛ فالدولاب المزركش يمثل حياة البيوت، الواجبات، والألوان التي فرضت عليه، بينما يمثل المعطف الأسود بساطة الفناء والوحدة المختارة. إنه يجد في الفراء اللامع الذي يحيط بعنقه أكثر مما يجده في عناق زوجة أو لمسة ابنة ، هو درع الحماية من الاختراق العاطفي. هو يكتفي بدفء مادي محكوم بقدرته على الرحيل بدلا من دفء المشاعر المحكوم بالبقاء، شعوره بالدفء الفوري بمجرد ملامسة الفراء لعنقه يعكس حالة من النكوص نحو الذات ؛ ليصبح كشرنقة ينسجها حول نفسه ليضمن أن الحدأة حين تخطفه، ستجده مغلفا برداء الرحيل، جاهزا لأن يصبح عدما في مهب الطريق.
ثم تأتي النهاية لتمثل لحظة الارتداد الوجودي حيث تنقلب المقتنيات من مخالب ينهش بها العالم إلى شواهد قبر تعلن موته الوجودي، ليتحول المعطف إلى سياج لا ستر. كان يعزل الروح قبل أن يدفئ الجسد. إنه لم يدفئه بل كان يزيده برودا بحيث يجعله كتلة رمادية واضحة في الطريق؛ لذلك نجده يصادر عوالق غيبوبته الرمادية بقرار العملية، حيث الخروج العاري من الاحتماء بالظلام إلى المواجهة بالضوء. المعطف الذي كان درعا يحمي عنق وليد من اختراق المشاعر، لم يعد كافيا أمام صرخة صفاء التي اخترقت كل الدروع؛ فما كان دثار الوحدة الذي نسجه من فراء المعطف، لم يكن إلا وهما يرتجف تحته؛ فالعجز الوجودي لا تدفئه الفراء، بل تقتله حرارة لقاء الأسرة ، لذلك نجد وليد يخلع هوية السائح/ المعطف والحقيبة ليرتدي هوية المريض الذي يسعى للشفاء، وهو تنازل شعوري يعكس هزيمة النبيل الرمادي أمام نداء الدم.
لا يتوقف وليد عند حدود الانعزال الحسي، بل يمتد نقد نشأت المصري عبر بطله ليطرح تساؤلا حول جدوى الصخب في عالم محكوم بالنسيان. يتجلى ذلك في قراءته الصامتة لمأساة الجارة العجوز وشابها؛ حيث يرى وليد في هذا الصراع الوجودي دليلا على هشاشة الكينونة. إن فلسفة المرحلة المؤجلة التي يتبناها البطل تجعله يرى الموت خلف كل وجه، والنسيان خلف كل صرخة؛ فاليقين الوحيد لديه هو أن الموت لا يتبع منطقا زمنيا، بل هو فوضى قدرية قد تسبق فيها حيوية الشباب رتابة الشيخوخة، وهو ما يبرر زهده المطلق؛ فما الداعي للاشتباك مع عالم لا يورث إلا النسيان؟!
لقد زهد البطل في الضجيج بعد أن عرف أسرار الحياة والموت، فلم تعد رماديته عجزا عن التواصل، بل هي إدراك عميق بأننا جميعا مجرد مراحل مؤجلة في انتظار النسيان، مما يجعل كل ضجيج بشري حول التملك أو البقاء مجرد صدى زائف في ردهات العدم.
كما تتواتر في جنبات النص أصداء فلسفة وليد اليقينية حول حتمية النسيان، حيث تتحول مواقف الرواية المتباينة إلى منصات لإعلان تساوى الوجود والعدم؛ فالموت لديه ليس نهاية بيولوجية مرتبطة بالعمر، بل هو فوضى قد تختطف الشاب قبل العجوز، مما يجعل من الحياة برمتها انتظارا مطولا في قاعة لا مخرج منها؛ حالة لا تستحق عناء الاشتباك، بل تستحق عزلة رمادية تحمي الكائن من صخب العبث؛ لذلك تتكرر في جنبات نصه دال الطريق أكثر من مرة. في عوالم وليد، لا يبرز الطريق كمجرد مساحة جغرافية للعبور، بل كمعادل موضوعي للاشيء الذي يطارد رأسه؛ فهو الخصم والبديل لدفء الحكايا المستقرة. يتجلى ذلك بوضوح حين يقول: ” آآآه أشتاق إلى أن أنفرد بالطريق وإن طال أو ضاجعته الأوحال”. هذا التأوه / انفجار بشري – صرخة مكتومة تعلن أن النبيل الرمادي لم يعد يحتمل تمثيل دور المشاهد الصامت، إنه يريد أن يصبح هو الطريق، حيث لا ماضي يطارده ولا مستقبل ينتظره، هي محاولة لكسر جدران تلك القاعة ليستنشق من خلالها سراب الحرية .وليد هنا لا يشتاق للطريق كمكان، بل يشتاق لخلوة الذات بعيدا عن صخب الجارة، والشاب، والزوجة، والالتزامات المزركشة، إنه في حالة من الإعياء الوجودي؛ لقد أتعبته مراقبة مآسي الآخرين وهشاشة كينونتهم، فأصبح الطريق بالنسبة له هو المطهر الذي يغسل عنه أدران الاختلاط بالبشر.
ثم تأتي المفارقة الموجعة؛ فهو يفضل مضاجعة الأوحال بكل ما فيها من مشقة وقذارة حسية، على البقاء في كنف الزوجة/ رحمة وانتظار مولودته / صفاء. الطريق هنا هو المبرد الذي يكشط عنه ألوان المسؤولية، محولا السفر من فعل سياحي إلى فعل تطهيري يعيده لرماديته الأولى.
وليد يخشى اللحظات التي تكتمل فيها حياته / زوجة محبة- طفلة قادمة، لأن الاكتمال يعني النهاية أو الجمود؛ لذا يلوذ بالطريق وإن طال باحثا عن عذاب جسدي /الأوحال؛ ليغطي به على عذابه النفسي الناتج عن تساؤل اللاشيء، فهو يرى في الآخرين –حتى المحبوبين منهم– عائقا أمام خلوته مع ذاته؛ فالطريق هو المكان الوحيد الذي لا يطالبه فيه أحد بأن يكون زوجا أو أبا.
وليد يهرب من كونه إنسانا له أدوار محددة، ليكون كائنا عابرا بلا ملامح. وتصل هذه الحالة النفسية ذروتها حين يعترف بانهزامه أمام نداء السفر قائلا في مناجاته: “زاد شوقي إلى الطريق يا رحمة.. معذرة قولي لصفاء إن أباك خطفته الحدأة”. هنا يستسلم وليد لجاذبية العدم محولا الطريق من مسار للقدمين إلى قدر يبتلع الهوية؛ ولأنه يريد أن يرفع الملامة عن نفسه أمام أبنته / صفاء لذلك استعار الحدأة؛ فهو لا يريد أن يظهر أمامها كأب خذلها، بل كضحية لخطف وجودي لا يملك صده. الحدأة هنا هي الرمادية الجارحة التي تنتزع الكائن من استقراره لتقذف به في عراء المجهول. يمكنني القول إن: الطريق لدى وليد يمثل الغياب الإرادي الذي يشبه الموت؛ حيث تذوب الأسئلة والإجابات وتتساوى كل الأشياء؛ ليصبح الرحيل هو اليقين الوحيد وسط عالم من المؤقتات.
بيد أن هذا اليقين بالرحيل الذي شيده وليد كحائط صد أخير، لم يصمد طويلا ، فبينما كان ينسل من البيت هاربا، تاركا خلفه رحمة في غفوة مخاضها الأخير، لم يكن يعلم أن الطريق الذي اشتاق للانفراد به قد نصب له فخا من اللحم والدم ليصطدم بجدار الحقيقة.
هناك، وسط غبار الشارع، وقع الاصطدام الكبير؛ لم يكن مجرد ارتطام لشاب لاهث بجسد شيخ وعصا، بل كان اصطداما لوليد بمرآته الوجودية. رأى الشاب ينزف، لا يعبأ بجرحه الحسي، بل يلهث خلف نداء الدم ليلحق بأبيه في المستشفى؛ وهنا سقطت الرمادية أمام سطوة الوفاء. في تلك اللحظة، لم يعد الطريق مطهرا لوليد، بل صار مشهدا للمحاكمة؛ إذ اكتشف أن العذاب الجسدي/ الأوحال الذي كان ينشده، يتضاءل أمام عظمة الوجع الذي يحمله هذا الشاب لأجل أبيه.
وأمام مشهد الامتنان المتبادل بين الابن وأبيه في المستشفى، تزلزلت عقيدة النسيان في صدر وليد. لقد طاردته فكرة الخلود بالحب؛ استدعى طيف نانا التي سرقها انشغالها ببيتها، ثم قفزت صفاء إلى ذهنه كفرصة أخيرة لترميم انكساراته. تمنى في لحظة تجل نادرة أن تكون صفاء هي ذلك الشاب، أن تكون هي البصمة التي لا تمحوها رمال النسيان.
وفجأة جاءه نداء رحمة عبر الهاتف؛ لم يكن صوتا، بل كان صرخة ميلاد تشق صمت الطريق وتنتزعه من غيابه الإرادي. لقد استدعاه المخاض ليكون شاهدا على الوجود، لا هاربا منه؛ ليعود إلى رحمة، لا كضحية للحدأة، بل كأب يختار -ولأول مرة- أن يشتبك مع الحياة في لحظة الميلاد.
هكذا، تهاوت جدران عزلة وليد تدريجيا؛ بدأت بيقظة ضمير أمام شاب نازف، وانتهت بميثاق سلام مع خصوم الأمس في حفل سبوع ابنته؛ فمن أجل صفاء، كان عليه أن يتعلم كيف يرمم الجسور التي حطمها الرحيل.
فالحرب الباردة التي أشعلها ابن العم ذات يوم، والذي ضرب سياجا من الجفاء حول بيت رحمة، انهار كليا أمام وقع قدوم صفاء. في يوم السبوع، حيث تضج الدار بالحياة، لم يكن الصلح الذي تم مجرد مصافحة اجتماعية، بل كان إعلانا للمبادئ الجديدة التي فرضتها الصغيرة. وليد الذي كان يهرب من صخب البشر، وجد نفسه يقبل الاعتذار ويمد يده للسلام؛ لا لضعف فيه، بل لقوة استمدها من ملامح ابنته.
تجلى ذلك في قوله :”ومنذ أيام انجزنا من أجلها معاهدة صلح لا هازم فيها ولا مهزوم” تلك الكلمات جاءت بمثابة دستورا للتعايش، الآن لم يعد وليد الكائن الرمادي المتعالي، بل صار الأب الحامي الذي يدرك أن براءة ابنته تستحق التضحية بكبرياء العزلة؛ فإذا كان الطريق قد علمه فن الرحيل، فإن صفاء قد علمته حتمية العودة. وليد الذي كان يتبنى فلسفة تساوي الوجود والعدم، يكتشف الآن أن الوجود/ صفاء يفرض شروطه. الصلح هنا ليس مجرد تنازل اجتماعي، بل هو هدنة مع الحياة.
بتلك الكلمات “لا هازم فيها ولا مهزوم” لم يعد وليد الكائن الرمادي المتعالي، بل صار الأب الحامي ، لقد اكتشف أن رماديته لم تكن اختيارا نبيلا كما توهم، بل كانت سجن المرحلة المؤجلة؛ تلك الزنزانة التي بناها بوعيه ليقنع نفسه بالزهد، فإذا بها تحرمه من حق الاشتباك مع الحياة. لقد أدرك أخيرا أن رماديته لم تكن اختيارا نبيلا بل سجن لروحه خلف قضبان الانتظار واللاشيء؛ لذا، وحين سكن ضجيج المهنئين، واختلى بصفاء في مهدها، لم يجد بدا من أن يسكب ما تبقى من روحه في مناجاة أخيرة، حيث يتحول فيها السرد من تحليل الغيبة إلى وجع المناجاة؛ حيث تبرز صفاء ليس كطفلة تنتظر أبا، بل كصرخة وجودية شقت دثار المعطف الأسود، لتكشف لوليد أن استعلاءه الرمادي لم يكن إلا هشاشة ترتجف أمام أبسط تجليات الحياة/ لمسة ابنة. في هذه المناجاة، ينتقل وليد من طور الفيلسوف الرمادي إلى طور الكائن الممزق؛ حيث لا تبرز صفاء كطفلة، بل كمرآة قاسية تعكس كل ثقوب روحه حيث تكشف المناجاة عن صراع مرير بين الرغبة في الغياب وغريزة الحماية يقول وليد :”وهل ترثين يا صفاء؟ عناد أمك الفاتن مع الحياة والناس؟ .. قد ترثين مني القدرة على المراوغة…” بهذا التساؤل لا يخشي وليد من ابنته أن ترث رحمة، بل يخشى أن ترث منه عدوى الرمادية أو القدرة على المراوغة. هو يرى في المراوغة نجاة “فالمراوغ لا ينكسر”، ومع ذلك يخشى أن تصبح ابنته نسخة من هروبه الوجودي،” تائهة في دروب النداهة” التي ليست إلا صدى لنداء الطريق الذي طالما أسر عقله.
ثم يمارس وليد دفاعا نفسيا استباقيا حين يقول: “إياك أن تقولي تركني أبي ومضى”. هو هنا لا يحادث الرضيعة، بل يحادث ضميره المستقبلي، إنه يبرر انسحابه المحتمل بـعدم اليقين الزمني يقول: “ليس هناك ما يؤكد أنني سأعيش ربع قرن”، هذا الاستباق للموت أو الغياب هو محاولة لـغسل يديه من مسؤولية الأبوة قبل أن تبدأ، محولا الغياب الإرادي إلى قدر حتمي.
ثم تحدث نقطة التحول المفصلية حين يصطدم بـالجمال الساكن/ صفاء : “الجفون الناعمة مسدلة على نن العين كستائر حلم في الجنة”. هنا يسقط عقل وليد وتستيقظ حواسه. هذا الوصف السيميائي للجفون كستائر الجنة يعلن بطلان ردهات العدم التي كان يتحدث عنها سابقا. أمام جنة جفونها تبدو أوحال الطريق قذارة لا معنى لها.
ثم يعلن انكساره وعجزه أمامها قائلا: “أنا يا صفاء طائر مؤقت، فقد جناحيه مع الوقت”. فالأجنحة المفقودة هنا هي القدرة على التحليق بعيدا عن المسؤولية، والاعتراف بالمؤقت هو صرخة احتجاج ضد الدائم/ الأبوة. هو يخشى أن تكتب ذاكرتها البكر أول سطورها: “أبي ضحك علينا ورماني بين أحراش الحياة وأنيابها، ونجا بنفسه”، هذا الخوف من الوصمة هو ما يمنعه من الانهيار الكامل، ثم نراه أيضا يقول:” أنت يا ابنتي سؤال جديد ومجهول” وليد لا يرى في صفاء امتدادا له، بل يراها سؤالا يقتضي منه إجابة وبقاء، وهو الذي تساوت في عقله كل الإجابات وأصبح البقاء بالنسبة له نوعا من الموت البطيء، ثم يختم وليد صراعه بعبارة هي ذروة التيه: ” كلا لست جبانا فأهرب ولست قويا فأبقى” ، هنا يعترف وليد بأن الرمادية ليست اختيارا نبيلا، بل هي سجن المرحلة المؤجلة؛ هو ليس بالجبان الذي يجعله يغادر نهائيا /الانتحار – الهجر النهائي، وليس بالقوة التي تجعله يحتمل ضجيج الحياة اليومي. إنه يعيش في المسافة الصفرية بين الهرب والبقاء.
لم تكن تلك المناجاة مجرد بوح عابر فوق مهد صفاء، بل كانت مخاضا ثانيا لوليد نفسه؛ فما إن سكنت كلماته حتى شعر بثقل المعطف الأسود يضغط على أنفاسه، وثقل الحقيبة القابعة في الزاوية يطالبه بقرار نهائي. لقد انتهى زمن المراوغة، وأدرك أن بقاء الحقيبة بما تكتنزه من نظارة تعطل اليقين، وملابس تمنح غطاء الغربة، وذكريات مبتورة، يعني أن سجن المرحلة المؤجلة لا يزال مفتوح الأبواب؛ فالحقيبة ليست وعاء، بل هي خطة هرب جاهزة للتنفيذ في أي لحظة؛ لذلك اتخذ القرار فورا وقام إلقاء الحقيبة في المجرى المائي وهو بفعلته هذه يلقي بوليد القديم، إنه يقتلع رغبته في التيه ليعود إلى المركز البيت/الأسرة، الحقيبة لم تغرق وحدها، بل غرقت معها الحدأة التي اختطفته يوما، والنظارة التي حجبت عنه رؤية الحياة بغير رمادية، والمقاعد المؤقتة التي استنزفت عمره. لقد وصل إلى مرحلة التوبة الوجودية/ التوبة عن خطيئة الهروب؛ حيث يحل اليقين محل اللاشيء، وتتحول الرحلة من هروب إلى المجهول إلى سفر نحو الشفاء..
ثم كان قرار الذهاب إلى الدكتور أحمد لاجراء العملية لتمثل الانتقال من الرؤية الضبابية الرمادية إلى الإبصار اليقيني، ليرحل بعدها الكائن الرمادي بعد أن أغرق مع حقيبته جسوره القديمة، وليد الآن الذي كان يخشى المطاردة، أصبح هو من يبحث عن وسيلة لرؤية مطارديه /أسرته بوضوح.
يمكنني القول إن: كائن رمادي كان صرخة ضد الحياة الجافة والروتينية التي تسيطر على مجتمعاتنا، الفرح روتيني / مزمار- زغاريد، الحزن روتيني/ تأنيب ضمير صامت يسكن في الفجوات بين الواجب والعجز، وحتى الأبوة أصبحت روتينية/ تسليم العروس لعنوان جديد/ بيت زوجها، كما أن القطن في الرواية هو الأكثر روتينية وجفاء؛ نحن نضع القطن في آذاننا ليس فقط لنصمت عن ضجيج العالم، بل لنصمت عن صراخ أرواحنا التي ترفض التلاشي؛ لذلك فنحن نعيش بـنصف حواس لكي نتحمل بشاعة الواقع، وهذه هي الروتينية التي يلعنها نشأت المصري في نصه؛ أن نتحول إلى كائنات رمادية.
إن الرمادية في هذا النص لم تكتفِ بملاحقة الأبطال، بل حاصرت المبدع ذاته عند عتبة البداية؛ فجاء الإهداء علامة استفهام (؟) يتيمة وسط بياض الصفحة الصامت. وكأن نشأت المصري -في حالة تماه تام مع بطله- .
حيث تتجاوز علامة الاستفهام في الإهداء كونها حيرة، لتصبح موقفا نقديا من فكرة الانتماء. في عالم يراه وليد مرحلة مؤجلة، يصبح أي إهداء لشخص محدد هو خيانة لفلسفة النص الرمادية. إنها إهداء لـ اللاشيء الذي يطارد الأبطال، أو هي مرآة عاكسة تجبر القارئ على أن يواجه رماديته الخاصة منذ الصفحة الأولى. الكاتب هنا لا يسألنا، بل يلقي بنا في بحر الاحتمالات؛ لتكون (؟) هي الحقيبة التي لم تفتح بعد، والتي تحمل داخلها كل الأسماء وكل الوجوه. ليبقي السؤال معلقا كصرخة خرساء. نحن جميعا في هذا النص مشاريع كائنات رمادية، نتأرجح في مساحة التيه بين فقدين، فلا ندري لمن نهدي حكاياتنا، ولا ندرك كيف نتحرر من صمتنا. هذه العلامة (؟) ليست مجرد أداة ترقيم، بل هي إهداء تفاعلي، هي دعوة للقارئ ليضع اسمه مكان هذا السؤال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى