فكر

عدوى انعدام الثقة: من الوباء المعلوماتي إلى تفكيك المؤسسات

أ.د. أسامة إبراهيم
في كل مجتمع توجد أخطاء مهنية، ومظالم حقيقية، وتجارب قاسية يخرج منها الناس بغضب مفهوم. مريض لم يجد رحمة، مواطن وقع ضحية إهمال، أو أسرة دفعت ثمن فساد أو تعالٍ أو غياب محاسبة. هذه الوقائع تكشف شروخًا حقيقية في علاقة الناس بالمؤسسات، ومن الخطأ التعامل معها كضجيج عابر أو مؤامرة كاملة من أول وهلة.
لكن الخطر يبدأ حين تتحول الواقعة المحددة إلى حكم شامل، وحين تصبح التجربة الفردية دليلًا على فساد المهنة أو المؤسسة كلها. هنا ندخل في ما يمكن تسميته “نموذج العدوى المعرفية لانعدام الثقة”: جرح حقيقي، تتلقفه رواية غاضبة، ثم ينتقل عبر وسيط رقمي سريع، فيختلط فيه الصدق بالتهويل، والمعلومة بالانطباع، والألم المشروع بالرغبة في الهدم.
هذا النموذج قريب مما تسميه أدبيات الاتصال الحديثة “اضطراب المعلومات”؛ فالمشكلة ليست في الكذب الصريح وحده، وإنما في المزيج المعقد بين معلومات صحيحة تُنتزع من سياقها، ومعلومات ناقصة، وتأويلات متحيزة، وشهادات فردية مؤثرة، ومقاطع مبتورة، ثم تُرتب كلها داخل سردية واحدة: لا أحد يستحق الثقة. ومع تكرار هذا النمط، لا يعود الناس يختلفون حول واقعة محددة، وإنما حول معنى المؤسسة نفسها: هل هي قابلة للإصلاح، أم عدو ينبغي إسقاطه؟
وتزداد خطورة الأمر حين يتحول إلى ما يشبه “الوباء المعلوماتي”: فيضان من القصص، والتعليقات، والمقاطع، والاتهامات، والتفسيرات السريعة، بعضها صحيح، وبعضها مضلل، وبعضها حقيقي في أصله لكنه يُستخدم لإنتاج نتيجة خاطئة. في هذه البيئة، لا ينتصر الدليل الأقوى بالضرورة؛ ينتصر الخطاب الأسرع، والأكثر إثارة، والأقدر على لمس خوف الناس وغضبهم.
كل مؤسسة قابلة لأن تُصاب بهذه العدوى: الطب، والتعليم، والقانون، والهندسة، والإعلام. تبدأ الشرارة من مظلمة حقيقية، ثم تتلقفها منصات سريعة، ومؤثرون يجيدون صناعة الصدمة، وخطابات شعبوية تقدم للناس تفسيرًا بسيطًا لألم معقد. ومع كل قصة مؤثرة، يزداد الميل إلى التعميم: كل الأطباء تجار، كل الأساتذة فاسدون، كل المحامين متلاعبون، كل المهندسين مرتشون، وكل المؤسسات أقنعة بلا ضمير.
هنا يظهر الفارق بين النقد والهدم. النقد يطالب بالتحقيق، والمحاسبة، والشفافية، وإصلاح الممارسة. أما الهدم فيستثمر الخطأ كي يسقط المرجعية كلها، ويجعل المجتمع بلا ثقة، وبلا معيار، وبلا قدرة على التمييز بين العالم والدجال، وبين الإصلاح والانتقام.
وقد يكون بعض هذا الاضطراب عفويًا، ناتجًا عن ألم حقيقي وغضب متراكم. وقد يجد من يستثمره عمدًا طلبًا للشهرة أو المال أو تصفية الحسابات. وفي بعض الحالات قد يتحول إلى توجيه منظم، تستخدم فيه القصص المنتقاة والمقاطع المبتورة والحسابات المتحمسة لصناعة مزاج عام ضد مؤسسة بعينها أو ضد الخبرة عمومًا. غير أن التركيز على فاعل واحد قد يحجب الآلية الأعمق: هناك بيئة كاملة أصبحت قابلة للاشتعال.
حين تتأخر المؤسسات في الاعتذار، وتغيب المحاسبة، وتضعف الشفافية، وتتعالى اللغة المهنية على الناس، فإنها تترك فراغًا خطيرًا. هذا الفراغ يملؤه من يبيع الغضب في صورة وعي، والوهم في صورة بديل، والتعميم في صورة شجاعة. والمؤسسة التي لا تشرح نفسها للناس تترك خصومها يشرحونها نيابة عنها.
المجتمع العاقل يحتاج إلى معادلة صعبة: أن يحاسب المؤسسات بصرامة، وأن يحمي الثقة العامة من الانهيار. فلا قداسة لمهني أخطأ، ولا سلامة لمجتمع يفرح بسقوط كل مرجعية. الإصلاح يبدأ من الاعتراف بالجرح الحقيقي، ثم منعه من التحول إلى فتنة معرفية تأكل ما تبقى من ثقة الناس في العلم، والقانون، والتعليم، وكل مؤسسة تحفظ تماسك المجتمع.
ليست المشكلة في أن يغضب الناس من الخطأ، فالغضب أحيانًا علامة حياة. المشكلة أن يتحول الغضب إلى عدوى معرفية، وأن تتحول المظلومية إلى صناعة، وأن يصبح فقدان الثقة هو المنتج النهائي لكل واقعة. عندها لا نكون أمام خطأ مهني يحتاج إلى إصلاح، وإنما أمام وباء معلوماتي يعلّم المجتمع كيف يشك في كل شيء، ثم يتركه بلا بوصلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى